في الحلقة الـ 27 بدأنا الحديث عن الفصل الحادي عشر من كتاب أنا زلاتان و الذي ألقى من خلاله الضوء على المشكلة التي عانى منها بسبب الصحافة و عن ذكرى أجمل أهداف يورو 2004 في مرمى منتخب إيطاليا و حارسه العملاق جيانلويجي بوفون.


و في حلقة اليوم سنواصل من حيث انتهينا حين بدأ الحديث عن مباراة ربع النهائي ضد المنتخب الهولندي، كما سنتعرف على مرحلة في غاية الأهمية من مراحل المسيرة الكروية لنجم هجوم الميلان الذي سيتحدث عن أحد أقوى رجال الكرة الإيطالية على مر عصورها .
كان المشجعون الهولنديون يرتدون ملابس و قبعات برتقالية و قد وجهوا صافرات الاستهجان لي لأنني كنت ألعب في الفريق الخطأ، و كانت المباراة متوترة و شهدت الكثير من الفرص، لكن وقتها الأصلي انتهى بنتيجة 0-0 و احتجنا لوقت إضافي أصبنا فيه العارضة و القائم. كان يجب أن ننهي اللقاء في العديد من المناسبات لكن المباراة وصلت في النهائية إلى ركلات الجزاء الترجيحية و توجه كل من في الملعب بدعواتهم إلى الله.



كانت الأعصاب مشدودة في كل مكان و كالمعتاد لم يقوَ الكثير منهم على مشاهدة ركلات الجزاء، فيما حاول الآخرون تشتيت انتباه اللاعب المنافس بإطلاق أصوات غريية. كان الضغط فظيعًا لكن الأمور سارت على ما يرام فقد سجَّل كيم كالتسروم ركلته و كذلك هينكي و أصبحت النتيجة 2-2.


الآن جاء دوري و كنت أرتدي في تلك المباراة عصابة سوداء على رأسي فشعري كان طويلًا. ابتسمت قليلًا و شعرت أنني بخير، لكن فجأة أصبحت متوترًا رغم أنني لم أكن مذعورًا و كان إدوين فان در سار يقف في المرمى.


اليوم حين أسدد ركلة جزاء أقوم بتحديد اتجاهي و اتجاه الكرة في المرمى، لكن حينها انتابني شعور غريب حين اقتربت من الكرة و كأنه كان علي فقط أن أسدد بأي طريقة و قد فعلت ذلك، فقط سددت لا أكثر و كانت المفاجأة حين ذهبت الكرة أدراج الرياح و أضعتها تمامًا. لقد سددت إلى الجحيم! كانت كارثة و خرجنا من البطولة، فأولوف ميلبيرج أضاع ركلته أيضًا و صدقوني هذه الذكرى ليست مسلية على الإطلاق. لقد كانت لحظة مزرية فقد امتلكنا فريقًا جيدًا و كان علينا أن نمضي بعيدًا في اليورو، و رغم ذلك كانت تلك المباريات بداية لمرحلة جديدة.


في شهر أغسطس نعيش أوقاتًا مضطربة، فسوق الانتقالات تغلق في نهاية ذلك الشهر و لذا تنتشر الإشاعات في كل مكان كالنار في الهشيم، و دائمًا تكون أغلب الفرق في مرحلة الإعداد للموسم الجديد ما يجعل الصحف لا تجد الكثير من الأشياء لكتابتها فيقولون "هل سيذهب إلى هناك؟ أو إلى هنا؟ كم ستدفع الأندية مقابل ضمه؟" .. هذه الأمور تجعل اللاعبين دائمًا متوترين و قد شاهدت دليلًا دامغًا على ذلك هنا في أياكس.


جميع اللاعبين الشباب في النادي أرادوا أن يتم بيعهم و في كل مكان كان الجميع ينظرون لبعضهم البعض بتوتر ،، "هل يحدث شيء ما معه؟ هل وقع لفريق آخر؟ لماذا لا يتصل بي وكيل أعمالي؟" .. كانت أجواءً متوترة شهدت الكثير من الغيرة بين الجميع، و بالنسبة لي انتظرت شيئًا لكنني بقيت أحاول التركيز على كرة القدم و أتذكر أننا لعبنا مباراة ضد أوتريخت، و حينها كان آخر شيء انتظرته هو أن يتم استبدالي لكن ما حدث هو أن كومان أشار لي بتغيير و قد جعلني ذلك أغضب و ركلت أحد لوحات الإعلان و قلت لنفسي "ما هذا بحق الجحيم؟ كيف يضعني على الدكة؟!"



