في محاولة بسيطة أردت من خلالها ترتيب الأفكار في مواجهة حقيقية للذات أكشف فيها السلبيات التي باتت تؤرق الجميع آباء وأمهات مشكلة ما يعانيه الشباب من فراغ، الموضوع ليس مجرد ظاهرة وإنما واقع وحقيقة نعيشها تهدد الكيان الاسري، وتنذر بالانهيار وفك عرى الترابط بين أفراد الأسرة، هذا الرابط الأساسي في التكوين العائلي وهو ما نشأنا وتربينا عليه الذي به تميزنا على سوانا من الشعوب والأمم.

إن من أهم وأكبر المشكلات التي تواجه الآباء والأمهات في عصرنا هذا هي مشكلة الشباب ووقت الفراغ الذي يعاني منه الجميع لما يجلبه من مخاطر يقتحم بها حياة هؤلاء الشباب بتأثيراته السلبية الخطيرة التي تهدد هذه الشريحة المهمة في المجتمع.

فالشباب هم قلب الأمة النابض بالحياة والعقل النقي المتأهب للبرمجة الحياتية، ويسانده في ذلك ما يمتلكه من اندفاع وحماس وحب مغامرة، ثم التعلم من التجربة، وكل ذلك شيء جميل ومطلوب بل صفة تميز الشباب بمرحلته العمرية عمن صغره سنا وحاجته للتبعية، وأقصد بذلك مرحلة الطفولة، وعمن كبره سنا وتميز بالحكمة والمعرفة المكتسبة، أي أن الشباب مرحلة عمرية وسطية يمر بها كل إنسان سواء نال قسطا كبيرا من التربية العلمية وسبقها قبل ذلك تربية أسرية قائمة على أسس ومبادئ دينية وعلمية وبطريقة عملية ومنهجية.

فما دام هذا هو المبدأ فما التغير الذي طرأ على مجتمعاتنا ليغير حالنا ويتكدر علينا صفوها..؟

تأتي الإجازة الصيفية جالبة معها معاناة وشكوى وألما من خطر الفراغ على حياة الشباب، نعم إن الفراغ عدو خطر، وبالمقابل هناك النفس والبدن اللذين بحاجة إلى الراحة والاسترخاء بعد فترة من الجهد والعمل، وبذلك فائدة كبيرة منها لقطع الرتابة في الحياة وعمل تقييم لما تم إنجازه، إذن أين يكمن الخلل.. هل هو في الإجازة نفسها أم سوء التصرف فيها..؟ ومن المسؤول عن هذه المخاوف وتفاقم المشكلة هي هم الشباب أنفسهم أم غياب الرعاية الأسرية من قبل الآباء بضبط السلوكيات والمقصود به الوعي الأسري لسلوكيات الأبناء وامتلاك الأدوات لإسعاد الشباب آملاً في إسعاد الأجيال القادمة.

إن المشكلة كبيرة ولا يستهان بها وهي مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف الأسرة والمجتمع من جهة والشباب من جهة اخرى لأنهم الطرف المعني بالقضية الذي تقع عليه نصف التقييم في العملية التكوينية لهذه الفترة بما أنه أصبح شابا تؤهله هذه المرحلة على صنع نفسه بقرار من ذاته.. من هو.. ماذا يريد أن يكون مستقبلا.

قد يقول قائل الشباب هم الشباب منذ القدم.. والأسرة هي ذاتها التي أنجبت آباء اليوم فما الذي اختلف، وهنا شيء مهم يجب أن ننظر إليه بإمعان وهو أنه لا يمكن أن نطبق نفس الطرق التربوية لجيل الأمس مع جيل اليوم ولسبب بسيط نحن نعيش في حياة والحياة معناها التغير المستمر لا الجمود، فما كان يصلح بالأمس لا يمكن اعتماده بنفس الاسلوب اليوم، مع مراعاة التمسك بالقيم والمبادئ التي تربينا عليها.

