الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على محمدفهذهالحجبالعشرةبينالعبدوربه:

1- الحجاب الأول: الجهلبالله:

ألّا تعرفه.. فمن عرفاللهأحبه.. وما عرفه من لميحبه.. وما أحب قط من لم يعرفه.. لذلك كان أهل السنة فعلا طلبة العلم حقا هو أولياءاللهالذين يحبهم ويحبونه.. لأنككلما عرفتاللهأكثر أحببته أكثر..
قالشعيب خطيب الأنبياء لقومه: واستغفروا ربكمثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود[هود:90].
وقال ربك جلّ جلاله: إن الذين آمنواوعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا[مريم:96].
إن أغلظالحجبهو الجهل بالله وإلاتعرفه.. فالمرء عدو ما يجهل..
إن الذين لا يعرفوناللهيعصونه.
من لا يعرفوناللهيكرهونه.
من لا يعرفوناللهيعبدون الشيطان من دونه.
ولذلك كان نداءاللهبالعلم أولاً: فاعلم أنه لاإله إلااللهواستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات[محمد:19].
فالدواء أن تعرفاللهحق المعرفة.. فإذا عرفتهمعرفة حقيقية فعند ذلك تعيش حقيقة التوبة.

2- الحجاب الثاني: البدعة:

فمن ابتدع حجب عناللهببدعته.. فتكون بدعته حجابابينهوبيناللهحتى يتخلص منها.. قال: { منأحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } [متفق عليه].
والعمل الصالح لهشرطان:
الإخلاص: أن يكون لوجهاللهوحده لا شريك له. والمتابعة: أن يكون على سنة النبي.

ودونهذين الشرطين لا يسمى صالحاً.. فلا يصعد إلى الله.. لأنه إنما يصعد إليه العملالطيب الصالح.. فتكون البدعة حجاباً تمنع وصول العمل إلى الله.. وبالتالي تمنع وصولالعبد.. فتكون حجاباً بينالعبدوبينالرب.. لأن المبتدع إنماعبد على هواه.. لا على مراد مولاه.. فهوا حجاب بينهوبينالله.. من خلال ما ابتدعمما لم يشرّع الله.. فالعامل للصالحات يمهد لنفسه.. أما المبتدع فإنه شرّ منالعاصي. 3- الحجاب الثالث: الكبائر الباطنة:

وهي كثيرة كالخيلاء.. والفخر.. والكبر.. والغرور.. هذه الكبائر الباطنة أكبر من الكبائر الظاهرة.. أعظم من الزناوشرب الخمر والسرقة.. هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب.. كانت حجاباً بين قلبالعبدوبينالرب.
ذلك أن الطريقإلىاللهإنما تقطع بالقلوب.. ولاتقطع بالأقدام.. والمعاصي القلبة قطاع الطريق.
يقول ابن القيّم: ( وقد تستوليالنفس على العمل الصالح.. فتصيره جنداً لها.. فتصول به وتطغى.. فترى العبد: أطوع مايكون.. أزهد ما يكون.. وهو عناللهأبعد ما يكون.. ) فتأمل..!!

4- الحجاب الرابع: حجاب أهل الكبائرالظاهرة:

كالسرقة.. وشرب الخمر.. وسائر الكبائر..
إخوتاه.. يجبأن نفقه في هذا المقام.. أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.. والإصرار هو الثبات على المخالفة.. والعزم على المعاودة.. وقد تكون هناك معصيةصغيرة فتكبر بعدة أشياء وهي ستة:
(1)
بالإصرار والمواظبة:
مثاله: رجل ينظر إلى النساء.. والعين تزني وزناها النظر.. لكن زنا النظر أصغر من زناالفرج.. ولكن مع الإصرار والمواظبة.. تصبح كبيرة.. إنه مصر على ألا يغض بصره.. وأنيواظب على إطلاق بصره في المحرمات.. فلا صغيرة مع الإصرار..
(2)
استصغارالذنب:
مثاله: تقول لأحد المدخنين: اتق الله.. التدخين حرام.. ولقد كبرسنك.. يعني قد صارت فيك عدة آفات: أولها: أنه قد دب الشيب في رأسك. ثانياً: أنك ذولحية. ثالثاً: أنك فقير.
فهذه كلها يجب أن تردعك عن التدخين.. فقال: هذه معصيةصغيرة.
(3)
السرور بالذنب:
فتجد الواحد منهم يقع في المعصية.. ويسعدبذلك.. أو يتظاهر بالسعادة.. وهذا السرور بالذنب أكبر من الذنب.. فتراه فرحاً بسوءصنيعه.. كيف سب هذا؟؟.. وسفك دم هذا؟.. مع أن { سباب المسلم فسوق وقتاله كفر }.
أو أن يفرح بغواية فتاة شريفة.. وكيف استطاع أن يشهر بها.. مع أناللهيقول: إن الذين يحبونأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم[النور:19].
انتبه.. سرورك بالذنب أعظم من الذنب.
(4)
أن يتهاون بستراللهعليه:
قال عبدالله بن عباس رضياللهعنهما: ( يا صاحب الذنب لاتأمن سوء عاقبته.. ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته.. قلة حيائك ممن علىاليمين وعلى الشمال ـ وأنت على الذنب ـ أعظم من الذنب.. وضحكك وأنت لا تدري مااللهصانع بك أعظم من الذنب.. وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب.. وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك ـ وأنتعلى الذنب ـ ولا يضطرب فؤادك من نظراللهإليك أعظم من الذنب ).
(5)
المجاهرة:
أن يبيت الرجل يعصي.. والله يستره.. فيحدث بالذنب.. فيهتك ستراللهعليه.. يجيء في اليومالتالي ليحدث بما عصى وما عمل!!.. فالله ستره.. وهو يهتك ستراللهعليه.
قال: { كلأمتي معافى إلا المجاهرون.. وإن المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقدسترهاللهعليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربهويصبح يكشف ستراللهعليه }.
(6)
أن يكون رأساً يقتدى به:
فهذامدير مصنع.. أو مدير مدرسة أو كلية.. أو شخصية مشهورة.. ثم يبدأ في التدخين.. فيبدأباقي المجموعة في التدخين مثله.. ثم بعدها يبدأ في تدخين المخدرات.. فيبدأ الآخرونيحذون حذوه.
هكذا فتاة قد تبدأ لبس البنطلون الضيق يتحول بعدها الموضوع إلىاتجاه عام.
وهكذا يكون الحال إذا كنت ممن يُقتدى بك.. فينطبق عليك الحديثالقائل: { من سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها منبعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء } [مسلم].

5- الحجاب الخامس: حجاب أهل الصغائر:

إن الصغائرتعظم.. وكم من صغيرة أدت بصاحبها إلى سوء الخاتمة.. والعياذ بالله.
فالمؤمن هوالمعظم لجنايته يرى ذنبه ـ مهما صغر ـ كبيراً لأنه يراقب الله.. كما أنه لا يحقرنمن المعروف شيئاً لأنه يرى فيه منّه وفضله.. فيظل بين هاتين المنزلتين حتى ينخلع منقلبه استصغار الذنب واحتقار الطاعة.. فيقبل على ربّه الغفور الرحيم التواب المنانالمنعم فيتوب إليه فينقشع عنه هذا الحجاب.

