[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/moz-screenshot-4.png[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/moz-screenshot-5.png[/IMG]
عنوان القصة :قنديل جدي المؤلف: صبحي سعيد الناشر : اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2004
قنديل جديلماذا لمْ أَحْكِ لكمْ حتَّى الآن عنْ قِنْديلِ جدِّي لقدْ أنْسَتْني الأحداثُالكثيرَ مما أُحبُّحتَّى قنديلَ جدي الذي لمْ يُحبْ شيئاً في حياته كما أحبَّذلكَ القنديلَ القديمالذي يعملُ على زيتِ الكاز وأذكُرُ أنَّنا كنَّا نستخدمُ أكثرَ من قنديلٍ في المنزلِ والبستانعندما تنقطعُ الكهرباء عنالكنَّ جَدِّي لم يكنْ يُحب إلاَّ قنْديلهَ الذي رأيته يَدْخلُ به حينَجاءَ بالعصفورِ المُرَقَّطِكان يسمي قنديلَهُ حبيبَ الروحِ ويُنَظِّفُهُ بعنايةٍ وحنانٍ كما تنظِّفُ الأمُّ وليدَها البكرَثم يقبِّلهُ ويضُمُّهُ إلى صدرِهِكما كان يعانقني ويضمُّني إلى صدرِه لاشكَّ في أنَّه كان يثيرُ فضولي وغيرتيوغضبي أحياناًحينَ كانّ يجلسُ إلى قنديلهِ ويسرحُ بأفكارِه بعيداً عني وكنْتُ أجلسُأرمُقَهُ من مسافةٍ قريبةٍوأتمنى لو أستطيعُ أنْ أُدخُلَ إلى أفكارِهِ وأطوفُ معَها في فضاءِ الذكرياتِتُزَرْكِشُها وتُلوِّنها طيورُ الأحلامِ السَّاحرةِكانَ يبتَسِمُ ويضحكُ ويبكي أحيانا وكانَ يغنِّي طويلاً بصوتٍ مَهْموسٍفيأتيني صوتُهُ كصوتِ نايٍ حزينٍيحكي آلامَ البَشَر وأحلامَهم عَِبْرَ دروبهم الطويلة الشائكة كان يغنِّي لأمِّهويُكثرُ ويُسْهِبُ في ذكرِ الوفاءِ والخيانةوالعهدِ والدِّيرةِ والأهلِ قبلْ أن ينهضَ ويرفعَ يديْه إلى السَّماءِ يدعوويتضرعُ إلى الله ثم يجلسُ على المصْطَبةوأنا إلى جانبه عندئذ أشْعُرُ بأنَّهُ صَعَدَ إلى قمَّةِ جبلٍ بعدَ جهدٍ جهيدٍ وهاهويجلسُ الآنَ على قمَّةِ الجبلِيحتفلُ بانتصارِه أمامي ثمَّ ينظرُ إليَّ ويهتفُ بكلِّ جوانحهِ: أتَدْري أنكأذكى وأطيبَ كائن رأيتُهُ في حياتي ثم يعانقنيوهو يَتَغَنَّى: حبيبُ الروح أنت حبيب الروحِأسأله: هل تحبُّ القنديلَ أكثرَ منِّي هل القنديلُ طيبٌ أيضاً وذكي لا يجيبُجدي مازالَ غارقاً في صَمْتِهِأسأَلُهُ: ماذا يعني ذكي هلْ يستطيع الذكيُّ أن يطردَ الصهاينةَ من أرضناأكرِرُ هذه الأسئلةَ غيرَ مرةلكنَّ جدي لا يخرجُ عن صمته وهو يحدِّقُ إليَّ يَتَفَحَّصُني كأنَّه يشجعني علىطَرْحِ المزيدِ من الأسئلةأصمتُ فَيَنْهَرُني بودٍّ: مالكَ صامتٌ يا وَلَدُ حديثُ القلوبِ يُنْعِشُ الرُّوحَويحركُ الأفكارَأسألُه: ماذا قلتَ يا جدي فيكرِرُ وابتسامتُه المشرقَةُ ترِّفُّ على محيَّاه حديثُ القلوبِحديثُ القلوبألمْ تسمع بحديثِ القلوبِأسألُهُ ماذا تقصدُ يا جدِّي فيشيرُ إلى قلبِه واضعاً كَفَّهُ اليمنىفوقَ كفه اليُسرى: إذا كانَ القلبُ تماماًغدا كلُّ شيء تماما ثم يأخذني بمرَحٍ من يدي ويسيرُ بي مسرعاًإلى غرفة حيواناتهقبلَ أن يُتيحَ لي فرصةَ التفكيرِ بما قالَه لي ومُنْذُ تلكَ الأيامِأصبحتُ مساعدَهُ الأوَّلَ في عنايته بحيواناته التي تحتاج إلى مساعداتٍوعنايةٍ خاصَّةٍ في تلكَ المرَّةرأيتُ غزالةً فقدْت إحدى قائمتيها الأماميتين راقبْتُ جدي وهو يقومُ بمداواتهالكنَّني كنتُ عاتباً عليهوأنا أسألُ نفسي: متى جاءَ جدي بهذه الغزالة ولماذا لم يصْطَحِبُني معهومنذُ تلك اللحظةِ بدأتْ أفكِّرُ كثيراً بتلك