إن سبب المشكلة في نظري ذو شقين الأول داخلي أسري يكمن في عدم استخدام وسائل الراحة والتقنية الحديثة بالشكل الأمثل والصحيح فبدل أن يتوفر لنا الوقت الكافي للمزيد من الرعاية الأسرية للأبناء صارت عبئا كبيرا في دمار الأجيال، ومن تلك الأشياء وجود خادمة في البيت الذي صار وجودها بالنسبة للأبناء أهم من الأم نفسها حتى بات دور بعض الأمهات مجرد حاضنة للأطفال تنتهي مهمتها يوم يبصر النور وليدها ليتولى تربيته ورعايته وحتى توجيهه إنسانة أخرى لا تمت له بأي صلة حتى صار أبناء اليوم يعيشون حالة من اليتم المقنع في وجود الأم الغائبة، وبهذه الحالة لا يمكن أن نغرس فيه الحب والرابط الأسري لأنه بساطة اعتاد التوجيه من أناس مختلفين عنا في كل شيء وأخذ منهم عادات وسلوكيات مختلفة مع كل وجه جديد يدخل الأسرة بموجب فترة عمله ليلقي بثقافة المجتمع الذي جلب منه لينهل منها أبناؤنا، أما بالنسبة لرب الأسرة فقد أوكل دوره وتنازل عن مهامه إلى السائق الذي تعددت صلاحياته داخل الأسرة حتى صار دور الأب في الأسرة وظيفيا بعيدا كل البعد عن الرابط الحميمي والضابط لجميع الأمور، غابت سلطة الأب واختفى دور الأم.. من هنا جاء الفراغ الداخلي نتاج الفراغ العاطفي الذي بحاجة إلى الإشباع وبأي شكل من الأشكال فتولد لدى الأبناء فراغ انتمائي بين أفراد الأسرة، أن السبب في ذلك وللاسف الوالدان بتملص كل منهم عن دوره ليلقي باللوم على الطرف الآخر. من هنا جاء الخلل الداخلي.

أما الشق الثاني هو نتاج ما نعيشه من عولمة فكرية أتت بثمارها الفاسدة على مجتمعنا، وهددت كياننا الأسري بالانهيار هدفها عقول الشباب لتحول الحماس والاندفاع إلى نكران لكل الأصول والقيم بما تملكه من وسائل متعددة ومتنوعة لتغلق العقول وتحول الاتجاهات في اتجاه واحد فقط لا خير فيه هو الانسلاخ من المجتمع والتمرد على قوانينه.

إننا نعيش في واقع لا يمكن لنا تغييره بل يحتم علينا التعايش معه، ولكن وفق أسس وقوانين نحن نضعها لخدمة مجتمعنا ولصالح أجيالنا، وبذلك نقضي على التنافر الناشئ بين الآباء والأبناء ونقوي رابط العلاقة الأبوية، وهذا يتطلب وجود الأب المربي والقدوة المتفهم لطبيعة المرحلة التي يمر بها الابن هنا الكلام للشمول للأم والأب في طريقة التعامل مع الشباب ذكورا وإناثا لإيجاد نقطة التقاء بين الطرفين الآباء والأبناء، ويتطلب ذلك من الأب التخلي عن إصدار القرارات دون التوجيه وتقبل وجهات النظر للآخر لبناء الثقة المبنية على التدريب من جانب الأب لنفسه لكي يلعب هذا الدور وبنجاح، وله أن يبحث في كتب علم النفس النظريات التربوية لذوي الاختصاص والخبرة، وخير معين لنا في ذلك ما جاءنا في القرآن والسنة النبوية التي تطرقت بالحلول المثلى قبل ألف وأربعمائة سنة ويزيد، ففيها دعوة لإحسان تربية الأبناء صغاراً وإشباع غرائزهم حناناً ليحسنوا إلينا في سن الوهن.. أما في سن الشباب فقد حثنا ديننا على اعتماد اسلوب الرفقة والمصاحبة لبناء الثقة بين الطرفين، وإبراز القدوة الحسنة في صورة الأب تجاه الابن ليكون الأخ والصديق الصدر الحنون الذي يلجأ إليه في المشورة ليجد الرعاية والتوجيه السليم فيتولد داخل الابن الرضا عن النفس فتنمو فيه الشخصية الشبابية القيادية النافعة للأسرة والمجتمع. إن الاحساس بالفراغ شيء رهيب ناشئ من عدم الاحساس بالسعادة مع توفر جميع الامكانات أي أنه سبب نفسي ومادي في عدم الرضاء عن النفس وقبول الاداء وانعدام الهدف وتصغير الذات.. فيا أيها الأب ما أنت إلا بستاني في حقل الحياة، فإما أن تحصد غراسك شوكاً ودماء أو ورداً تملأ الدنيا أريجاً يعطر النفوس سعادة وهناء
منقول