احترف شاب مسألة الناس مع انه قوي ويستطيع ان يكسب قوته من عمل شريف . ومما شجعه علي الإستمرار فيما هو فيه أنّ الناس لا يميزون المحتاج من المستغني من السائلين وكان هذا الشاب قد اعتاد ان يسير ممزق الثوب حافي القدمين ممسكا عصا يتوكأ عليها محني الظهر كأنه رجل شيخ .

وقد ذهب يوما ً إلي دار وقرع بابها فخرجت له منها فتاة فقال لها . هل تكرمين يا سيدتي جائعا ً عاريا ً فتعطيني ما تجودي به لأنني لم أذق الطعام منذ يومين فتأثرت الفتاة بكلامه واسرعت فجاءته بخبز وجبن وناولته إياها والعبرات تكاد تخنقها .

فشكرها وانصرف إلي دار ثانية ودقّ بابها فأطلتّ منها فتاة فقال لها بصوت خاشع حزين . إنني يا إبنتي رجل فقير بائس أعياني الجوع وليس عندي ما آكله أو أكتسي به فأعطيني من رزق الله طعاما ً ولباسا ً. فنظرت إليه الفتاة نظرة كسيرة وقالت له بصوت حزين .

لست استطيه أن أمدّك بالطعام يا سيدي لأن أمي خارج الدار ومعها مفتاح الخزانة ولكن عندي جلبابا ً جديدا ً فخذه والبسه فشكرها وانصرف يقصد دارا ً ثالثة .

فقرع بابها وتوسل إلي الفتاة التي فتحت له بنفس اللهجة التي إستدرّ بها عطف الفتاتين السابقتين . ولكنها علي العكس منهما تفرست فيه فوجدته رجلا ً عريض الكتفين قوي البنية ممتلئ الجسم موفور العافية فقالت له في حزم .

لا يمكنني يا سيدي ان اساعد المتعطلين وإنيّ لأراك رجلا ً قويا ً تستطيع ان تكسب العيش من عملك وكدّك فاذهب ولا تكن عالة علي المجتمع وأغلقت الباب في وجهه بشدّة فانصرف يُقسم ألاّ يحترف مسألة الناس بعد ذلك اليوم