صحيفة الشرق القطريه الأحد 5 صفر 1432 – 9 يناير 2011
وقعنا في المحظور – فهمي هويدي
إذاصح أن محافظ كفر الشيخ أصدر قرارا بمنع تحفيظ القرآن في البيوت إلا إذاكان القائم على الحفظ إما مرخصا له من وزارة الأوقاف أو مندوبا عن إحدىالجمعيات الأهلية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، فذلك يعد تعبيرا عنحالة التخبط والارتباك التي وقع فيها البعض بعدما وقعت الواقعة فيالإسكندرية
ــ ذلك أنه بمقتضى هذا القرار فإن حفظ القرآن أصبح غير مسموحبه في البيوت إلا إذا تم تحت إشراف الحكومة أو من يمثلها.
وليت الأمر وقفعند ذلك الحد، لأن ذلك التخبط عبرت عنه مختلف وسائل الإعلام المصرية، التيامتلأت بكتابات حين حاولت أن تتعاطف مع الأقباط وتنصفهم، فإنها لجأت إلىاتهام المسلمين ومحاولة تحميلهم المسؤولية عن جرم لم يرتكبوه.
بل ظن البعضأن إضعاف الإسلام في البلد وطمس هويته الإسلامية مما يقطع الطريق أماماحتمالات الفتنة التي بدأت تلوح في الأفق.
وبدا في كتابات هؤلاء أنهماتخذوا موقفا معاكسا تماما لمن قالوا بأن الإسلام هو الحل، فحاولوا إقناعالرأي العام بأن الإسلام هو المشكلة.
لقد اقترح أحد كبار الصحفيين إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنصعلى أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وطالب بنص آخر يقرر أن مصر مجتمع مدنيتسكنه أغلبية من المسلمين. في تبسيط ساذج للمسألة، وطرح حل معيب لها.
أماالتبسيط فيكمن في التعامل اللغوي مع الملف. بمعنى اللجوء إلى تغييرالصياغات اللغوية دون تفكير في تغيير شيء من معطيات الواقع.
وهو ما يذكرنابمعالجة مسألة «المواطنة» التي تحمسنا يوما ما للدفاع عنها، وكل ما فعلناهأننا أضفنا الكلمة إلى تعديل تم في صلب المادة الأولى من الدستور،فاعتبرنا أن نظام مصر «ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة»، ولم نكن بحاجةلذلك، لأن النص الأصلي للدستور تضمن في المادة 40 نصا أوضح وأوفى قرر أن «المواطنون لدى القانون سواء. وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لاتمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة».
وظننا أننا حللنا المشكلة بالنص على المواطنة في المادة الأولى، وأراح ذلكضمائر المعنيين بالأمر، لكن ذلك لم يغير شيئا من الواقع، وظلت المشكلة كماهي.
لقد ظن البعض أن طمس الهوية الإسلامية للمجتمع يمكن أن يحل الإشكال، فيتعبير لا أعرف إن كان يعبر عن شعور بالنقص وازدراء الذات أو شعور بالنفوروالمرارة.
إن المادة الأولى من الدستور اليوناني تنص على أن الأرثوذكسيةالشرقية هي المذهب الرسمي للبلد.
والملك في كل من الدنمارك والسويد يجب أنيكون من أتباع الكنيسة الإنجيلية،
وفي إسبانيا يجب أن يكون رئيس الدولة منرعايا الكنيسة الكاثوليكية،
وذلك حاصل أيضا في بعض دول أمريكا اللاتينية.
وفي نيبال وتايلاند تعد البوذية دينا رسميا لكل منهما.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يستشعر هؤلاء عارا من اعتبار الإسلام ديناللدولة المصرية؟
ولماذا الإلحاح على تلك المعادلة البائسة التي تريد إقناعالرأي العام بأن إنصاف الأقباط لا يكون إلا بملاحقة الإسلام وحصاره فيالمجال العام.
وهل يكون الحل في منع تدريس مادة الدين في المدارس، كماطالب البعض، بحيث يجمع بين الإسلام والمسيحية واليهودية في منهج دراسيواحد، رغم ما بينهما من اختلافات في الضوابط والخصائص؟
ولا أعرف ما هي «الأسلمة» الحاصلة في مصر التي وجه إليها البعض سهامهم واعتبروها مسؤولةعن تدهور ثقافة المجتمع وتمزيق روابطه؟
إن ثمة هرجا شديدا في الساحةالإعلامية، تخللته رسائل أخطأت الوسيلة والهدف، حين أرادت أن تهدئ من خاطرالأقباط فاستفزت المسلمين،
وحاولت أن تتصدى للتعصب فضربت التدين وأهانته،
من ثَمَّ فإنها جرحت بأكثر مما عالجت وأفسدت بأكثر مما أصلحت.
ولم يسلمبعض العقلاء من الانزلاق والشطط، فاعتبر بعضهم أن مواجهة الحقائق والدفاععن الدولة المصرية يعد مساسا بالوحدة الوطنية، وفوجئنا بأن رجلا مثلالدكتور محمد سليم العوا، الذي يعد أحد أبرز رموز الوسطية وأحد أهم أركاناستمرار الحوار الإسلامي المسيحي، موضوع في تصنيف واحد مع بن لادنوالظواهري.
لقد تحدث الدكتور حسن نافعة، وهو من العقلاء القليلين الذين تعاملوا معالموضوع في كتاباتهم، عن الاستغلال السياسي لحادث الإسكندرية، وكيف أنالبعض يحاول استثماره واستخدامه في الابتزاز وتعظيم المكاسب، وهو محق فيذلك لا ريب.
لكني أضيف أن الحكومة أصبحت المستفيد الأول مما يجرى، لأنالناس توقفوا عن الحديث عن فضائح الانتخابات وقضايا الفساد في البلد، كماأن ما جرى بدا ذريعة قوية لمد قانون الطوارئ والدفاع عن استمراره.
إنمصائب قوم عند قوم فوائد...........................







رد مع اقتباس












المفضلات