أحداث ميدان التحرير ومشهد الفوضى و العلاقة بين الثوار والأمن .. أسئلة حائرة



أحداث ميدان التحرير ومسرح البالون


في أعنف مواجهة تشهدها مصر منذ تنحي الرئيس المصري السابق، محمد حسني مبارك عن السلطة في 11 من فبراير الماضي، أعادت الى الأذهان بقوة ما سبق من مصادمات دامية بين قوات الأمن المصرية والثوار بميدان التحرير أثناء ثورة الـ 25 من يناير .
تحول الميدان والشارع الذي يضم مقر وزارة الداخلية المصرية الى ساحة للتراشق بالحجارة والقنابل المسيلة للدموع بين المتظاهرين وقوات الشرطة مما أسفر عن سقوط ما يزيد عن 1000 مصاب .
الأحداث التى وقعت بميدان التحرير وأسلوب تعامل الشرطة مع المتظاهرين عبر تبادل التراشق بالحجارة والإطلاق الكثيف للقنابل المسيلة للدموع مساء الثلاثاء الماضي، أثار الكثير من ردود الأفعال لدى مختلف القوى السياسية في البلاد .
كما فتح المجال لاجتهادات وتساؤلات متعددة حول الجهة أو الجهات التى تقف وراءها، والطريقة المناسبة للتعامل مع هذا النوع من الأحداث لتجنب تكرارها مرة أخرى .
وهل هي أعمال عنف يقوم بها مجموعة من الخارجين عن القانون والبلطجية كما أكدت الجهات الرسمية في البلاد أم أن هذه الاشتباكات هي بمثابة استكمال لثورة الـ 25 من يناير كما قال المتظاهرون ؟
تفاصيل الحدث

تعود تفاصيل الحدث التي أدت الى نشوب المواجهات إلى الساعة الثامنة من مساء يوم الثلاثاء الماضي، حيث أقامت وزارة الثقافة المصرية حفلا بمسرح البالون بالعجوزة، لتكريم أسر شهداء ثورة 25 يناير .
وأثناء الحفل حاول عدد من الأشخاص الدخول للحفل بدعوى أنهم من " أسر الشهداء"، فتصدى لهم رجال الأمن بالمسرح، ومنعوا دخولهم إلا بتصريح من منظمي الحفل .
فما كان منهم إلا محاولة دخول المسرح عنوة وتحطيم زجاج بوابته، مما أدى إلى نشوب مشاجرة بين الطرفين، اعتدى خلالها كل منهم على الآخر بالشوم والحجارة.
وبعد ساعات قليلة من تلك الأحداث توجه عدد من الذين تم منعهم من دخول المسرح إلى ميدان التحرير، وانضم إليهم بعض المعتصمين؛ الذين يفترشون الأرض أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون بماسبيرو .
وعندها حاولت قوات الشرطة تفريق المتظاهرين بالقوة، فبدأ المتظاهرون برشق قوات الأمن بالحجارة، لتتحول بعدها إلى اشتباكات بينهم وبين الأجهزة الأمنية التى استخدمت القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، قبل أن يصدر اللواء منصور العيسوى؛ وزير الداخلية أمراً لجميع قوات الشرطة بعدم التعامل على الإطلاق مع المتظاهرين .
وجاء في بيان لوزارة الداخلية المصرية،أنه بعد وقوع هذه الاشتباكات توجه المتظاهرون إلي وزارة الداخلية وبادروا بالهجوم عليها .
فما كان من قوات الشرطة إلا أن ردت عليهم وأبعدتهم صوب ميدان التحرير، وأنه حتى بعد صدور قرار وزير الداخلية بانسحاب قوات الشرطة من الميدان وعدم لجوئها إلي فض الاعتصام بالقوة، فإن المتظاهرين مستمرون في التحرش بالقوات المرابطة عند مقر وزارة الداخلية.
تحقيقات مستفيضة
الدكتور أحمد السمان، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء، أكد أنه تجرى حاليا تحقيقات مستفيضة على أعلى المستويات لمعرفة أسباب أحداث التحرير ومن يقف وراءها .