الغرفة الكبيرةِ التي يجْمَعُ فيها جدي العديدَ من الحيوانات وأسألُنفسي كيفَ يأتي جدي بهذه الحيواناتِوكيفَ يعثُرُ عليها ومتى ذاتَ يومٍ كنتُ أستعدُّ للنوم وأمِّي إلى جانبي تحكيلي إحدى حكاياتها الماتعةرأيتُ جدي يَحْمِلُ قنديلَهُ ويَستعدُّ للخروجِ انطلقْتُ خَلْفَه راجياً متوسِّلاًأنْ يأخذُني معهلكنَّهُ رفضَ اصطحابي أنتً صغيرٌ وعليكَ أنْ تنامَ أنا أتأخَّرُ في العوْدَةلا أدري كيفَ سيْطَرَ عليَّ العنادُ فانطلقْتُ إلى خارجِ الغرفة ورحتُ أبتعدُوأبتعدُ وجدِّي يحاوِلُ اللَّحاقَ بيوإمساكي أخيراً وافقَ وهو يقولُ لي: سآخذك معي وذنبُكَ على جنبكوسارَ بي يمسِكُ يدي رأيتُ القمَريبتَسِمُ لي من بين الأغصانِ ويُهَنِّئُني فَرِحاً برحلةٍ يَصْطَحبُني فيها جديأوَّلَ مرة في جولاته الليلية الطويلةفي تلكَ الليلةِ مَنَحَني جدي شرفَ حمْلِ قنديلِه الغالي كيفَ أصِفُ تلكَاللحظات وأنا أسمعُ من جدي تلكَ العبارةَالتي حملتُها وساماً رفيعاً على صدري: أصبحتَ رجلاً يا أحمد احمِلْالقنديلَ وسرْ أماميشعرتُ أني أصبحتُ شريكاً لجدي ورفيقا سألني: أتذكرُ أنَّكَ ذاتَ يومٍوكانَ عمرُكَ لا يزيدُ عن ثلاث سنواتوتَبِعْتَني دونَ أن يلحظَكَ أحدوكانت الليلةُ مقمرةً مثل ليلتنا هذه فجأةسمعتُ صوت أمِّكيأتيني من بعيد هرعْتُ تجاه الصوتحتى رأيتُ أمَّك تتَّجِه إلي بكلِّ ما تملك من قوة وهي تصرخ متَقَطِّعةُ الأنفاسِ يا عميضاعَ أحمد كان نائماً إلى جانبياستيقظتُ فلمْ أجدْهُ وراحتْ تبكي وتُوَلْوِلُ وتستغيثُ وهي تكادُ تختنقُ من شدَّة الهَلَعِ وبدأنا نبحث ُعنككنتُ مطمئناً إلى أنَّنِي سأجدُكَ سالماً معافى لكنَّني كنتُ خائفاً على أمِّكَ من أن تموتَ رعبالم نترُكْ زاويةً لم نبحثْ فيها عنك انهارتْ أمُّك ووقعتْ على الأرضِ في هذه اللحظةِسمعتُ صوتَك يأتيني من بعيدركضتُ باتجاه الصوت رأيتُك تسيرُ وتقفزُ وإلى جانبكَ أفعى كبيرةٌعندما رأتني رفعتْ رأسَها إلى الأعلىوبدأت تميسُ نحو اليمين ونحو الشمالِ وإلى الأسفلِ والأعلى رفعتُالقنديلَ إلى الأعلى فانْسَلَّتْ الأفعىومضتْ في حالِ سبيلها وجئتَ تركضُ إلي في تلك الليلة حمَّلتُكَ القنديللأنِّي حملتُ أمَّك إلى المنزل وهي فاقدةُ الوعيأوصلتُ أمَّك ووضعتُها على فراشِها واندسستَ إلى جانبها ونمتما معا وفي الصباحِ جلستْ أمُّكَ إلى جانبيتحكي لي أنَّها رأتك تضيعُ منها في المنام وتطلبُ مني تفسيرَ هذا الحلم المزعجقلتُ لها إنَّ الأحلامَ المزعجةَ هي كوابيسٌ أراحنا الله من شرِّها في اليقظةِوالمنام والصهاينة يا أمِّ أحمدهم الكابوسُ اللعينُ خزاهم الله وأمام كوابيس الصهيونية تهونُ كلُّ الكوابيسوأسألُ نفسي الآنما الذي كان سيحدثُ لأمِّي لو رأتْ الأفعى إلى جانبي وأنا ألعبُ معهاأتذَكَّرُ الكثيرَ من هذه الأحداثهذه أحلامٌ وقدْ تختلطُ الأحلامُ بالحقيقة وحتى الآن كثيراً ما أرى نفسيضائعاً في حقل واسع أبحثُ عن جدِّي حتى أجدهوالتفاصيلُ كثيرةٌ لا تُحصى وأذكرُ منها الكثيرَ إنَّها كالعناقيدِ تنتشرُ فيكرومِ خيالي وذاكرتيفهلْ ما أقصُّه عليكمْ الآنَ كان حلماً أمْ حقيقةً عشْتُها في الواقعِ أمْ أنَّهامن أزهارِ خيالي وغيومِ أفكاريوأنا مُسْتلقٍ هنا على هذا السريرِ في المشفى أحلمُ بالشِّفاءِ والعودةِإلى دارِ أبناء الشهداءِإلى جانبِ صديقيَّ عيسى ومهيار






رد مع اقتباس


المفضلات