أكبر إهانةٍ للعسكرية المصرية أن يقول البعض بجهلٍ أو سوء نية “إن محاكمة مبارك إهانةٌ للعسكرية المصرية” ..

كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .. لقد تشرفتُ بخدمة مصر من خلال جيشها الوطنى .. وأُجزم أن أكثر ما يؤلم أبناء هذه المؤسسة الجادة أن يُقالَ إنها تتهاون مع المخطئين من أبنائها فلا تحاكمهم، وإلا ما كانت المحاكم العسكرية قد أُنشئت من الأساس ..

أما الإهانة الحقيقية فهى أن يُحاكَم الشريف على شرفه والبطل على بطولته كما حدث مع حبيب مصر وقرة عينها وبطلها الأسطورى وابنها المظلوم والرأس المدبر والقائد الميدانى لنصر أكتوبر العظيم ..

الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان القوات المسلحة فى حرب أكتوبر وقائد الكل (بمن فيهم مبارك نفسه).


والشاذلى (لمن أفلح إعلام مبارك فى خداعه) لم يكن بطلاً لمعركةٍ واحدةٍ ..

وإنما كانت حياته سلسلةً كاملةً من معارك الوطن المقدسة .. انتصر فيها جميعاً بنا ولنا ..

وكما كان خالد بن الوليد نموذج العسكرية الإسلامية، فإن سعد الدين الشاذلى كان وسيظل نموذج العسكرية المصرية ..

من أهانه فقد أهان الجيش المصرى ومن ظلمه فقد ظلم مصر كلها.

هو الضابط المثالى المقاتل عن عقيدة (لا كوظيفة) وكما قال هو عن نفسه فى كتابه الممنوع “لقد أمضيت عمرى كله فى خدمة بلادى” ..

لم يسرق ولم يزوّر ولم يلعنه شعبه فى يومٍ من الأيام.


فى ميادين القتال، انتصر الشاذلى فى كل معاركه ..

حتى فى 1967 كان أداؤه طاقة نورٍ وسط الظلام الحالك ..

وبعد أن أُبعد عن ميادين القتال بعد نصر أكتوبر، خاض معركته الأخيرة الطويلة ضد الخسّة والدناءة والجحود ..

وهى قصةٌ تستحق أن تُروى ..

فى أواخر عهد السادات وإثر خلافه معه بسبب كامب ديفيد، أراد السادات أن يحاكمه لأى سبب واعتقد أنه وجد ضالته فى اتهامه بأنه أفشى أسراراً عسكريةً فى مذكراته عن حرب أكتوبر ..

ولكن المخابرات والقوات المسلحة أفادتا بأن ليس فى الكتاب أى أسرارٍ عسكرية فلم يحاكمه السادات ..

ولكن فى 1983 حاكمه مبارك غيابياً بنفس التهمة وقضت المحكمة العسكرية بحبسه 3 سنوات وسط اندهاش الجميع من هذا الموقف الخسيس من الرئيس الجديد (وقتها) ضد قائده فى حرب أكتوبر ..

وبعد ذلك بعشر سنواتٍ أبلغت السيدة الفاضلة حرم الفريق الشاذلى رئاسة الجمهورية بأن الفريق الشاذلى يريد العودة لوطنه بعد 14 سنة فى منفاه الاختيارى ولكنها تخشى عليه من تنفيذ الحكم الغيابى، وتلقت إجابةً واضحةً بأن يعود ولا خوفٌ عليه ..

فلما عاد أُلقى القبض عليه فى المطار وتم ترحيله فوراً إلى السجن الحربى لتنفيذ الحكم الغيابى وجاءه من يساومه على الخروج مقابل تقديم التماسٍ لمبارك ..

لكن الشاذلى لم يخذل حُسن ظننا به ..

فلم يحْنِ هامتَه إلا لخالقه ..

ورفض أن يوقع على هذا الالتماس ..

وبقى فى السجن الحربى عاماً ونصف إلى أن خرج بعد قضاء نصف المدة كبقية المساجين (الشاذلى فى السجن الحربى! .. ياللهول ..

يا لعارنا جميعاً إلى يوم الدين ..

ويا فرحة إسرائيل الحقيقية !)..

وبعد أن خرج من السجن نُزعت صورته من بانوراما حرب أكتوبر وتم إيقاف معاشه المستحق عن نجمة الشرف العسكرية وعاش العشرين عاماً الأخيرة من حياته على إيرادات قطعة أرض ورثها عن أبيه ..

ولم يتم تكريمه (طبعاً) فيمن تم تكريمهم فى الذكرى الثلاثين للحرب التى قادها وانتصر فيها .

وظل هذا القائد المصرى الأسطورى الشريف يستمع إلى أكاذيب إعلام الرئيس النطع ..

وتحمّل بروحه العذبة .. وابتسامته التى تختصر روح مصر الضاربة فى عمق الزمان، تحمّل سفالات ورذالات الصغار وخستهم .

إلى أن صعدت روحه إلى بارئها فى توقيتٍ مدهش (10 فبراير 2011) وشُيعت جنازته يوم 11 فبراير ..

وبينما جثمانه الطاهر يُشيّع مصحوباً بدعاء الملايين لله عز وجّل أن يغسل عنه برحمته وفضله كل ما لحق به من ظلم ..

كان ظالمه وظالمنا يُشيّع بدعاء نفس الملايين أن يقتص الله منه.

وبعد أسبوعين من تحرر الجيش المصرى من قائده الأعلى المزوّر، أعاد للشاذلى (وهو فى رحاب ربه) نجمة الشرف.
يا حبيب مصر .. سامِحنا .. فقد جرى لك ما جرى دون أن نستطيع أن نرفع عنك فى حياتك شيئاً مما لحق بك من الظلم ..

وصعدت روحك قبل أن تعلم بثورتنا التى أثبتت أن الوطن الذى أنجبك ولم يتوقف عن إنجاب الأبطال ..

هو وطنٌ كبيرٌ كبيرٌ كبير .. أكبر من أن يسطو عليه الصغار والإمعات والتافهون والأنذال ..


سيادة الفريق/ سعد الدين الشاذلى .. نحن مدينون لك بالبهجة .. والأمل .. والافتخار .. فشكراً لك .. ولتهنأ روحك فى سلامٍ بعد رحلة العمر القاسية .. فى مكانها الطبيعى مع النبيين والصديقين والشهداء .. وحسُن أولئك رفيقاً ..





منقول