مشيرا إلى أن الحكومة لن تتعجل فى الحكم على هذه الأحداث أو توجيه الاتهام لأحد أو لجهة ما إنما تنتظر نتائج التحقيقات وستعلنها فى حينها بكل شفافية ووضوح .
لافتا الى أن عدد المصابين الذين يتلقون العلاج فى تلك الأحداث بلغ عشرة مصابين وليست بينهم أية حالة خطيرة وحالتهم مستقرة الآن ولا يزالون يتلقون العلاج.
وفي رد فعل للمجلس الأعلى للقوات المسلحة على الأحداث، أكد المجلس فى الرسالة رقم (65) على صفحته على الفيس بوك عن وجود مخطط يهدف إلي " زعزعة أمن واستقرار مصر وفق خطة مدروسة ومنظمة، يتم فيها استغلال دم الشهداء بغرض إحداث الوقيعة بين الثوار والمؤسسة الأمنية ".
في حين ربطت العديد من القوى السياسية والحزبية،بين تلك الأحداث من ناحية وصدور حكم من القضاء الإداري بحل المجالس المحلية والذي جاء قبل ساعات من اندلاع الأزمة .
بينما يرى البعض أن ما حدث هو يعد بمثابة رد فعل غاضب من جانب أسر الشهداء والمصابين، نظرا لتأجيل وتأخير محاكمة رموز النظام السابق وفي مقدمتهم الرئيس السابق، حسني مبارك، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي .
رد فعل من الفلول

يحذر الناشط السياسى، الدكتور ممدوح حمزة، من الانسياق وراء دعاة إثارة الشغب من فلول النظام السابق والذين يهدفون من وجهة نظره إلى شغل الرأى العام عن معارك الإصلاح الحقيقى وعلى رأسها مسألة الدستور أولاً .
فيما أكد حمزة على أنه كان على قوات الشرطة أن تنسحب من الميدان منذ بداية الأحداث حتى لا تضع نفسها فى موقف محرج.
وأضاف أن ما حدث بميدان التحرير هو عبارة عن رد فعل متوقع من فلول الحزب الوطني على قرار محكمة القضاء الإداري بحل المجالس المحلية التى وصفها بأنها كانت أقوى سلاح للحزب الوطنى المنحل .
ومن جهتها أكدت اللجنة العامة لحقوق الإنسان بنقابة المحامين المصريين، على أنها شكلت لجنة لتقصي الحقائق حول أحداث مسرح البالون وميدان التحرير .
وأكدت اللجنة فى بيان لها على أن أعداء الثورة استغلوا مطالب هى من الحق الذى لا خلاف فيه من حتمية الإسراع فى المحاكمات وضم حسنى مبارك لمحاكمة قتلة الثوار .
وأعلنوا مطالب أخرى لتحقيق مآربهم، ثم هتفوا بهتافات لتثوير الناس ودفعهم للفوضى.
مضيفة أن تعامل الشرطة كان لافتاً فى دفع الأمر للتصعيد باستخدام القوة المفرطة بكل قسوة.
الإخوان يدينون
أدانت جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية، تلك الأحداث المؤسفة التى شهدها ميدان التحرير ووصف القيادى بحزب الحرية والعدالة، أحمد أبو بركة أحداث التحرير بـ " موقعة الجمل الثانية " .
وأكد أبو بركة أن ما حدث من " سيناريو للشغب " بدأ من أمام مسرح البالون وحتى ميدان التحرير يعكس وجود عصابة منظمة خططت ودبرت لتلك الأحداث ونجحت فى اندلاعها وإعادة التوتر مرة ثانية إلى البلاد بعد أيام.
بينما ربط المتحدث الإعلامي باسم الجماعة الإسلامية، الشيخ عاصم عبد الماجد، بين أحداث التحرير والحكم القضائى التاريخى بحل المجالس المحلية .
مشيرا إلى أن 153 ألف عضو بالحزب الوطنى أصحاب مصلحة مباشرة يستطيعون حشد المئات من البلطجية لإحداث الفتنة.
مهزلة أمنية
تباينت آراء العاملين فى المجال الأمني حول تفسير أحداث ميدان التحرير، فقد اعتبر الخبير الأمني المقدم الدكتور محمد محفوظ، في تصريحات لصحيفة الشروق الجديد المصرية،أن ما حدث من اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الشرطة بميدان التحرير، هو مهزلة أمنية جديدة تنتهج سياسة وزير الداخلية الأسبق العادلى في قمع المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع والضرب، مؤكدا على أن مهمة الأمن من المفترض أن تكون هى حماية المتظاهرين السلميين .
