• هل سبق لك حضور موقف تُناقشُ فيه جماعةٌ موضوعاً معيَّناً و في مجرى الحديث يتبين لك أن لديك ما تقوله مخالفاً للرؤية
    • السائدة في المجموعة و لكنك التزمت الصمت؟ و هل فاجأك لاحقاً العلم بأن آخرين
    • يشاركونك وجهة نظرك قد التزموا الصمت أيضاً؟ إن ما يجري معك في هذا المثال و مع كلِّ
    • البشر هو ما يسميه إيرفنغ يانيس Irving Janis بالتفكير الجمعي
    • groupthink.
    • التفكير الجمعي نمطٌ من محاكمةِ الحقائق و الآراء يتقدمُ فيه الحفاظُ
    • على تماسك المجموعة cohesiveness وسيادتها solidarity على البحثِ في الوقائع بحثاً موضوعياً.
    • بسبب الضغط الملح على التوافقية تكفُّ المجموعاتُ الأفرادَ عن رفع
    • الصوت بوجهات النظر التقويمية الناقدة التي لا تحظى بالقبول أو الخارجة عن
    • المألوف. و نتيجةً لذلك يتدهور لدى الفرد كفاءته العقلية، و اختباره للحقائق، و
    • حكمه الأخلاقي.
    • بدأ تناول هذه الظاهرة في العصر الحديث على يد ليفاين Lewin في ثلاثينات القرن العشرين و أثبتت الدراسات و التجارب اللاحقة ارتباط التفكير الجمعي مع
    • كلِّ حالات الإضرار بقدرة المجموعة على التقويم الموضوعي للبدائل و التوصل إلى
    • القرار الجماعي الأمثل.
    • كيف يحدث التفكير الجمعي و ما هي مظاهره السلوكية:
    • تتهيأ الفرصة لحدوث التفكير الجمعي عند حضور عوامل مهيِّئةٍ معينة. و
    • من أهمِّها:
    • شدة تماسك المجموعة و تقارب أو توحُّد الخلفيات الاجتماعية و
    • الثقافية لعناصرها.
    • انعزالُ المجموعة عن الآراء و الأجواء المخالفة أو المناقضة.
    • حكمُ المجموعةِ من قبلِ قائدٍ إيعازي directive مسيطر بنشرُ في أجوائها اتجاهاته الفكرية و مواقفه المفضلة ويشجِّعُ على التقيَّدِ بها و ليسَ
    • الاستنادِ عليها كركيزة للنمو و المتابعة.
    • إحاطة المنظمة بأحوالٍ خارجية و داخلية تعزز الميلَ نحو التماسك و
    • الاندماج المطلق مثل: التهديدات الخارجية الخطيرة، أو حالات الفشل الذريع
    • السابقة، أو مواجهة مصاعب شديدة في صناعة القرار، أو مواجهة المآزق الفكرية.
    • و بعدَ سيطرةِ التفكير الجمعي على المجموعة فإننا نلاحظ في
    • سلوكياتها
    • المظاهر التالية:
    • تقتصرُ نقاشاتها على مساحاتٍ محددةٍ من البدائل دونَ مبررٍ واضحٍ مفهوم،
    • و نلاحظُ أن الحلولَ المقبولةَ من الأغلبية في مرحلةٍ سابقة لا يتمُ
    • التعرضُ لها لاحقاً إلاَّ ببطءٍ شديد و على استحياء- إذا حدث ذلك فعلاً- و الخياراتُ
    • المرفوضة من قبل الأغلبيةِ سابقاً تبقى مستبعدةً و لا تراجعُ لاحقاً مهما
    • تغيرت الظروف.
    • لا تنساقُ المجموعةُ بسهولةٍ إلى استشارات الخبراء – و لا تطلبها أصلاً-
    • و نلاحظُ أيضاً حضور الانتقائية في اختيار و تفضيل المعلومات
    • المتاحة لديها.
    • تمتلئ المجموعة بالثقة المطلقة بأفكارها الحالية – أو يبدو عليها ذلك-
    • فلا تهتمُّ برسم الخطط الاحتياطية.
    • يفسر أعضاء المجموعة لأنفسهم بأنفسهم أية مقاومة للافتراضات
    • التي يضعونها.
