آداب الطلاق في الإسلام
على الرغم من حرص الأديان كلها على رباط الزوجية وعلى الحفاظ على الأسرة وتماسكها, إلا أنه مع ذلك شرعت الطلاق ووضعت له نظاما حتى يتم بأقل قدر من الخسائر ولكي تعطي فرصة للطرفين لحياة جديدة أكثر توافقا, لكي يؤدي كل منهما وظيفته في ظروف أفضل. ومما يروى عن سيدنا إبراهيم أنه حين زار ولده إسماعيل ورأى زوجته على حال لم يسره ترك له رسالة بأن يغير عتبة البيت, وهو يعني الطلاق, ثم جاء الإسلام امتدادا لشريعة إبراهيم عليه السلام (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا), وقد كانت الأديان والتشريعات السماوية وغير السماوية تقر الطلاق مع اختلاف التسميات والطرق المؤدية إليه, وما زال هذا الأمر قائما باستثناء بعض الطوائف الدينية التي وضعت قيودا شديدة على الطلاق بناءا على تفسيرات بعض علماء الدين أو المؤسسات الدينية, وكان لهذا التقييد أو المنع آثارا سلبية هائلة نتيجة استبقاء علاقة مضطربة بين زوجين يكره كل منهما الآخر وينفر منه, ومن هنا ازدادت الصراعات والمشاحنات داخل البيت وعاش الأطفال في جو مسموم وربما اتجه كل من الزوجين إلى التعويض العاطفي خارج إطار الزواج, وأدى أيضا إلى عزوف الناس عن الزواج حتى لا يقعوا في هذا المأزق.
ومن هنا نفهم أن الطلاق مخرج صحي لعلاقة شديدة الاضطراب بين زوجين, ولو لم يوجد هذا المخرج لكانت البدائل كلها مخارج سلبية ومرضية. ولهذا نجد الطوائف التي منعت الطلاق أو قيدته تقييدا شديدا تواجه مأزقا صعبا بين واقع الحياة وبين قيود وتعليمات لا تراعي الفطرة الإنسانية ولا تستقيم مع الحياة السوية. وهذا المنع والتقييد في أغلبه يعود إلى تفسيرات بشرية للنصوص الدينية التي تحتمل أكثر من تأويل, والدليل على ذلك إباحة الطلاق لدى طوائف أخرى تنتمي لنفس الدين بناءا على تفسيرات أكثر منطقية وأكثر رحابة للنص الديني.
وهذا ما أشار إليه الفيلسوف الإنجليزي "بنتام" في كتابه "أصول الشرائع"، فقال: "لو ألزم القانون الزوجين بالبقاء –على ما بينهما من جفاء- لأكلت الضغينة قلوبهما، وكاد كلٌ منهما للآخر، وسعى إلى الخلاص منه بأية وسيلة ممكنة، وقد يهمل أحدهما صاحبه، ويلتمس متعة الحياة عند غيره، ولو أن أحد الزوجين اشترط على الآخر عند عقد الزواج ألا يفارقه، ولو حل بينهما الكراهية والخصام محل الحب والوئام لكان ذلك أمراً منكراً مخالفاً للفطرة ومجافياً للحكمة، وإذا جاز وقوع هذا بين شابين متحابين، غمرهما شعور الشباب فظنا ألا افتراق بعد اجتماع، ولا كراهة بعد محبة، فإنه لا ينبغي اعتباره من مشرع خير الطباع، ولو وضع المشرع قانوناً يُحرم فض الشركات ويمنع رفع ولاية الأوصياء، وعزل الشركاء ومفارقة الرفقاء، لصاح الناس: هذا ظلم مبين. وإذا كان وقوع النفرة، واستحكام الشقاق والعداء ليس بعيد الوقوع فأي الأمرين خير؟ أربط الزوجين بحبلٍ متين، لتأكل الضغينة قلوبهما، ويكيد كلٌ منهما للآخر؟ أم حل ما بينهما من رباط وتمكين كلٌ منهما من بناء بيت جديد، على دعائم قويمة، أو ليس استبدال زوج بآخر خير من ضم خليلة إلى امرأة مهملة، أو عشيق إلى زوج بغيض؟".
ويقول ابن سينا في كتاب الشفاء:
"ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما, وألا يسد ذلك من كل وجه, لأن حسم أسباب التوصّل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوها من الضرر والخلل, منها: أن من الطبائع مالا يألف بعض الطبائع, فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر والنبوّ (أي الخلاف), وتنغصت المعايش. ومنها: أن من الناس من يصاب بزوج غير كفء, ولا حسن المذاهب في العشرة, أو بغيض تعافه الطبيعة, فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره, إذ الشهوة طبيعة, ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد, وربما كان المتزوجان لا يتعاونان على النسل, فإذا بدلا بزوجين آخرين تعاونا فيه, فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل, ولكنه يجب أن يكون مشدّدا فيه".
ويقول ابن قدامة في هذا المقام "فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة، وضررا مجردا بإلزام الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه"
والحكمة من تشريع الزواج هي بناء الأسر على أساس سليم من السكن والمودة والرحمة, ذلك البناء الذي يسمح بإشباع احتياجات الزوجين ويجعلهما في حالة من الراحة والطمأنينة وينعكس ذلك على الأطفال الذين ينعمون معهما بثمار تلك العلاقة السوية, فإذا تعذر قيام هذا الأمر كان الطلاق هو الحل لكي يفسح الطريق للطرفين أن يتحررا من علاقة مرضية ويعطيهما الفرصة لبناء حياة جديدة لكل منهما بعيدا عن الآخر, حياة تتوافر فيها علامات التوافق والارتياح.
وقبل الوصول إلى نقطة الطلاق نجد هناك خطوات ومحاولات للتوفيق بين الزوجين على مستوى الزوجين, ثم على مستوى العائلتين الأكبر ثم على مستوى المجتمع وأولي الأمر على أمل أن تكون عوامل الخلاف بسيطة ومؤقتة ويمكن إزالتها ببعض التوجيهات أو الإرشادات أو تغيير بعض المفاهيم.
وقد يحدث أن تتغير المشاعر من الزوج تجاه زوجته أو العكس, وهنا يأمر الله تعالى الطرفين بالصبر والاحتمال, على أمل أن تتغير المشاعر وتتحسن, وعلى أمل أن يرى كل طرف في الآخر بعض جوانب الخير الظاهرة أو أن ينتظر بعض الجوانب الخيرية المستترة, وفي هذا يقول الله تعالى: "..... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً" (النساء: 19).
وحين يثبت أن الخلاف عميق بدرجة لا يمكن تجاوزها, وأن ثمة تنافر بين الطرفين لا يمكن علاجه, وأن كل وسائل الإصلاح استنفذت, وأن وقتا طويلا قد مر على هذا الحال المضطرب, وأن الأمور تزداد سوءا مع الوقت, هنا يصبح الطلاق مشروعا, ولكن بضمانات وخطوات وآداب تحفظ للجميع حقوقهم المادية والمعنوية.
يتبع
المفضلات