خُيل إلىّ أننى أرى قارباً قد إستوى على المحيط ..!!
مُحيط لا ماء فيه وإنما بعض الأحاسيس التى تختلج النفس فى بعض لحظات الليل الحزين فى ضوء الفجر ..
وحين بحثتُ فى ذاكرتى ونفضت عنها أتربة السنون الماضية .. لم أكن أتوقع أن أجد شيئاً مُختلفاً ..
وإذا لم يكن ظنى قد خاب كثيراً ..!
فإن عقلى قد أصابته الحيرة .. !
فعلى أى شيئ تتغذى تلك الذكريات لتبقى حية لحين إستدعائها .؟
لم أقاوم رغبتى فتتبعت إحدى تلك الذكريات مُنذ أن بدأت فصولها تُحاك على أرض الواقع إلى أن إعتلتها الأتربة الكونية الأقل صمتاً .
وتخيلت تلك الذكرى وهى تحتال لتنال الحياة .. بأن تَصمد فى هذا العقل الذى بدأ الشيب يصبُ فى أوصاله ..
وتأملتُ بمرح عجيب كيف أحكم القدر قبضته على تلك الأحجية التى تمتلئ بها حياتنا ..
إنى لأحبُ تلك العلائم للحياة .. وقد تُنسينى تلك المُتعة فى تصفحى لتلك الأوراق العتيقة الطعام والشراب وحتى الوقت ذاته ..
قد تقتله وتقتل معه الإحساس بالكائنات المُحيطة ..
وجهت شراع الماضى ناحية تلك الصخرة السوداء الملقاة على جانبى الطريق والتى ما أن لمحتها حتى ظننتها تلك الأنثى التى هِمت بها حباً يوماً .
ولكنها لم تكن سوى صخرة سوداء إرتسمت ملامحها عليها .. وخيل إلىّ أن الحياة قد سَرت إلى كل شيئ فيها .
أردت إيقاظ تلك الأنثى من سُباتها لأقول لها ..:
سيدتى مازلتُ أنا أنتِ ..!
فهل مازلتى أنتِ أنا !؟
لقد أدهشنى عدم ردها سؤالى ..
فإنحنيت على الأرض وأردتُ رفع يدها .. فإذا بها عامود من الرُخام .!!
فإعتدلتُ ودققتُ النظر فيما حولى فرأيت قطعاً أخرى من رُخام أسود ..
إنها غابات من عصورى .. غابات ذكرياتى .. الجامدة كالرخام .!
هذه القطع الضخمة المصقولة كأنها ألواح الصلب .. هذه العُمد المزججة السوداء .. ما هى إلا ذكرياتى الماضية .
وإستطعت أن أميز فيها عُقد الغصون وأن ألمح جدائل الحياة وأُحصى حلقات السوق المنصوبة هناك فى هذا الماضى الحافل بالأحداث الدرامية .
لقد كانت هذه الغابة مليئة بالطيور المُفعمة بالموسيقى فأصابتها لعنة ما فإذا بها حجارة خرساء ..!
وأحسستُ أن هذا المنظر الطبيعى عدو لى !؟
هذه الحجارة أشد سواداً من دروع الحروب السوداء
هذه اللُفاظات العظيمة ترفض أن تلقانى ثانيةً !
وماذا أصنع أنا الحى الفانى بين هذه الذكريات الحجرية الخالدة !
أنا الفانى الذى سيذوب جسده .. ماذا أصنع هنا وسط الخلود ؟
وخطوتُ بأقدامى فوق تل الذكريات هذا .. بهذا الدِوار الذى أعانيه والذى قلت بأنه يرجع لعطش الماضى أو للشمس !؟
الشمس تلمع فوق السوق المنبسطة كالزيت الجامدة .. إنها تلمع فوق هذه القشرة الكونية ..
ولم يبق هنا لا رمال الماضى ولا ثعالب الحاضر ولا ذئاب المستقبل ..
لم يبق إلا سندان ضخم أسير عليه وإنى لأحس دقات الشمس فى رأسى ..
ولكن ما هذا ؟
فقلتُ لنفسى لا شيئ هناك .. لا تُقلق نفسك .. إنه فقط الجنون !
وهكذا كُنت أخاطب نفسى وأنا وسط هذا الكثيب الجامد الصلب .. لأننى كنت فى محاولة لمشاورة عقلى .. وكان شاقاً على ألا أصدق ما تراه عيناى
وكان شاقاً على ألا أجرى نحو تلك القافلة السائرة هنا .. أتراها ؟
قلتُها لنفسى
أجابنى عقلى :
يالك من أحمق إنك لتعلم تمام العلم أن تلك القافلة ما هى إلا وهم ..
أيها الغبى .. لا حقيقة فى الدُنيا .
لا حقيقة فى الدُنيا اللهم إلا تلك المآذن التى تلمحها عيناك دوماً ولكنك تُغلق عينك عن عمد تجاهها .!
سِر صوب البحر أيها البائس لعلك تجد ما تبحث عنه .
ولكن ليس فى ناحية البحر شيئاً .. إذن فأين عساها تكون تلك التى أبحث عنها .!؟
إنحنيت على كل العلائم التى تَدل على وجود الإنسان فى مُحيط ذكرياتى ..
ولكنى لن أكذب أو أتجمل أو أداهن نفسى هرباً حين أعترف بأنى لم أكن أبحث عن إنسان ما ..
