ملاحظات حول محاكمة القرن
أولا :- لما كانت نسبة أي عمل إلى القرن إنما يكون باعتبار هذا العمل هو الأشهر بين ذات الأعمال المماثلة له ، ومن هنا نسبت بعض الأعمال في القرن الماضي إليه ، مثل ( مبارة القرن ) ، و( فيلم القرن ) و ( شخصية القرن ) ، فأنه يصير من الخطأ تسمية هذه المحاكمة بهذا الاسم ، لأننا لم نزل في بداية القرن الواحد والعشرين ، وقد تحدث محاكمات أخرى خلال السنوات القادمة ربما تفوق هذه المحاكمة
ثانيا :- تم إعداد قاعة متخصصة بأكاديمية الشرطة على أعلى مستوى وبتكاليف باهظة لهذه المحاكمة خصيصا ، بل على وجه أدق لمحاكمة مبارك وحده لا غير ، لأن العادلي ورجاله حوكموا من قبل بدور القضاء المعروفة والموجودة أصلا . وهذه الغرفة المتي تم تخصيصها مكيفة ومجهزة بمقاعد فاخرة ، وهذا التخصيص وهذا التجهيز لهو من الأمور المبالغ فيها مبالغة مفرطة وتكشف عن معاملة المتهم ( مبارك ) معاملة متميزة تفرقه عن غيره من المتهمين .
والقول بأن ذلك لدواع أمنية قول مخالف للحقيقة ، لأن الإحتياطيات الأمنية يسهل توفرها بأماكن التقاضي المعروفة ، فضلا عن أن المحاكمة شهدت إنفلاتات أمنية لم يستطع الأمن وقفها إلا بعد وقوع العديد من الإصابات ، كما أن العديد من المحامين والمجني عليهم لم يتمكنوا من الدخول ، ولم يتمكن الأمن أيضا من حماية بعض الشخصيات المعروفة التي تعرضت للأذى مثل المستشار الخضيري .
ثالثا :- تعامل الضباط سواء من القوات المسلحة أو من وزارة الداخلية مع المتهمين معاملة متميزة ، تؤكد الشكوك التي تنتاب الشعب المصري كله المتعلقة بما يلقاه هؤلاء المتهمين من معاملات متميزة وعلى أعلى مستوى من التميز داخل سجونهم بمزرعة طرة ، ولعل الجميع لاحظ أن العادلي لم يكن مكبل بأغلال السجن ، وكان ينبغي أن يدخل القاعة بالكلابشات لأنه محكوم عليه بحكم قضائي جناي في واقعة أخرى ، كما لاحظ الجميع التحايا العسكرية التي كان يلقاها المتهمون خاصة المذكور أخيرا من قبل ضباط الأمن المنوط بهم تأمين المحكمة ومن بها ، وقبلة السيد ضابط الشرطة العسكرية للعادلي أثناء دخوله القفص .
رابعا :- دخل مبارك على نقالة بداع المرض ، وقد بدا لكل ذي بصر أنه في كامل وعيه وصحته وعافيته ، وأن كافة التقارير الطبية التي صدع بها الإعلام رؤوسنا يشوبها الكذب والبهتان ، وبدا أنه كان صابغا شعر رأسه وحليق الدقن والشارب وقوي نبرة الصوت ، وكان ينظر للساعة التي يرتديها بما يوحي أنه يعلم يقينا أنه سيعود إلى فراشه الوثير وجناح فندقه الفخم ، وكان يضع أصبعه في مناخيره كناية عن استهتاره وسخريته مما يحدث ، ولم يعبأ بالكاميرات أو حتى بقرار الإتهام الذي تلاه ممثل النيابة أو بمرافعات محامو المجني عليهم .
خامسا :- بدا من قرار القاضي أحمد فهمي رفعت بإيداع مبارك المركز الطبي العالمي وتوفير كافة الرعاية الطبية له وندب أحد المتخصصين من كبار الأطباء لمرافقته ، قرارا تعاطفيا ومتميزا عن أي قرار صدر منه أو من أي قاض آخر تجاه متهم مريض ، ولم يسبق في تاريخ القضاء المصري معاملة متهم بمثل هذه المعاملة الرفيقة والرقيقة ، وليس ذلك داع من دواع العدالة مطلقا ، بل يكشف على نية مبيتة بتخفيف أي قضاء سيصدر ضد مبارك ، خاصة وأنه صدر بداية الجلسة بجملة أنه " يحكم من خلال الأسانيد والأوراق والبراهين " ، وهي قولة حق ربما يراد بها تبرئة مبارك أو إيقاف الحكم الذي سيصدر بشأنه .
