...........................
.......................
..................
..............
..........
......
....
..
.


تحية الى الجميع
قبل فترة من الزمن كانت هناك مسابقة بعنوان ( وجبة ومعلومة وقصة ) في قسم القصص القصيرة
وبصراحة كان موضوع المسابقة رائع بل جداً رائع
موضوع يستحق الاشادة لكونه ينمي مقدرة الكاتب على الخلق والابداء .
ولكون هناك ظرف خاص يحول دون مشاركتي بالمسابقة , ولكن ذلك لم يثنيني عن التفكير بفكرة قصة تتحدث عن نفس موضوع المسابقة .
فكانت هذه القصة ( وجبة ... من لحم الفخذ )
وكان لزام أن اشارككم افكاري .. أتمنى أن تروق لكم فكرتي وما بها من وجبة دسمة ومحببة ومعلومة نادر ما نلتفت أليها في داخل أطار فصة ارجوا ان تروقكم أحداثها ...
.................................................. .................................................. .......... ( كنج مون )




( وجبة .. من لحم الفخذ )





أخترقت سيارة الاسعاف طرقات المدينة بسرعة وعجالة , وصوت صفيرها المتعالي يسبقها منذراً بخطورة الموقف , والحاجة الماسة لبلوغ المشفى لأسعاف المريض بداخلها .
كان المريض رجل كبير قد سجي فوق نقالة الأسعاف ..
وقد ظهرت عليه علامات الأعياء والوهن , مما توجب إجراء الأسعافات الأولية له , وهو لم يزل داخل عربية الأسعاف ..
فقد دس نيدل المغذي في أحد عروق يده , لنقل السائل الذي يمده بأكسير الحياة لحظات الأسعاف .
كما أحكم وضع خرطوم الغاز فوق أنفه وفمه ليجهزه بما يحتاج من غاز منعش لحين ولوج المشفى ..
وعند رأس المريض جلس أبنه البكر وقد ظهرت عليه علامات الخوف والأرتباك وهو يمسك بيد والده المتهالك على تلك النقالة ...
أخذت سيارة الاسعاف تتسارع في سيرها وسط المدينة , بينما راحت رموش المريض تتحرك بتكاسل وهو يحاول فتح عينيه بجهد واضح ..!!
وأخيراً ..
تمكن المريض من أن يسترق النظرالى السماء من خلال نافذة سيارة الاسعاف وهي حثيثة بسيرها , وأخذ يمد بصره ليتطلع الى الغيوم الفتية , المتناثرة في سماء الدنيا الزرقاء وهي تبشر بما تحمله من أمطار وخير قادمين , كما كان ذلك في مدى سنين عمره المديد ..
فأخذ يتذكر كيف كان يتقافز مع أقرانه الصغار وهم فرحين يهللون بأستقبال بوادر الشتاء والمتمثلة بتلك النتف البيضاء من الغيوم .
وأخذته الذكريات ليستذكر الفرح العارم الذي كان يلفهم مع أولى قطرات المطر التي تولد حديثاً مع مولد كل شتاء قادم ..
وتذكرفيما بين كل هذا .. كيف كان يعيش بحاجة وحرمان ..
لم يزل يذكرألم الحرمان لعدم قدرته على أقتناء كل ما يتلمسه متوفر عند جموع أترابه .. من أكل لذيذ وملبس جديد ..
وكم أتعبه التطلع الى يوم قادم يكون قد كبر فيه وكبرت معه أمكانياته ومقدرته على تأمين كل ما كان يؤمن لزملائه من دونه , ليشعر بلذة التغلب على ما عاناه من حرمان في أيام القحط في حياته ..
وكما هو فلم السينما ..
لاح له فلم حياته .. وهو يكبر ويكبر معه إصراره على أن يكون شيء في هذه الدنيا .. وأن يحضى بالمقدرة على تأمين العيش الرغيد..
ولم يزل ينظر الى السماء وهو يرى نفسه وقد أنكب على العمل بكل جد وأجتهاد وهو يتحدى كل مصاعب الحياة متسلحاً بما أعتلاه من إصرار على أن يكون ..
ومن فوق نقالته ..
تذكر كيف وضع قدمه في أولى خطوات النجاح ..
ونجح ..
وكبر .. وكبرت معه ثروته ولم تفارقه مشاعر العوز والحرمان , وعلى الرغم من ولوجه في طرق النجاح .. لكنه لم يزل يردح تحت نير الشعور بالخوف من العوز والحاجة .. والتي نشأت معه من صغره .
حيث كان كلما تحصَل على مبلغ من المال , كان يصر على أن يتريث في تحقيق رغبته مما كان قد حرم منه من مأكل وملبس .. حيث كان يكتفي بالبسيط مما يتوفرلديه من أكل ولبس , محاولاً تأجيل تطلعاته الى حين ..!!
فقد كان يدرك أن ما يصرفه من مال على رغباته اليوم .. يمكن أن تجلب له بقدرها أرباح غداً, لو أنه أحتفظ بها دون أن ينفقها .. على أن يتمتع بكل الاْطايب لاحقاً بعد ان تكبر حصيلته من الأموال .
ومن فوق نقالة الاسعاف ..
أخذته الذكريات .
