كنت فى طفولتى أعشق القراءة والتأمل بشكل يقترب من العنف أقرب إليه من الشغف وكان لدّى إستعداد أن أفعل أى شئ فى سبيل الحصول على كتاب .. أى كتاب !!
كنت مستعداً لفعل أية أشياء حتى لو كانت مشينة بعقلية طفل لم يتجاوز عمره العاشرة بشهور ...
وذات يوم ممطر عاد أبى من الخارج يكاد يكون مبتلاً وحين دخل غرفته عَلق مِعطفه على المشجب وإختفى عن نظرى ...!!
إختفى بما لا يسمح لعيناى أن تراه ..!
ولما كنت من محبى التدقيق والتأمل فقد ثَبت عينى على نقطة مطر مستقرة على ياقة المعطف وتملكنى شغف يبدو سخيفاً أن أظل أرقبها بتلهف لأرى هل تنزلق عن مكانها أم تظل عالقة به ..!
بقيت أرقبها وأنا ألهث فترة من الزمن كأنما حياتى معلقة بها ولما رأيتها تسقط إنتقلت إلى الأزرار ...
كانت نظرتى تنهل من هذه الأشياء الهينة وترتوى وتتلذذ بشغف لا يمكن للكلمات أن تعبر عنه ثم دققت النظر ثانية فوقعت عينى فجأه على شئ مختلف .. شئ انتفخ به جيب المعطف !!
إقتربت وظننت أننى أتبين تحت القماش شئ يوحى بأنه كتاب !
كتــــــــــــــاب ..
إرتعشت ركبتاى .... نعم إنه حقاً كتاب !
كان قد مضى علي وقت طويل لم أتناول خلالها فى يدى كتاباً فبهرنى تصور .... مجرد تصور وجود كتاب فى جيب المعطف .
وعلى بعد خطوات منى كتاب أظفر فيه برؤية الكلمات المُصففة والصفحات واأوراق أقلبها كيفما أشاء
كتاب يتيح لى أن أطلع فيه على أفكار إنسان آخر .. أفكار جديدة علّها تشغلنى عن أفكارى وأستطيع أن أحتفظ بها فى ذاكرتى .. يالها من لقيه مثيرة ومسعدة معاً ...
وكأن نظرتى جذبها سحر مغناطيسى فتَسمرت على الجيب المنتفخ الذى بداخله شكل كتاب
وإتقدت نظرتى كأنها تريد أن تُحدث ثقباً فى جيب المعطف فلم أتمالك نفسى وتقدمت خطوة ...
سَرت النار فى أصابعى لمجرد التفكير فى أننى عما قليل سألمس كتاباً ولو من تحت غطاء ...!
وإذا بى وأنا لا أشعر أتقدم خطوة أخرى وأخرى وأخرى ...
نجحت فى الإقتراب من المِعطف ووضعت يدى خلف ظهرى لألمس الجيب خِلسة ودَلنى جَسى له أن بداخله جسماً مستطيلاً غير جامد يسمع له عند الضغط عليه حسيس خافت ...
كتاب ... نعم ولا ريب !
ورفعت الكتاب شيئاً فشيئاً خارج الجيب ولم تكن نظراتى عليه وأنا أسحبه بل كانت مُسلطة على الباب كى لا يدخل أحد ويظن أننى أسرق من مِحفظة نقود أبى خمسة عشر قرشاً مثلاً وبمنتهى السرعة وضعت الكتاب المزعوم من جيب المعطف إلى جيبى بحركة سريعة أصبح الآن أمامى أن أعرف مدى نجاح هذه الحيلة فإبتعدت عن المشجب ومشيت خطوة و خطوتين وثلاث خطوات ثم نَجحت حيلتى وإنطلقت إلى غرفتى سريعاً فرحاً بما ظفرت به .
تحسبون ولا ريب أننى سارعت حينئذ إلى إخراج الكتاب من مخبئه لاتصفحه وأطالعه ...
كلا لم أفعل شيئاً من ذلك ....!!
إن مجرد تَصور وجود هذا الكتاب معى فرحة غمرة قلبى فأردت أولاً أن أستمتع باللحظة إلى أقصى مداها وأخرت عمداً لحظة تصفحى للكتاب لأسبح فى أحلام لذيذة تطوف بمحتواه ومضمونه .....
تمنيت بادئ الأمر أن تكون حروفه دقيقة جداً وصفحاته ملأى بالأسطر والكلمات المطبوعة على ورق رقيق حتى أحظى بأكبر قدر من القراءة وتمنيت أن يكون كتاباً يَلذ حفظه ...
وأخرجت الكتاب بيد مرتعشة فَرِحة ...
وما كدت أُلقى نظرة عليه حتى صرعتنى الحسرة وخيبة الأمل .!
هذا الكتاب الذى جازفت بإختلاسه أعظم المجازفة مُعرضاً نفسى لأفظع الإتهامات إذا ضُبطتُ متهماً بإختلاس مبلغاً من المال يُشبع النهم الطفولى لدّى طفل قد تٌسعده قطعة عَلك .!
هذا الكتاب الذى ألهب رأسى ورفع أحلامى إلى عنان السماء
لم يكن كتاباً ....!!
لم يكن إلا قطعة من الشيكولاتة كبيرة الحجم ..
ولو كنت غير حبيس فى غرفتى لطوحت بها فى غيظ شديد وألقيت بها من النافذة !!







المفضلات