كانت لدي عادة الاتصال بمينو بعد المباريات، فقد كان من الرائع دائمًا التحدث معه و أحيانًا الشكوى من أمر ما، لكن تلك المرة صرخت بقوة قائلًا "أي نوع من الحمقى هو ليقوم بتبديلي؟ كيف يمكن له أن يكون غبيًا؟" .. كنت أنا و مينو قاسيين على بعضنا البعض لكنني توقعت منه أن يدعم موقفي و يقول "نعم، أتفق معك. ربما يعانى كومان من نزيف دماغي، يالك من مسكين" ،، لكنه في المقابل قال:


مينو: بالطبع كان عليه أن يتسبدلك. لقد كنت الأسوأ في الملعب، كنت مقرفًا!!

إبرا: ماذا تقول بحق الجحيم؟

مينو: لقد كنت عديم الجدوى و كان ينبغي أن ينتهي بك الأمر على الدكة في وقت مبكر

إبرا: أنت

مينو: ماذا

إبرا: يمكنك أن تذهب للجحيم أنت و المدرب!


أغلقت الهاتف في وجهه و اغتسلت ثم عدت إلى بيتي في ديمِن و لم أكن حقًا في مزاج جيد، لكن حين وصلت وجدت شخصًا ينتظر أمام باب منزلي، إنه مينو! قلت لنفسي "كيف لذلك الأبله أن يأتي إلى هنا" و لم أكن قد خرجت من سيارتي حتى قبل أن يبدأ كل منا الصراخ في وجه الآخر!


مينو: كم مرة علي أن أقول لك ذلك؟ لقد كنت أحمق و لم يكن عليك أن تركل اللوحات الإعلانية. عليك أن تنضج

إبرا: اذهب إلى الجحيم

مينو: اذهب و ا**ح نفسك

إبرا صارخًا: تبًا لك، سابقى كما أنا و لن أتغير. أريد أن أرحل من هنا!

مينو: إذن عليك أن تذهب إلى تورينو ..

إبرا: ما الذي تتحدث عنه؟

مينو: حصلت ذات مرة على اتصال من اليوفنتوس

إبرا: عذرًا؟؟

مينو: كما سمعت (و بالطبع سمعت، لكنني لم أستوعب ما قيل)

إبرا: هل رتبت موعدًا مع اليوفنتوس لي؟

مينو: ربما

إبرا: أنت رائع، لكن هل أنت أحمق ملعون كي لا تخبرني عن الأمر؟

مينو: لا شيء تحدد بعد، لكنني سأعمل عن الأمر


قلت لنفسي "إنه اليوفنتوس!! قبله لم يكن هناك سوى ساوثهامبتون" .. اليوفنتوس ربما كان أفضل فريق في أوروبا حينها، فقد ضم نجومًا كتورام، تريزيجيه، دل بييرو، بوفون و نيدفيد رغم أنهم خسروا نهائي دوري الأبطال في الموسم الماضي أمام الميلان. هؤلاء اللاعبون كانوا نجومًا و كان يدربهم السيناتور فابيو كابيلو و الذي أراد ضمي لسنوات حين كان مدربًا لروما، و لذا كنت آمل أن يفعلها مينو.


لوتشيانو مودجي كان من يقود اليوفنتوس في ذلك الوقت و كان رجلًا صارمًا و ذو نفوذ كبير، و قد شق طريقه بنفسه من لا شيء ليصبح أحد أقوى الرجال في كرة القدم الإيطالية. لقد كان ملك سوق الانتقالات و مع انتقاله ليوفنتوس فاز الفريق بالدوري مرارًا و تكرارًا تحت قيادته.


لكن بالتأكيد لم يكن معروفًا عن مودجي أنه "سنو وايت" فقد انتشرت الفضائح حوله بشأن الرشاوي، تعاطي المنشطات و الدعاوي القضائية التي كان عليه أن يواجهها، إضافة إلى المزيد من القذارة و الأقاويل عن تبعيته لمافيا "الكامورا النابوليتانية". كل ذلك كان هراءً بكل تأكيد لكنه بدا شقيًا و كان يحب السيجار و البزات الزاهية و لم يكن أحد يضاهيه في التفاوض. لقد كان أستاذًا في إبرام الاتفاقات و لم يكن يؤذِ الطرف الآخر بشروطه.


