هذه الحكاية حدثت في القرن الماضي .. يعني من قبل سنتين ونص كذا .. أعنى قبل أتزوج وأعول وأعقل وأركز..
تلك الأيام البعيدة الموغلة في القدم .. حينما كنت أتلقى تلفونات وأرد عليها بنفسي ، وحينما كنت أقبل بكل شجاعة أي دعوه من أي صديقة تريد أن تفضفض لي بهمومها .. أو حتى معجبة تريد أن تبث لي إعجابها وجهاً لوجه ،أملاً في أن تحولني أنا إلى معجب ..
ألو.. أنا هناء ممكن أقابلك؟.. وأرد أنا بكل سلاسة .. اوكي ... مادامت هى هناء وتريد مقابلتي فلم لا .. ثم يرن التلفون ... مساء الخير أنا حنان حابه أتكلم معك .. وأرد كعادتي ... أهلا ..
وبعد الزواج .. أعنى الحصار العاطفي مثلما يحدث في العراق .. قامت الجهات الأمنية المسئولة بتغيير رقم تلفوني كإجراء وقائي مبدأي .. ثم صدر قرار آخر بألا أرد على التلفون ، إلا بعد التأكد من نية الطالب .. ثم تحولت زوجتي إلى بعثة تفتيشية أمريكية .. تبحث في أوراقي وأرقام التليفونات المسجلة على الجوال .. للتخلص من أي رقم يحمل اسماً أنثويا.. يعد بالنسبة لها .. من أسلحة الدمار الشامل ..
وبعد سنتين ونصف من هذه الأحكام العسكرية .. تحول تلفوني الذي لا يتوقف عن الرنين أربعة وعشرين ساعة في اليوم .. تحول إلى جثة هامدة .. مجرد حاجة مركونة على جنب .. كأنه طفاية .. ولاعة .. علبة سجائر ..
المهم ..... نعود إلى الحكاية التي حدثت في القرن الماضي .. حينما رن جرس التلفون الساعة الثانية عشر مساء َ.. وصوت رقيق يسألني إنتا تمام ؟ قلت مين معاي .. قلت أنا بسالك أنتا تمام .. قلت لها .. الحمد لله أنا تمام .. قالت ..طيب تصبح على خير .. وقفلت الخط... تملكتني الحيرة من هي ؟ صوتها ليس مألوفا لدي عموما .. هي حرة أنا تمام .. ونمت .. ونسيت الحكاية كلها ..


وفي اليوم التالي عدت إلى المنزل بعد يوم شاق..وتمددت على الكنب ..
وفي تمام الثانية عشرة مساءً رن التلفون .. ألو.. الصوت نفسه يسألني انتا تمام .. قلت لها وأنا معصب أنتي مين ، قالت .. أنا وحده حابه تطمأن عليك .. أنتا تمام ..؟ وقفلت السماعة في وجهي هذه المرة .
وفي اليوم التالي .. ذهبت إلى البيت قبل الثانية عشرة متعمداً.. ولم تخيب ظني .. و .. انتا بخير .. ولم أتملك أعصابي .. قلت لها اسمعي أنا ماني فايق للعب الأطفال هذا .. قالت بهدوء قاتل رزل .. وش فيك بس .. ما أنتا كنت تمام .. واستفزتني هذه قلت لها .. أنا تمام طول ما أنتي ما تكلميني .. أذا كلمتيني ما أصير تمام فهمتي .. قالت اوكي تمام فهمت .. وقفلت السماعة ..
وللحق .. توقفت صاحبتنا عن المكالمات بعدها تماما.. وبدافع الفضول لا أكثر كنت أذهب أنتظر تلفونها ،ولا أنكر أنني بقدر ماسعدت من راحة راسي .. بقدر ما قلقت عليها لا تكون هيا مو تمام أو أي حاجه ..
بعد شهر رن التلفون كانت هيا في نفس الموعد وباللهجة نفسها يشوبها ابتسامة.. إنتا تمام الحين ؟! قلت لها باسماً ايوه كذا أحسن .. مرة كل شهر ماشي .. إنما كل يوم .. صعب .. قالت المهم أني اتطمنت إنك تمام .. وقفلت الخط .. قلت لنفسي أكيد مجنونة ..
في صباح اليوم التالي كنت أجلس في أحد الفنادق الفخمة .. في دمشق .. اقرأ كعادتي وجاءت المضيفة ،ووضعت فنجان القهوة أمامي .. وما كدت أرشف منها أول رشفة.. حتى أخترق أذني سؤال أنا اعرفه جيداَ.. إنتا تمام .. واندلق فنجان القهوة .. ونظرت نحوها قائلاً.. إنتى .. قالت لاتعصب .. الحكاية كلها إن فنجان القهوة الذي تشربه الآن عُرض عليا فيه عشرة الآف ليرة ؟!! .. قلت لها كيف .. قالت جاءت لي فتاة ، وطلبت مني أن أعطيها الفنجان الفارغ ، بعد أن تشربه وتعطيني المبلغ .. قلت لها لماذا .. قالت لأنها تريد أن تعمل لك عمل .. تسحرك .. قلت لها مفزوعا ًًوهل أعطيتيه لها .. قالت .. والله العظيم ما أعطيتها أي حاجه ..بس أنا خفت أنك ترجع في مكاني مرة ثانية وتشرب قهوة ، وعيال الحرام ياخذو الفنجان .. عشان كذا كنتي تسأليني إنا تمام ؟!
ولكن ما العمل .. قالت إياك أن تشرب فنجان قهوة أو كوباً وتتركه .. قلت لها وماذا أفعل .. قالت بعد ما تشرب الفنجان .. تكسره .. إن هذا يحدث كثيراَ في المطاعم والمقاهي .. ولن يلفت النظر .. الكل سيقول لك .. انكسر الشر وراح ..
وفي أقل من ستة أشهر بعد أن رجعت للسعودية كنت قد كسرت عشرين طقم فناجين وكاسات .. غير اثني عشر طقما ،احتفظ فيها لنفسي خلسة قبل أن يراها الجر سون ..
والحمد لله .. أطمأنكم .. أنا تمــــــام ! !.. و سوزي تمام .
&&**غموض الواضح&&**