صحيفة الشرق القطريه الأحد 12 صفر 1432 – 16 يناير 2011
مشكلة أن تكون نزيها – فهمي هويدي
لنترحمك الحكومة إذا كنت معارضا سياسيا،
ولن يرحمك المثقفون إذا كنت نزيهاومتجردا،
والأولى فهمناها وحفظناها جيدا.
أما الثانية فقد باتت بحاجة إلىتحرير، خصوصا في الأجواء الراهنة بمصر. المشحونة بالانفعالات والحساسيات،والمسكونة بقدر هائل من الغضب والحزن.
تلك خلفية دفعت كثيرين إلى إبداءمشاعر التضامن والتعاطف مع ضحايا المذبحة وذويهم، وهو أمر مشروع ومطلوباكتفى به البعض،
في حين أن آخرين رأوا في المذبحة أنها ليست فاجعة أصابتفئة بذاتها دائما هي أيضا بمثابة طعنة في قلب الوطن. من ثم فإن قلوبهمكانت مع الضحايا حقا، في حين ظلت أعينهم معلقة بخريطة الوطن.
ومن موقعهمذاك تعاملوا مع المشهد وتداعياته بقدر أكبر من التوازن والعقلانية، وبقدرأقل من الاندفاع العاطفي. وهو ما مكنهم من أن ينبهوا إلى الأخطاء التي وقعفيها الجميع، الحكومة والمسلمون والأقباط.
تحدثوا عن ضعف الحكومة وتراخيهاالأمني، وعن تعصب بعض المسلمين وجنوح بعضهم إلى التطرف والإرهاب، وعناستقواء الكنيسة القبطية ورياح التعصب التي هبت على بعض أركانها ورعاياها.
هذا التجرد لم يعجب قطاعات من المثقفين، ولم تتعود عليه الجماهير المفتقدةإلى ثقافة التجرد. إذ لم تعد ترى من الألوان غير الأبيض والأسود، بحيثأصبح الناس عندهم إما مع أو ضد.
غاب عن هؤلاء وهؤلاء أن الواحد يمكن أن يكون مع طرف آخر وينتقده، وأن هناكفرقا بين التعاطف والتحيز.
والتعاطف يسمح بالنقد في حين أن التحيز لايحتمله.
والتعاطف يسمح لك بأن ترى الحدث في ضوء الظروف والمصالح المحيطةبه،
أما التحيز فإنه يضيق من زاوية النظر، بحيث يحصره في الحدث منفصلا عنمحيطه.
ليس لي أن أتحدث عن النوايا، فضلا عن أنني لا أشك في إخلاص وصدق المثقفينالذين انفعلوا بما جرى ــ وبعضهم مسلمون محترمون ــ فتحاملوا على المسلمينوضاقت صدورهم بالنقد الذي وجه إلى الكنيسة القبطية،
ولأنهم ذهبوا فيتعاطفهم إلى حد التحيز، فقد شنوا هجوما قاسيا على الذين اختاروا أن يقفوافي الوسط وأن يتجردوا في التعبير عن آرائهم، حين شغلوا بالوطن ومستقبلهواستعلوا فوق مشاعر الطائفة.
ولا أريد أن أقلل من قدر مشاعر الغيرة علىالطائفة. واعتبرها مشاعر نبيلة ومقدرة: لكننا لا ينبغي أن نوجه أصابعالاتهام إلى من عبروا عن غيرتهم على الوطن أيضا.
إنني لا أفهم مثلا لماذا نحتمل نقدا لرئيس الدولة والحكومة وللرموزوالجماعات والمؤسسات الإسلامية، في حين ينتفض البعض غضبا إذا وجه أي نقدللكنيسة الأرثوذكسية ورئيسها.
ولماذا يعد ذكر بعض الأخطاء، التي تمس هيبةالدولة إخلالا بالوحدة الوطنية، كأن كتمانها والمداراة عليها وتحويلها إلىقنابل موقوتة يعزز الوحدة ويحميها،
ولماذا تضيق صدور البعض إذا حاولنا أننعطي مذبحة الإسكندرية حجمها الحقيقي بلا زيادة أو نقصان، فاعتبرناهاجريمة بشعة حقا، ولكنها حدث استثنائي في التاريخ المصري المعاصر. فلا مصرصارت كالعراق، ولا هي تحولت إلى معسكرات وطوائف مثل لبنان، ولا «القاعدة» هيمنت على مقدراتها واستولت على عقول شبابها.
حين ضربت التفجيرات لندن قبل خمس سنوات، وقتل بسببها 59 شخصا وجرح 700،فإن البلد صدم حقا، لكنه لم يصب باللوثة التي نشهد أصداءها في مصر الآن،وإنما أعطى الحدث حجمه وتم التعامل مع الجريمة برصانة وهدوء، واعتقل فيالحادث رغم فداحته ثمانية أشخاص لا غير، أخذ القانون مجراه في التعاملمعهم.
إن الترهيب لم يعد مقصورا على الحكومات والأجهزة الأمنية فقط، ولكن هناكأيضا إرهاب المثقفين الذي تفرضه عليهم تحيزاتهم على نحو يضيق بالتجردوالاستقامة الفكرية.
وهناك كذلك إرهاب الجماهير التي شحنت بالتحيزات وفتنتبالتصنيفات، ووفرت لها ثورة الاتصال إمكانات الجهر بالتلاسن ومحاكمة كلصاحب رأي مخالف.
........................
من المفارقات أن المثقفين الذين يثير غضبهم النقد النزيه هم أنفسهم الذينلا يكفون عن إعطائنا دروسا في ضرورة احترام الرأي الآخر، ودروسا أخرى فيالغيرة على البلد وضرورة الارتفاع بمصالح الوطن فوق حسابات الفئة أوالطائفة.





رد مع اقتباس




المفضلات