وأضاف محفوظ ، أن الأمن لايزال يمارس وظيفته القديمة فى التعامل مع المتظاهرين بلا إنسانية وإلقاء القنابل المسيلة للدموع عليهم والاشتباك معهم، كما أن وزارة الداخلية مازالت تسير على خطى حبيب العادلى، ولابد من هيكلة وزارة الداخلية من جديد فهى محتاجة إلى تدخل جراحى لإعادة تنظيمها وهيكلتها حتى تصبح قابلة للتطور الديمقراطى، مطالبا بإقالة اللواء منصور العيسوي، وزير الداخلية الحالي .
فيما رأي الخبير الأمني العميد طارق حسن أن ما حدث بميدان التحرير،هو مخطط للاستيلاء على وزارة الداخلية بل لإلغائها تماما – حسب تعبيره .
وأشار حسن إلى أن ما حدث كان خطة مدبرة بكل جوانبها، مؤكدا أن العقيد عمرو عفيفى، قام بتوجيه النشطاء والشباب إلى ميدان التحرير لإسقاط الشرطة وذلك عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك، فضلا عن معاونة فلول النظام السابق الذين استغلوا حفل الشهداء فى مسرح البالون ومحاولة اقتحامه لإثارة الشغب.
أما اللواء أحمد جمال - مدير مصلحة الأمن الوطنى – فيقول أن أحداث ميدان التحرير قد تكون منظمة وليست صادرة عن أهالى شهداء الثورة أوالمتظاهرين بالميدان، مرجعا تصوره لرغبة البعض فى إظهار الشرطة فى حالة ضعف؛ مما يؤثر على أمن الدولة.
ونفى مدير مصلحة الأمن الوطنى قيام الشرطة بضرب المتظاهرين سواء بالقرب من وزارة الداخلية أو الميدان، مؤكدا أنهم استخدموا الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين أمام مبنى وزارة الداخلية، وأنهم لم يدخلوا الميدان بل كانت الجامعة الأمريكية أخر نقطة وصلت إليها القوات.
واشنطن تنتظر
حول أحداث العنف التى شهدتها مصر، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، مارك تونر، إن العنف من جانب أي طرف لن يساعد فى تحقيق أهداف ثورة "25 يناير".
ونوه تونر بأن السفارة الأمريكية تحاول التحقق من التقارير التى أفادت باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع خلال الأحداث الأخيرة بميدان التحرير، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف دعا إلى إجراء تحقيق فى هذا الشأن، وستنتظر واشنطن نتائج هذا التحقيق للاطلاع على التفاصيل.
بيد أن أحداث ميدان التحرير قد أظهرت الى حد كبير عدم وجود التغييرات المأمولة في أسلوب تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الميدان، فكان لابد أن تتعامل قوات الأمن مع الأحداث بشكل يكفل حرية التظاهر بدون الاشتباك المباشر مع المتظاهرين خاصة وأن هناك من يريد أن يزج بالبلاد نحو الفوضى .
وعلى الحكومة والمجلس العسكري أيضا أن يتعاملا بسرعة مع الملفات التي تساهم في شحن الأجواء ومنها على سبيل المثال البطء النسبي الذي تتسم به المحاكمات الجارية الآن لرموز النظام السابق في ضوء غياب العلنية .
وأيضا عدم السماح لأسر الشهداء والمصابين المدعين بالحق المدني بحضورها .
وقد دفع ذلك بالإضافة الى الأحداث التي شهدها ميدان التحرير الى إعلان 13حركة سياسية و7 أحزاب، الدخول فى اعتصام مفتوح بميدان التحرير، لمساندة أهالي الشهداء والمصابين فى اعتصامهم .
وذلك حتى يتم تنفيذ مطالبهم، ومنها الوقف الفورى لمحاكمات المدنيين أمام القضاء العسكرى، وعلنية المحاكمات والتحقيقات وتمكين الشعب وأهالي الشهداء من حضورها.