6- الحجاب السادس: حجاب الشرك:

وهذا من أعظمالحجبوأغلظها إثماً.. وقطعهوإزالته بتجريد التوحيد.. وإنما المعنى الأصلي الحقيقي للشرك هو تعلق القلب بغيراللهتعالى.. سواء في العبادة.. أو في المحبة.. سواء في المعاني القلبية.. أو في الأعمال الظاهرة. والشرك بغيض إلىاللهتعالى فليس ثمة شيء أبغضإلىاللهتعالى من الشرك والمشركين.
والشرك أنواع.. ومن أخطر أنواع الشرك: الشرك الخفي وذلك لخفائه وخطورته حتىيقولاللهعن صاحبه: ويوم نحشرهمجميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون * ثملم تكن فتنتهم إلاأن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوايفترون[الأنعام:22-24].
فجاهد أخي في تجريد التوحيد.. سلاللهالعافية من الشرك.. واستعذبالله من { اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه }.
هنا يزول الحجاب.. مع الاستعاذة.. والإخلاص.. وصدق اللجأ الى الله.

7- الحجاب السابع: حجاب أهل الفضلات والتوسع فيالمباحات:

قد يكون حجاب أحدنا بينهوبيناللهبطنه.. فإن الأكل حلال.. والشرب حلال.. لكن النبيقال: { وما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن } [الترمذي] فإن المعدة إذا امتلأت.. نامتالفكرة.. وقعدت الجوارح عن الخدمة.. إن الحجاب قد يكون بينالعبدوبيناللهملابسه.. قد يعشق المظاهر.. وقد قال: { تعسعبد الدرهم وعبد الخميصة } [البخاري]. فسماه عبداً لهذا فهي حجاب بينهوبينربه.. تقول له: قصّر ثوبكقليلاً.. حيث قال الرسول: { ماأسفل الكعبين من الإزار ففي النار } [البخاري]. يقول: أنا أخجل من لبسالقميص القصير.. ولماذا أصنع ذلك؟ هل تراني لا أجد قوت يومي؟!
فالمقصود أن هذهالأعراف.. والعادات.. والفضلات.. والمباحات.. قد تكون حجاباً بينالعبدوبينربه.. وقد تكون كثرة النومحجاباً بينالعبدوبينالله.. قد يكون الزواجوتعلق القلب به حجاب بينالعبدوبينالله.. وهكذا الاهتمامبالمباحات.. والمبالغة في ذلك.. وشغل القلب الدائم بها.. قد يكون حجاباً غليظاًيقطعه عن الله.
نسألاللهعز وجل ألا يجعل بينناوبينه حجاباً..

8- الحجاب الثامن: حجاب أهل الغفلةعن الله:

والغفلة تستحكم في القلب حين يفارق محبوبه جل وعلا.. فيتبعالمرء هواه.. ويوالي الشيطان.. وينسى الله.. قال تعالى: ولا تطع منأغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا[الكهف:28].. ولا ينكشف حجاب الغفلة عنه إلا بالانزعاج الناشئ عن انبعاث ثلاثة أنوار في القلب..
1)
نور ملاحظة نعمةاللهتعالى في السر والعلن.. حتىيغمر القلب محبته جلّ جلاله. فإن القلوب فطرت على حب من أحسن إليها.
2)
نورمطالعة جناية النفس.. حتى يوقن بحقارتها.. وتسببها في هلاكه.. فيعرف نفسه بالازدراءوالنقص.. ويعرف ربه بصفات الجمال والكمال.. فيبذل لله.. ويحمل على نفسه في عبادةالله.. لشكره وطلب رضاه.
3)
نور الانتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من الأيام.. فيدرك أن عمره رأس ماله. فيشمّر عن ساعد الجدّ حتى يتدارك ما فاته في يقسة عمره.
فيظل ملاحظا لذلك كله.. فينزعج القلب.. ويورثه ذلك يقظة تصيح بقلبه الراقدالوسنان.. فيهب لطاعة الله.. سبحانه وتعالى.. فينكشف هذا الحجاب.. ويدخل نوراللهقلب العبد.. فيستضيء.