    • يمارس الأعضاء ضغطاً مباشراً على من يستعرض شكوكه حول أيٍ من وجهات
    • النظر السائدة أو من يشكك في سلامة البراهين التي تؤيدها الأغلبية.
    • يتجنَّب الأعضاء الذين لديهم شكوك أو يحملون وجهات نظر مختلفة
    • الخروجَ عمَّا يبدو توافقاً جماعياً.
    • يخيم على الموقف موالاة وهمية حيث يفترض أن السكوت هو علامة الرضا.
    • ضغط المجموعة و التفكير الجمعي أمثلة واقعية:
    • تجربة سلومون آش على انسجام المجموعة:
    • تناولت دراسة سلومون آش ٍٍSolomon Ash مجموعات من سبعة أو ثمانية أشخاص يجلسون في غرفة الصف و يُطلب منهم المقارنة بين بطاقتين لدى الباحث.
    • تحتوي إحدى البطاقتين على عمودٍ واحد و الثانية على ثلاثة أعمدة
    • متفاوتة الطول. أحد الأعمدة الثلاثة في البطاقة الثلاثية مطابق للعمود المبين في
    • البطاقة الأحادية، و الفرق بين أطوال الأعمدةِ واضح جداً لا يكادُ يتركُ مجالاً
    • للخطأ, و المطلوب في هذه التجربة هو أن يُعلِنَ موضوعُ التجربةِ بصوت مسموع عن
    • أحدِ الأعمدةِ الثلاثة الذي يراهُ مطابقاً للعمود المنفرد.(موضوع التجربة subject هو الشخص الخاضع للتجربة).
    • ترى ماذا سيحدث حين يأخذُ كلُّ أعضاء المجموعة بإعلانِ إجابات خاطئة؟ هل
    • سيؤدي الضغط نحو الانسجام مع المجموعة بالعضو غير المتشكك إلى تغيير إجابته
    • مسايرةً لإجابات الآخرين؟ هذا ما يريد آش التحقق منه.
    • دُرِّبت المجموعات بحيث يكون العضو غير المتشكك هو الوحيد الذي لا يعلم
    • بأن التجربة مدبرة، و رُتِّبت مقاعد الجلوس بحيث يكون هو آخر من يدلي
    • بقراره. ابتدأت التجربة بمجموعتين متماثلتين من التدريبات و أعطى كلُّ مواضيع التجربة
    • الإجابات الصحيحة.
    • لكن في المجموعة الثالثة تعمَّدَ أعضاءُ المجموعة إعطاءَ إجابات خاطئة
    • قائلين –مثلاً- بأن العمود C هو المطابق لـ X. ثمَّ يصل الدور إلى موضوع التجربة غير المتشكك.
    • إنه واثق من أن السطر المطابق هو B و لكن الجميع قالوا بأن المطابق هو C، و القرار الذي يواجهه هو: هل سيعلن على الملأ تصوراً مختلفاً عن المواقف
    • المعلنة للآخرين؟ أم سيدلي بإجابة يعلم حقاً بأنها خاطئة حتى يكون رده متوافقاً
    • مع بقية أعضاء المجموعة؟
    • انساق إلى التوافق 35% من مواضيع آش المختبرين عبر الكثير من التجارب
    • و المحاولات. أي أدلى مواضيعُ الاختبار بإجابات يعلمون خطأها لا لشيءٍ سوى
    • أنها مسايرة لإجابات بقية أعضاء المجموعة.
    • كارثة مكوك الفضاء تشالنجر درسٌ آخر باهظ الكلفة:
    • في الثامن و العشرين من كانون الثاني عام 1986 شهدت سماء فلوريدا درساً
    • دامياً باهظ التكلفة و مثالاً قاسياً على أضرار التفكير الجمعي و الانجراف مع
    • تماسك المجموعة! انفجرَ المكوك بملاحيه السبعة بعد إطلاقه بفترة وجيزة وكان
    • وراء الحادثة التفكيرُ الجمعي فكيف كان ذلك؟
    • خُطِّطَ لتنفيذِ الإطلاق أصلاً في الثاني و العشرين من ذلك الشهر و
    • لكن سلسلةً من العراقيل أجَّلت الموعد أياماً.