سادسا :- بدا من نظرة حبيب العادلي ومن ضحكاته وابتساماته وسلاماته وتحياته ، ثقتة بنفسه وثقتة بقرار سيصدر ولكنه يعلم فحواه بما يجعله مطمئنا وهادئا ، بل بدا من ثقابة نظرته وحدتها أنه يتوعد ويهدد بما يملكه من أسرار ومستنندات ، كما بدا أنه يلقى معاملة حسنة ورائعة داخل محبسه وربما يشمل ذلك لقاءه بزوجته .
سابعا :- عدد حضور أسر المجني عليهم بشخوصهم كان قليلا جدا حتى أنه لم يتعدى أصابع اليد الواحدة ، وهو مالا يتناسب مع المظاهرات والإعتصامات التي كان يحضرها هؤلاء المجني عليهم ، ولا يتناسب مع أهمية الحدث الأبرز على مستوى العالم ، ولا يتناسب مع حالة الترقب أو الإنتظار التي كانوا عليها ، بما يعني أنهم منعوا من الدخول أو حيل بينهم وبين ذلك مسبقا ، وهذا أمر يخالف القانون ويخالف الأعراف الإنسانية ، بغض النظر عن حضور محاموهم أو وكلائهم ، ومما يزيد الشك في الأمر أنهم تعرضوا خارج المحكمة وفي حضور رجال الأمن لإعتداءات سافرة من قبل من أطلقوا علي أنفسهم ( أبناء مبارك ) وممن ارتدوا زيا واحدة وشارة مميزة تدل على تنظيمهم وتجميعهم بفعل فاعل .
ثامنا :- أن السادة المحامين الحاضرين عن المجني عليهم ظهروا بأقل مما يجب أن يظهرعليه من يدافع عن حقوق الثوار والشهداء وممن يطالب بالقصاص من قتلتهم ، فكان بعضهم ضعيف اللغة ضعيف المنطق وضعيف الحجة ، وبعضهم ظهر وكأنه أراد أن يظهر في الكادر فقط ، ومنهم من دفعته شهوة الكلام إلى الإطالة بلا فائدة وبلا مبرر ، ومنهم من أثار سخرية الجميع كهذا الذي ادعى أن الموجود بالقفص ليس هو مبارك وأن مبارك مات منذ عام 2004 ، وهذا الذي ألقى خطبة وصف فيها مبارك بأنه فرعون وبأنه سفاح ، حتى نبهه القاضي إلى أن ما يقوله هو ( خطبة ) وليس مرافعة ، ومنهم الذي كان يمسك بالميكرفون لا يريد أن يتركه ، ومنهم طلب طلبات لاعلاقة لها بالقضية الحاضر فيها .
ولكن ما حدث من هؤلاء السادة المحامين له ما يبرره لأسباب كثيرة منها :-
(1) دوردفاع المدعي بالحق المدني أو المجني عليهم دور محدود لكونه يقتصر على إثبات الخطأ والضرر ورابطة السببية بينهم ، بينما تكفل النيابة الحقوق الجنائية للمجني عليهم ، وتكون المساحة الأكبر في الدفاع للحاضر مع المتهم أو عنه
(2) عدد المجني عليهم كبير جدا ، ومن الطبيعي أن يكون عدد محاموهم كبير أيضا ، وهذا العدد الكبير يؤدي إلى قلة الإنتظام عن العدد الأقل ، بينما عدد المتهمين أقل وعدد محاموهم أقل ، مما يتيح للعدد الأقل القدرة على التنظيم وترتيب الدفاع .
(3) المجني عليهم من الأسر ضعيفة المستوى المادي بسيطة الحال ، ومن ثم يكون السادة محاموهم من غير المشاهير خاصة أن أكثرهم تولى القضية متطوعا ، في الوقت الذي يتولى الدفاع عن المحامين فطاحلهم وأشهرهم وأكفأهم ، لذا يكونوا أكثر حكمة وترتيبا وأكثر حنكة
تاسعا :- الطلبات الكثيرة التي أبداها الحاضرون سواء من هيئة الدفاع عن المتهمين ، أو من قبل الحاضرين عن المدعين بالحق المدني تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي ، وأن طلب محامي المتهم حسني مبارك بسماع أكثر من ألف شاهد طلب مستحيل تحقيقه ، ويكون أمام القاضي سماع العدد المعقول منه .
عاشرا :- تبقى شهادة المشير والسيد عمر سليمان هي الفيصل في هذه المحاكمة ، فإما أن يبرأن مبارك وإما أن يقوداه إلى حب المشنقة ، وما أظنها الأخيرة مطلقا .
منقول






المفضلات