يوم كان شاب .. عندما عضه الجوع وجلده الأشتهاء وهو يقف عند باب مطعم يقدم وجبات من لحم فخذ الخروف المشوي .. ولم يزل يتذكر كيف كان يلاحظ قطع الحم وهي تقطع بشكل شرائح ثم تجزء الى مكعبات متوسطة الحجم بسكين صاحب المطعم الماضية , ولم تزل صورة قطع اللحم شاخصة أمام ناظريه وقد اخذ صاحب المطعم بغرس ( سيخ ) حديدي فيها وتصبح بواقع خمس مكعبات من اللحم في كل سيخ والتي تسمى عادة ( شيش تكة اللحم ) , ويتلذذ وهو يتذكر يد صاحب المطعم اليسرى وهي ممسكة بحفنة من أسياخ تكة اللحم بينما باشرت يده اليمنى بنثر الملح عليها لزيادة نكهتها أثناء الشواء وهو يصفها بشكل رهط من الاسياخ فوق نار الفخم التي تتلظى اسفلها وهي تولد خيوطاً من الدخان المحبب الناتج من أحتراق قطراة الزيت المتساقطة على النار , مشفوعة برائحة الشواء التي لاتقاوم .
وتذكر كيف أخترقت رائحة الشواء دماغه عن طريق أنفه وهو يشمها بكل تلذذ وأشتهاء ..
ولم يعد ينسى ..
كيف تغلب على ضعفه أمام رائحة اللحم المشوي , وهو يتسلح بالصبر في ذلك الوقت
وقد أقنع نفسه بأن حجب الملذات سيعود عليه بأرباح يمكن أن تتلاشى لو أنه أتبع أهواء نفسه الأمارة .
وتذكر كيف كثر تكرار لحظات الحرمان وتزايدت بأطراد مع زيادة أرباحة المتأتية من تكديس كل ما يربح كأضافات الى رأس المال ..
وتذكر أستمرار الحرمان الارادي في سنين عمره الشبابية مع أزدياد أمواله وتوسع ثروته ..
وأفاق من ذكرياته للحظات , على أثر أهتزازة قويه نتيجة لأنعطاف سيارة الاسعاف حول منعطف الطريق ..
ثم عاد الى ذكرياته ..
وتجسدت لديه صورته وهو يلجأ الى الصيدلية القريبة من سكنه عندما تلم به حالة مرض طاريء .
حيث كان يكتفي بأستشارة الصيدلي عن ما يستلزمه من علاج لحالته المرضية والتي كان يصفها له بأسهاب .. من دون أن يتجرأ على أن يزور الطبيب ويستشيره , لكون أستشارة الطبيب تستلزم حفنة من المال .. لم ولن يقتنع يوماً في أن يهبها له .. مكتفياً بحساب ما ستدر له تلك الأموال من أرباح عندما يحتفظ بها مع ما لديه من نقود .. فقد كان تركيزه منصب في حفظ أمواله ونموها من دون أن يلتفت الى متطلبات صحته التي بدأت تتدهور شيئاً فشيئاً , لألتزامه بمواجهة تلك الأمراض بالمسكنات التي يصفها الصيدلي من دون أي علاج ناجع ..
وأنتهى به الحال عليل بعديد من الامراض المزمنة .. كالسكر , والضغط , والقلب , و, و ...
كل ذلك من جراء أصراره على الحرمان والجوع وشظف العيش والتقتير لكي تنمو ثروته وتتوسع .!
ومن دون أي إدراك ..
وجد نفسه أخيراً , رجل كهل ذو ثراء واسع وعديد من الأمراض ..!!
وبسبب كل تلك الأمراض أصبح لزاماً عليه أن يمتنع عن تناول الكثير من الطعام والذي كان يشتهيه ويتحرق لتذوقه أيام الحرمان الارادي .. بعد أن أصبح ذاك الطعام الآن .. في عداد الممنوعات حفاظاً على حياته ..!!!
وقد اكتفى مكرهاً بالمداومة على بعض أصناف الطعام القليلة والمسموحة لحاته المرضية على الرغم مما يملك من أموال ..!
ومن موضعه فوق نقالة الأسعاف ..
شعر بمفارقة الحياة المضحكة ...
كيف كان يهيم بلذة الطعام المتاح له وهو يصر على حرمان نفسه منها طواعية , تكالباً على تجميع الأموال مكتفياً بالقناعة على تحقيق كل رغباته لاحقاً وفي الايام القادمة , دون أن يصل الى تلك الايام
وبعد أن جمع ما جمع من ثروات طائلة وجد نفسه وقد أجبر على الأمتناع أن تناول كل تلك الطيبات طواعيةً .. مع ما لديه من أمكانية تحقيق كل ذلك ..
يالمفارقة الحياة ..!!
فشعر برعشة الندم تهز جسده الواهن , مع أنها قد أعترته متأخرة بعد فوات الآوان ..
فقد ندم عن تأجيل كل رغباته في وقتها المسموح مخططاً لوقت تحقيقها والذي باتت الآن غير مسموح بها ..
وفجأة ..
أنحجب عنه منظر السماء , بعد أن دخلت سيارة الاسعاف مخترقة نفق تحت الارض ..
فألتفت المريض الى أبنه الذي يجلس عند رأسه ..
فأقترب الأبن برأسه من فم والده .. بعد أن رفع عنه كمام الغاز ..
وهمس الوالد قائلاً :
_ أرغب في وجبة طعام .. من لحم الفخذ المشوي
عندها .. رفع الابن رأسه ليكلم الطبيب الذي يجلس معهم في سيارة الاسعاف . لأمكانية تحقيق رغبة والده ...
بينما أستدار الوالد بوجهه الى الجهة البعيدة .. وسقط رأسه سقطته الأبدية ...



................. تمت ..................



.......................................... شكرا