الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين..

نصل للفصل الأول من الباب الأول التوحيد وأصول الإيمان من الباب الفصل الثالث وهو توحيد الألوهيـة.
الفصل الأول وهو الكفر بالطاغوت .
قال تعالي / لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم..سورة البقرة
والعروة الوثقي هي كلمة لا إله إلا الله ، فالمُستمسك بها هو الذي يكفر بالطاغوت أي يكفر بكل ما يُعبد من دون الله ويؤمن بالله عز وجل.
الطاغوت : يشمل كل ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ . والطاغوت أصله في اللغة من طغي أي : جاوز الحد .
قال ابن القيم رحمه الله: الطاغوت ما جاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه من دون الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله عزل وجل أو يتبعونه علي غير بصيرة من الله ,
أو يعيدونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله .
فإن كان المعبود صالحاً وهو يأبي أن يُعبد من دون الله صارت العبادة للشيطان الذي أمر بها وصار من أمر بهذه العبادة هو الطاغوت كما قال تعالي / ألم أعهد إليكم يابني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مُبين..سورة يس
وقال عز وجل / ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهّؤلآء إياكم كانوا يعبدون*قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون..سورة سبأ
وإن كان المعبود ممن يدعو لعبادة نفسه أو يرضي بذلك أو حجراً أو شجراً أو نحو ذلك صار هو الطاغوت الذي أمر الله عباده أن يكفروا به ويتبرؤوا منه .
ورؤوس الطواغيت خمسة :
الأول : وهو الشيطان الداعي لعبادة غير الله وهو يدعو إلي عبادة نفسه دون طاعة الرحمن وطاعة الشيطان في الكفر بالله وتكذيب رسله هي عبادته من دون الله وأما طاعته في المعاصي التي يأمر بها مع إعتقاد القلب لحرمتها وبقائه علي أصل الإيمان بالله ورسله فهي ليست طاعة تامة إذ مقصوده الأعظم وهو القلب لم يتحقق ولذا فرق القرآن بين الشرك وما هو دونه
قال تعالي / إن الله يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثماً عظيما..سورة النساء
وكذا نصوص السنة والإجماع في التفريق بين الكفر وما دونه من المعاصي.
وحد العبد الذي لا يجوزه : أن يدعو إلي عبادة الله وطاعته فإذا جاوز ذلك ودعا إلي عبادة نفسه من دون الله فقد طغي وجاوز الحد ، فهو طاغوت .
الثاني : الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وهو طاغوت بنص القرآن قال تعالي / ألم تر إلي الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلي الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا*وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا..سورة النساء
وقال تعالي / أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم..سورة الشوري
وذلك لأن حد العبد أن يكون حاكماً بشرع الله محكوماً به متحاكماً إليه فإذا جاوز العبد حده وادعي لنفسه صفة الروبية وحق الألوهية في أن يحكم بما يراه دون شرع الله فقد طغي فهو طاغوت .
الثالث : الحاكم الجائر الذي يغير أحكام الله ، وهو قريب من الذي قبله إلا أن هذا النوع يدعل لنفسه حق التبديل والتعديل علي أحكام الله من قبل نفسه كالأحبار والرهبان وشيوخ الضلال والذي قبله يدعي لنفسه حق الأستقلال بالحكام: كالعلمانيين والقانونيين الوضعيين الذين يخترعون الأحكام من هوي أنفسهم
قال تعالي / اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابنَ مريم ومآ أمِروّا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يُشركون..سورة التوبة
وقال الله تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم / وإذا تتلي عليهم ءاياتـُنا بينت قال الذين لا يرجون لقآءنا ائتِ بقرءانٍ غير هذا أو بدِله قال ما يكون لي أن أبدله من تلقآي نفسي إن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم..سورة يونس.
الرابع : الكاهن الذي يدعي معرفة الغيب من دون الله – قال تعالي/ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمُها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مُبين..سورة الأنعام
وقال تعالي / عالمُ الغيب فلا يظهر علي غيبه أحداً*إلا من ارتضي من رسول فإنه يسلكُ من بين يديه ومن خلفه رصدا..سورة الجن
وذلك أن حد العبد أن لا يدعي العلم إلا بما أعلمه الله ومن صفات الربوبية التي استأثر الله بها : علم الغيـب
فّاذا جاوز العبد حده وادعي لنفسه صفة الربوبية فقد طغي ، فهو طاغوت .
الخامس : الساحر الذي يدعي ملك الضر والنفع والخلق والإحياء والإماتة وتقليب القلوب لصرفها أو عطفها علي ما يريد وكل هذه من صفات الربوبية فإذا جاوز العبد حد العبودية ونسب لنفسه ذلك فهو طاغوت
قال تعالي / واتبعوا ما تتلوا الشياطين علي مُلك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل علي الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتي يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الأخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ..سورة البقرة
وصفة الكفر بالطاغوت : أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وبطلان ما أدعاه الطواغيب لأنفسهم من صفات الربوبية أو حقوق الألوهية وتبغضهم وتعاديهم وتعتقد كفر من عبد الطاغوت وتـُصرح بعداوتهم وتعسي بكل ما تقدر عليه باللسان واليد والمال لإبطال عبادة الطواغيت حتي يكون الدين لله
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم / بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتي يُعبد الله وحده لا شريك له..رواه أحمد وابن أبي شيبة وغيرهم ,وصححه العلامة الألباني
وهذا مصداق قوله تعالي / يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكن والله ذو الفضل العظيم..سورة الأنفال
فالجهاد الإسلامي غايته تحقيق التوحيد وإزالة عبادة الطواغيت كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس / الله بتعثنا لنـُخرج من شاء من عباده العباد إلي عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلي سعتها ومن جوزر الأديان إلي عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلي خلقه لندعوهم إليه قمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبي قاتلناه أبداً حتي نـُفضي إلي موعود الله..ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.
ولله الحمد والمنة وعلي الله التكلان,
وصلي اللهم وسلم وبارك علي سيد الخلق أجمعين"عليه أفضل الصلوات والسلام"