9-
الحجاب التاسع: حجاب اهل العادات والتقاليد والأعراف:

إن هناكأناساً عبيد للعادة.. تقول له: لم تدخن؟!!.. يقول لك: عادة سيئة.. أنا لا أستمتعبالسيجارة.. ولا ضرورة عندي إليها.. وإنما عندما أغضب فإني أشعل السيجارة.. وبعدقليل أجد أني قد استرحت.
ولما صار عبد السيجارة.. فصارت حجاباً بينهوبينالله.. ولذلك أول سبيلللوصول إلىاللهخلع العادات.. ألا تصير لكعادة.. فالإنسان عدو عادته فلكي تصل إلى الله، فلا بد أن تصير حراً من العبوديةلغير الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ولا تصح عبوديته ما دام لغيراللهفيه بقية ).. فلا بد أنتصير خالصاً لله حتى يقبلك.

10- الحجاب العاشر: حجاب المجتهدين المنصرفين عن السير إلى المقصود:

هذا حجابالملتزمين.. أن يرى المرء عمله.. فيكون عمله حجاباً بينهوبينالله.. فمن الواجب ألا يرىعمله.. وإنما يسير بين مطلعة المنّة.. ومشاهدة عيب النفس والعمل.. يطاع منّةاللهوفضله عليه أن وفقهوأعانه.. ويبحث في عمله.. وكيف أنه لم يؤده على الوجه المطلوب.. بل شابه من الآفاتما يمنع قبوله عند الله.. فيجتهد في السير.. وإلا تعلق القلب بالعمل.. ورضاه عنه.. وانشغاله به عن المعبود.. حجاب.. فإن رضا العيد بطاعته.. دليل على حسن ظنه بنفسه.. وجهله بحقيقة العبودية.. وعدم علمه بما يستحقه الرب جلّ جلاله.. ويليق أن يعمل به.. وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها.. وعيوب عمله.. وجهله بربه وحقوقه.. وماينبغي أن يعامل به.. يتولد منها رضاه بطاعته.. وإحسان ظنه بها.. ويتولد من ذلك منالعجب والكبر والآفات.. ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة.. فالرضا بالطاعة من رعوناتالنفس وحماقتها..
ولله درّ من قال: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راضبه.. ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر.. وعمله عرضة لكل آفة ونقص.. كيف يرضىاللهنفسه وعمله؟!
وكلما عظماللهفي قلبك.. صغرت نفسك عندك.. وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيل رضاه.. وكلما شهدت حقيقة الربوبية. وحقيقةالعبودية.. وعرفت الله.. وعرفت النفس.. تبين لك أن ما معك من البضاعة.. لا يصلحللملك الحق.. ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته.. وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله.. ويثيبك عليه بكرمه وجوده وتفضله.
فحينها تتبرأ من الحول والقوة.. وتفهم أن لاحول ولا قوة إلا بالله.. فينقشع هذا الحجاب.
هذه هيالحجبالعشرةبينالعبدوبينالله.. كل حجاب منها أكبروأشد كثافة من الذي قبله. أرأيت يا عبدالله كم حجاب يفصلك اليوم عن ربك سبحانهوتعالى؟!.. قل لي بربك: كيف يمكنك الخلاص منها؟!
فاصدق الله.. واصدق في اللجأإليه.. لكي يزيلالحجببينك وبينه.. فإنه لا ينسفهذهالحجبإلا الله.. يقول ابنالقيّم: ( فهذه عشرة حجب بين القلبوبيناللهسبحانه وتعالى.. تحول بينهوبينالسير إلى الله.. وهذهالحجبتنشأ عن أربعة عناصر.. أربعة مسميات هي: النفس.. الشيطان.. الدنيا.. الهوى.. ).
فلا يمكن كشف هذهالحجبمع بقاء أصولها وعناصرها فيالقلب البتة.. لا بد من نزع تلك الأربعة لكي تنزعالحجبالتي بينكوبينالله.
نسألاللهأن يوفقنا للإخلاص في القولوالعمل وأن يتقبل أعمالنا.
وصلىاللهوسلم على نبينا محمد وعلىآله وصحبه وسلم.