ولكنى كُنت أبحث عن إنسانة بعينها مَلكت علّى كيانى فى وقت ما .. بل فى أوقات ما !
إنى أتذكرها وكأنها كانت ملاذ لتائه فى الصحراء ما أن رأى شيئاً يلمع من بعيد حتى غمرته فرحة النجاة وأفقدته النُطق .
فيجرى نحوها وهو يقول لنفسه ..
آه إنه الرّى أخيراً سوف أجد عندها الإحتفاء كالإحتفاء بطفل مسكين وسيدفعون به إلى المطبخ وسيصيحون به إنتظر قليلاً يا بُنى .. سوف نسقيك ماء .
ماء .. نعم إنه الماء .. أعظم أمانى الظمآن أن يتجرع منه جرعة تهبه الحياة مرة أخرى
فقد كانت بالنسبة لى كالماء بالنسبة لهذا الطفل المسكين البائس الجائع الظمآن حين يبحث عن الماء و يكاد الظمأ يقتله .
شعرتُ بأنى أكاد ألمسها .. أكاد أضع أطراف أصابعى على شفتيها حين تحاول النطق .. حتى لا تعبث الكلمات وهى بين شفتيها بهذا الوجه الساحر الملائكى
و دائماً ما كانت تعلو وجهها إبتسامة خفيفة تُلهب الناظر إلى سحرها وكأنها تقول لكل خلايا السحر ..
تجمعن هنا وإنثرن أثركن علىّ وحدى دون أى كائن آخر .
تذكرت عينها حين كُنت أنظر فيها .. وكُنت دائماً إما أطلب العون منها لتفض عنى شباكها وحبائلها أو كنت أستسلم للغرق فيها حتى الذوبان .
تذكرت جدائل الليل الحالك المتساقط مع جدائل شعرها الأسود الطويل .
وفجأة صحوت على صوت هز كيانى كله قائلاً :
لم تكن آمالك سوى مجموعة أكاذيب .. ولذلك إتجهتُ نحو بوابة النسيان وحاولت الولوج منها ..
آه عندما أعبر القمة سينبسط الأفق أمامى وها هى ذى أجمل نساء الدُنيا .
أحاول جاهداً نسيانها .. فهل سأفلح !؟
ولكن عاجلنى الصوت من جديد :
أنت تعلم تماماً أنها سراب !!
نعم أيها الصوت السمج أعلم تماماً أنها سراب .. ولا يستطيع أحد خديعتى .!
ولكن ما قولك إذا كان يحلو لى أن أتجه نحو ذلك السراب !؟
إذا كان يحلو لى أن أتفاءل وأن أحب تلك المرأة ذات الجمال البارز والسراب القاتل وقد زينتها الشمس أجمل زينة !
ما قولك إذا كان يحلو لى أن أسير إليها بخطوات سُراع لأنى وأنا أقطع الطرقات شوقاً إليها لا أشعر بالتَعب .. لأنى سعيد طَرِب ..
فليدعنى عقلى وتحكماته وجموده ..
فليدعنى أضحك فرحاً !
إنى أفضل ذلك السُكر .. إنى أفضل أن أظل ثملاً .. لأنى أموت حُباً فيها .
وأفاقنى الغسق من سُكرى فتوقفت فجأة هلعاً لشعورى بذلك البُعد الذى حكم به القدر فى الماضى بينى وبينها .
وفى الغسق يموت السراب وينضو الأفق ثوبه المُرصع بالأنس والملابس الكهنوتية .. إنه الآن أفق صحراء الذكريات .
لقد تَقدمتُ كثيراً تجاه نهاية تلك القصة .. وسيطونى الحاضر عما قليل ..
ولكن قبل أن أفيق من سكرتى تلك لمحتُ على البعد فى مكان قَصىّ ظل لحسناء لم أتبين معالمها فسرتُ إليها ..!
وأصبحتُ مشغولاً بفرحى إذ خُيل إلى أننى عثرتُ عليها ثانية فى بِقعة أخرى من بقاع الأرض ..
آه لو أننى إستطعت اللحاق بها هذه المرة أيضاً .. إذن لكنتُ حُراً طليقاً فى أحلامها الليلية وأحلام اليقظة وأحلام الأمنيات الرائعة لصبايا الليل الحالم
تقدمتُ إليها وفتحت ذراعَى وكنتُ وشيك السقوط شوقاً وإنتظرت حتى أصل إليها وأرتمى بين ضلوعها وأذوب .. بالإسترخاء بينها
قلت :
وأخيراً قد طابت الأحوال !
فعاد الصوت الكئيب مرة أخرى :
أى شيئ تقصد ؟
قلت هذه إنها هى !
قال :
أين ؟
فنظرتُ بعجب إلى المدى القريب الذى كنت أخاله ظل لها فقطع تركيزى ذلك الصوت مرة أخرى ؟
لا أحد هنا .. ولا هى هنا !!!
ففتحت أقداح عيناى بشدة وحقاً لم يعد لها وجود ..
سأبكى إذن هذه المرة من غير شك ؟
فلم يعد لها أى أثر .. سوى هنا فى صحراء الذكريات .. إلا بالتمنى .




إليها فى أذنها همساً ..
حبيبتى الغالية البعيدة رغم قربكِ ..
مازال قلبى يفيض حباً وهياماً .
ومازال لسانى يقول أسعدكِ الله حيثُ كنتِ و مع من إخترتى
حبيبتى ..
أحبكِ .. أحبكِ رغم غدركِ .