مينو كان يعرفه، و يمكنني أن أقول أنهم أصبحوا أصدقاء بعد عداوة قديمة. حجز مينو موعدًا مع مودجي لكن البداية لم تكن جيدة على الإطلاق، فمكتب مودجي كان كصالة الانتظار تواجد فيها حوالي 20 شخصًا ينتظرون الدخول لمقابلته و جميعهم كانوا غير صبورين، لكن لا شيء حدث. مر الوقت و جن جنون مينو، فقال "لقد رحل، ياله من مجنون، كيف له أن يتجاهل موعدًا مثل هذا بحق الجحيم؟" .. كل من يعرف مودجي يعلم أنه ذلك قد يحدث، لكن مينو لم يحترم تلك الخطوة فلاحق مودجي في اليوم ذاته حيث وجده في مطعم النادي الرئيسي "أورباني" في تورينو، و قال له


مينو: لقد عاملتني بشكل سيء

مودجي: من أنت بحق الجحيم؟

مينو: كيف تنسى أنك أردت شراء لاعبًا مني؟



استمر مينو في صب جام غضبه على ذلك الرجل العجوز، و أحيانًا كان يقوم مينو بتقديم نفسه لرؤساء الأندية قائلًا "أنا مينو، أنا عدو مودجي!"، و بما أن مودجي كان شخصًا يهزم أعداءه بسهولة ربما لم يكن ذلك وصفًا جيدًا لما للوضع بينهما، لكن عاجلًا أم آجلًا كان على مينو أن يقوم ببعض العمل مع مودجي و اليوفنتوس. في 2001 كانت هناك مفاوضات مع نيدفيد و كان أحد أعظم لاعبي مينو، لكن لا شيء كان واضحًا بل كان الأمر غريبًا للغاية.


كان لدى مينو اتصالات مع ريال مدريد في ذلك الوقت أيضًا و هو و نيدفيد نجحا في الاجتماع بمودجي فقط مرة واحدة لمناقشة الأمر في تورينو. لكن مودجي لعب لعبة ذكية للغاية و اتصل بجميع الصحفيين، المصورين و المشجعين أيضًا و قد جهز مؤتمرًا صحفيًا للترحيب به حتى قبل أن تبدأ المفاوضات، و لم يكن بوسع نيدفيد أو مينو التملص.


لم يكن مينو منزعجًا لتلك الدرجة مما حدث، فقد أراد ذهاب نيدفيد لليوفنتوس و قد أتاحت له الصفقة فرصة التفاوض على العقد بأفضل الشروط. ربما كان الرجل العجوز متغطرسًا، لكن مينو فهم لعبته و كانت هذه هي المرة الأولى التي أعلن الطرفين فيها السلام و أصبحا أصدقاء، ليس لأن كل منهما يعامل الآخر بشكل جيد بل للاحترام المتبادل بينهما.


كان يبدو أن هناك أندية أخرى بدأت تسعى خلفي، لكن مودجي كان الأكثر جدية رغم أن مهمتنا لم تكن سهلة معه، فهو لم يكن يحصل على الوقت الكافي لنا و استطعنا فقط الاجتماع به لنصف ساعة في موناكو حيث كانت تقام جائزة موناكو الكبرى لسيارات الفورمولا 1.


أتذكر أن مودجي كان متواجدًا في تلك المدينة من أجل بعض العمل فمجموعة فيات التي تمتلك شركتي فيات و اليوفنتوس كانت مشاركة في السباق. كان يفترض أن نجتمع به في صالة كبار الشخصيات في المطار، لكن الزحام في الشوارع كان شديدًا و لم نتمكن من الوصول بسيارة بل كان علينا أن نركض، و بالطبع لم يكن مينو جيدًا في الركض فهو سمين و كان يلهث كثيرًا و قد تعرقت ملابسه بشكل كامل.



أتذكر الملابس التي كان يرتديها: سراويل هاواي القصيرة و قميصًا رياضيًا من طراز نايك بخلاف حذائه الذي ارتداه دون أي جوارب و كان العرق يغطيه تمامًا، و حين دخلنا إلى القاعة الخاصة في المطار وجدنا الدخان يملأ المكان. لوتشانو مودجي كان يدخل سيجارًا ضخمًا و أتذكر الشعور الذي انتابني حين شاهدته: رجل عجوز و أصلع، لكن على الفور شعرت أنه كان ذا نفوذ كبير للغاية اعتاد على أن يطيع الناس أوامره.


لكن ما الذي حدث؟ حدَّق مودجي بملابس مينو و قال له:


مودجي: ما الذي ترتديه بحق الجحيم؟

مينو: هل أنت هنا لتتحقق مما أرتديه أم ماذا؟؟


ما هو الموقف الذي تسبب بأزمة بينه و بين زميله و قائد أياكس آنذاك فان در فارت، و كيف استغل إبرا كادابرا ذلك الموقف ليسجل أفضل هدف له في مسيرته مع أياكس ثم يرحل إلى اليوفنتوس؟ و ما الذي رآه مودجي في إبرا و كاد يفشل الصفقة لولا تدخل كابيلو؟

انتظرونا في الحلقة القادمة مع مشكلة جديدة تعرض لها نجم الكرة السويدية الذي لا يبدو أنه ترك فريقًا إلا و كانت المشاكل تلاحقه في أيامه الأخيرة ..!






منقول