    • كان علماء وكالة أبحاث الملاحة الجوية و الفضاء الأمريكية NASA يتحرقون على إطلاق المكوك و إتمام المهمة و في تلك اللحظات الحاسمة و قبيل موعد
    • الإطلاق بيومٍ واحد فاجأهم أحدُ المهندسين بمخاوفه من مشكلاتٍ محتملة في الفواصل
    • المطاطية التي تحمي خزانات الوقود في صواريخ التعزيز.
    • نوقشت المشكلة في اجتماعاتٍ عدة على الهاتف و كان القرارُ النهائيُّ
    • هوَ المضيُّ في عملية الإطلاق.
    • بدت على مجموعة صناعة القرار أعراض التفكير الجمعي:
    • - تجاهلوا أو استخفُّوا بالتحذيرات التي تناقض أو تعرقل هدف المجموعة.
    • - سيطرت عليهم ثقةٌ مطلقة بصحَّةِ قراراتهم و تصرُّفاتهم و هكذا أخفقوا في الغوص و تحليل كل
    • المخاطر المحيطةِ بها.
    • - بالإضافة إلى العوامل السابقة أُخمدت أصوات الأقليَّة من المهندسين المعارضين لعملية الإطلاق و الواقفين بوجه التيار العام بسبب
    • الاتجاه العام الضاغط نحوَ عدمِ تأجيل الإطلاق لأن ذلك التأجيل لم يكن مناسباً
    • في وقتٍ تتوجه فيه كلُّ الأنظار نحو الناسا و مشروعها الجماهيري الذي اكتسبَ
    • سمعةً و قبولاً هائلين في أوساط العامة.
    • فقد كانوا بصدد إرسالِ أوَّلِ معلمة إلى الفضاء و كانَ مجلس النواب
    • بصدد إقرارِ ميزانيةِ دعمٍ هائلةٍ للوكالة لقاء ذلك المشروع.
    • كان لذلك المزيج من سوء التقدير و التفكير الجمعي و العوامل
    • الخارجية نتيجةٌ واحدة: كارثة!
    • تناثرت أشلاء المكوك و ملاحيه في الفضاء و انقطعت سلسلة النجاحات الخارقة و انتهى سجل السلامة المشرِّف.
    • كيفَ نخفف الآثار السلبية للتفكير الجمعي:
    • يقترح الباحثون تقليص آثارِ الإلحاح على تماسك المجموعة و التفكير
    • الجمعي من خلال نشرِ الظروف التالية في بيئة المنظمة و دمجها جوهرياً في
    • ثقافتها:
    • طرد الخوف و تشجيع العناصر على البوح بآرائهم و عدم التردد في انتقادِ
    • كلِّ ما حولهم و تأكيدُ أن الهدف الأول للعمل هو تحقيق المصلحة التنظيمية و
    • ليسَ إرضاء المدراء و لا إرضاء الزملاء إرضاءً شخصياً.
    • أن تجتنب القيادةُ طلبَ الآراء مع الإيحاءِ في الوقتِ ذاته
    • بالرأي المفضَّلِ لديها سلفاً و تشجيعِ إعلانه و تبنِّيه.
    • تشكيلُ مجموعاتٍ مستقلة متعددة و تشجيع النقاشات المفتوحة.
    • مناقشةُ الأمور مع أفرادٍ من خارج المجموعات و إدخالُ عناصرَ متجددة
    • إليها لإدخال أفكارٍ متجدِّدة.
    • حضور القائد الموضوعي النزيه الساعي إلى قبول مشاركة كل
    • الأعضاء.
    • حضورُ واحدٍ من الأعضاء على الأقل في كلِّ اجتماع و قيامه بدور
    • محامي النقيضين devil"s
    • advocate.
    • لا يتردَّدُ محامي النقيضين في استجواب و تحليل أي حقيقة مهما كانت و
    • كائناً من كان القائل بها فرداً أو جماعة.
    • و رغم المعنى السلبي الذي توحي به تسميةُ " محامي النقيضين" في بعض
    • المواقف فإنَّ حضوره هو مقياسُ اختباري لسلامةِ القرارات و صحة البيئة التي
    • تتخذُ فيها.








منقول