صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 15 صفر 1432 – 19 يناير 2011
العصابة لم تغادر – فهمي هويدي
أرجوألا نخطئ في قراءة المشهد التونسي، فتنسينا الفرحة بما جرى أن الذي تمتالإطاحة به رئيس العصابة ولكن العصابة ذاتها ما زالت موجودة ومتمكنة منمقدرات البلاد.
ولا أخفي أن في نفسي شيئا من استخدام مصطلح «العصابة»،فتلك ليست لغتي في التعبير، لكني سمحت لنفسي بذلك بعدما شاع الوصف فيوثائق «ويكيليكس» التي تحدثت عن «المافيا» التي ظلت قابضة على الزمام فيتونس طوال سنوات حكم الرئيس السابق بن علي.
لقد قلت في مقام آخر:
إن الاستبداد لا يخرب الحاضر فقط ولكنه يخربالمستقبل أيضا.
ذلك أنه حين يطول به الأجل في السلطة فإن القائمين عليهيسعون إلى تفكيك مؤسسات المجتمع وأجهزة الإدارة وإعادة تركيبها بحيث تتحولفي نهاية المطاف إلى أدوات لبسط الاستبداد والتمكين له.
وفي مسعاهم ذلكفإنهم يستأصلون بدائلهم أولا بأول، بحيث ينغلق عليهم الأفق، ويظلاستمرارهم هو الخيار الوحيد المطروح على الكافة.
في وصفه لطبائع الاستبداد، ذكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير الذيحمل نفس العنوان ما يلي:
إن الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعهاومراتبها التي يقف المستبد الأعظم على رأسها.
وأعوان المستبد الأعظمورجاله لا تهمهم الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوالمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته. وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه،فيشاركهم ويشاركونه.
وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدةالاستبداد وخفته. فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيشالمتمجدين العاملين له المحافظين عليه.
واحتاج إلى مزيد من الدقة فياتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة.
واحتاج لحفظالنسبة بينهم في المرتبة بالطريقة المعكوسة. وهي أن يكون أسفلهم طباعاوخصالا أعلاهم وظيفة وقربا.
ولهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هواللئيم الأعظم في الأمة. ثم من دونه لؤما، وهكذا تكون مراتب الوزراءوالأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه ــ انتهىالاقتباس.
لسنا نضيف جديدا إذن، فقد قالها الكواكبي قبل أكثر من مائة عام منبها إلىأن المستبد الأعظم (زعيم العصابة) يختار أعوانه ممن هم على شاكلته، وهؤلاءيتوحدون معه بمضي الوقت بما يؤدي إلى مأسسة الاستبداد، بمعنى إضفاء الصبغةالمؤسسية عليه، بما يحول أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة إلى أذرع له،
لذلك تصبح عملية اقتلاع الاستبداد وطي صفحته أمرا بالغ الصعوبة، وربماتتحول تلك العملية إلى معركة يسقط فيها الضحايا، لأنه بعد رحيل المستبدالأعظم فإن وجود ومصير مؤسسة الاستبداد التي ارتبطت به يصبح في خطر محقق. وهو ما يدفعها إلى خوض معركتها الأخيرة بشراسة شديدة، لأن الأمر بالنسبةلها يصبح اختيارا بين الحياة أو الموت.
الحاصل في تونس الآن نموذج لذلك، فحزب السلطة (الدستور الحر) محتكر لهامنذ أكثر من نصف قرن، في عهد «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة، الذي اكتسبشرعيته من كونه بطل الاستقلال.
وفي عهد خلفه زين العابدين بن علي الذياستولى على السلطة في عام 1987 بعدما كان وزيرا للداخلية. ومنذ اللحظةالأولى حول تونس إلى سجن كبير. وجعلها نموذجا للدولة البوليسية التي وظفتكل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع لتكريسها وتثبيت أركانها..
من ثَمَّتحولت تلك الأجهزة والمؤسسات إلى رموز للاستبداد، وصار القائمون عليهاأذرعا وعيونا للمستبد الأعظم.
ورغم أن الإطاحة برأس الاستبداد تعد إنجازاعظيما، إلا أن ذلك لا يعد كافيا، لأنه حين ذهب، فإن مؤسسة الاستبداد التيصنعها على يديه ظلت قائمة.
صحيح أن بعض أركان تلك المؤسسة جرى استبعادهم (وزير الداخلية ومسؤول أمن الرئاسة مثلا) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقةتوحد الحزب الحاكم مع أجهزة الإدارة، وكون الذين تتابعوا على إدارة البلدطوال الـ23 سنة الماضية كانوا ولا يزالون أعوانا للمستبد الأعظم.
من ثَمَّفإن استمرارهم في مواقعهم يعني أن العصابة مازالت قائمة وأن مكتسباتالثورة في خطر.
وفي هذه الحالة ينبغي ألا نستغرب إذا وجدنا أنهم يحنون إلىزمانهم ويحاولون استعادته بصورة أو أخرى.
هذا التحليل يعني أن صفحة المستبد الأعظم لم تطو بعد، وتشكيل الحكومةالتونسية الجديدة يؤكد على ذلك بمنتهى الوضوح.
وهو يعني أيضا أننا ينبغيلنا ألا نعول أو أن نطمئن طالما بقي للعصابة حضور في الوضع المستجد.
لذلكفإنني أدعو إلى الترقب والحذر، وتأجيل الفرحة الكبيرة حتى نتأكد من أنه لميعد للعصابة دور في إدارة البلد.
وأرجو ألا ننتظر كثيرا لكي نعيش الفرحة الأكبر التي تحل حين تختفي العصابات المماثلة في كل بلد.
.....................
موضوعات مرتبطه
...................







رد مع اقتباس


المفضلات