كلما نظر المرء منا حوله وإستمع إلى أحاديث الناس وتعرف على أحوالهم وأفكارهم شعر بغُصة فى الحلق وألم فى النفس لما يرى من صُفرة الوجوه وشرود النظرات وذهول العقول نتيجة الإستغراق فى هموم العيش والعجز عن تَحمل تبعات الحياة ولأننا أحياناً لا نملك القدرة على مواساتهم أو تخفيف همومهم وأعباءهم فإنا نكتفى بنظرة الألم والشعور بالحزن العميق لما آلت له أحوالهم .
وإذا كان كثير من عقلاء الأمة وحكمائها يشعرون بما نشعر ويجدون فى أنفسهم ما نجد من الألم لحال الأمة والحسرة على شبابها فإن ذلك ينبغى أن يؤدى إلى الإجابة عن سؤال يشغل بال كل غَيور على هذه الأمة وهو :
كيف المخرج من هذه الحال ؟
وهذا السؤال عندما يُطرح فى أمة تقية سيجد إجابة واضحة صريحة فى قوله تعالى :
ولو أن أهل القرى آمنوا وإتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض وفى قوله سبحانه :
فقلت إستغفروا ربكم إنه كان غفارا يُرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا
ولكن اليوم عندما نطرح سؤال كهذا سنسمع إجابات بعدد الجالسين أمامنا وربما لا نجد من بينها ما كنا نتوقعه من جواب شافٍ يُسعد القلب ويشفى النفس ويُريح الضمير لأنها كلها فى الغالب قلوب خاوية من الذكر .. خالية من الأنس .. مشغولة بالدنيا ممزوجة بالشهوات والشبهات فإذا جاءت الإجابة صدى لهذا المزيج الشائه من الأفكار والأخلاق فلا نعجب ولا نندهش فقديماً قالوا :
الشيئ من معدنه لا يُستغرب .
وكما يقول الحكماء :
إنك لا تجنى من الشوك العنب .
والأصدق من كل هذا قول الحق سبحانه :
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خَبث لا يخرج إلا نكدا
وهكذا يستقر فى الوجدان أن الإصلاح والتغيير أمر ضرورى لكن ضرورته لا تبرر أخطاء المُصلحين عندما يقعون فريسة الرغبة المتعجلة فى إحداث التغيير فيسلكون إلى الإصلاح طرقاً يحسبونها الأقرب والأسرع فإذا هى الضرر الخطير والشر المستطير لأنهم لم يسلكوا إلى التغيير طرقه المشروعة ولا ضوابطه الموضوعة ولهؤلاء المخلصين نذكرهم قول الشاعر الحكيم :
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجرى على اليبس .
ولأننا مُخيرين أن نبدأ فى التغيير ونتوقف كان لابد لنا أن نبحث عن المداخل الحقيقية للتغيير ومهما إلتمسنا هذه المداخل بعيداً عن خالق النفوس وبارئها فإننا لن نهتدى إلى هذه المداخل حتى نعود إلى الذى خلق فسوى وقدر فهدى فنسأله الهداية إلى البداية التى وضعها بين أيدينا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً حيث يقول رب العزة جل شأنه :
الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له مُعقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من والٍ
صدق الله العظيم
إنه اليقين أولاً بعلم الله لكل شيئ وإحاطته بكل شيئ وإطلاعه على الخفايا والنوايا وما تكنه النوايا وما إستخفى بالليل وإستتر بالغيب وإستكن فى الضمائر وتحدثت به النفوس وهذا البيان الربانى ضرورى لكل من عقد نية على إحداث تغيير سواء كان واقعاً فى دائرة القائم بالتغيير أو فى دائرة القابل للتغيير وعندما يستقر فى نفسه أن الله سبحانه وتعالى مُحاسبه على عمله ومُجازيه عليه يحمله هذا على إحسان العمل إحساناً يليق بكمال الناظر إليه والمُطلع عليه فإذا بلغ بالعمل درجة إرضاء الله فقد حقق ضمناً إرضاء كل مخلوق يؤمن بالله .
ولك أن تتصور قلباً يتقى الله ويتوكل عليه ويرجو رحمته ويخشى عذابه ينطلق فى أرض الله مُذكراً بدينه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر غير متلبس به لا يجد لذته إلا فى التعب لله ولا يعرف راحته إلا فى عزة دينه وإقامة حدوده وروفع معالمه وتنفيذ أحكامه .. كيف يكون حاله ؟
وكيف تكون حياته ؟
إن نجاحنا فى إيجاد هذا النموذج الفذ هو البداية الحقيقية لصناعة جيل المستقبل وإحداث التغيير الذى ننشده والخير الذى نرجوه .
لكن المُدهش حقاً هو ما نراه من إنصراف أجهزة التربية والتعليم والثقافة والإعلام فى غالب بلاد المسلمين عن هذه الحقيقة وإنصرافهم عنها برغم وضوحها ونصاعتها وقد نلتمس العذر للكثيرين منهم عندما نسمع إليهم يتحفظون فى كلامهم ويدورون حول الحقيقة ثم ينصرفون عنها دون أن يجدوا القوة النفسية التى تدفعهم إلى ثقافة التغيير لأننا أدركنا يقيناً أن نفوسهم لم تتغير وأن مشاعرهم لم تلتهب وأن ضائرهم لم تتألم وإن وجدناهم لم نتألم لمصير الجيل القادم الذى يرونه يتقدم إلى المستقبل دون غطاء فكرى ودون حصانة عقدية ودون إمتلاك لأسلحة التحدى الحضارى الذى لا يرحم الضعفاء والجاهلين والكسالى والمترددين .
إن أعظم إستثمار تمارسه أمة على وجه الأرض هو الإستثمار فى الإنسان وأعنى بذلك بذل الجُهد ورصد الأموال لتأديبه وتهذيبه وتعليمه حتى يُحسن التعامل مع الواقع
من حوله وأول ما يجب أن يُحسنه هو أن يعرف الغاية التى لها خُلق والمهمة التى من أجلها وُجد وأن يملك من الثقافة والعلم ما يجعله قادراً على توظيف مُعطيات الكون من حوله فى حالة من الإنسجام النفسى والتوافق الروحى .
إن العاقل الحكيم لا يمكن أن يرضى لنفسه أن يفقد وعيه ويتحول إلى دُمية يلهو بها الأطفال عندما ينفق ماله ليجلب به ما يفقد به عقله وكرامته قيسوا على ذلك بقية الجرائم التى لا تنتشر ولا تزدهر إلا حيث وُجدت البيئة الجاهلة التى لا تعرف معروفاً ولا تُنكر منكراً فالفساد لا يظهر فى الناس إلا بما كسبت أيديهم .
إن ما تَمر به مصر الآن هى مجموعة من الأزمات المعُقدة المعوقة لكننا نستطيع القول بأنها جميعاً تتفرع من أزمة واحدة هى أزمة الوازع الدينى والأخلاقى هذا الوازع إن وُجد وجدتم معه الإستقامة التى عدها النبى الكريم المخرج الأوحد من جميع الأزمات والحل الأمثل لجميع ما يواجه من مُعضلات ..
لعلنا نذكر جميعاً حينما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له :
يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك .
فقال له عليه الصلاة والسلام :
قل آمنت بالله ثم إستقم .
الإيمان والإستقامة على هذا الإيمان ..
عقيدة تملأ القلب ..
وشريعة تَحكم العلاقات .. وتضبط السلوك
ومنهجاً يصبغ الحياة كلها بصبغة الإيمان .. جدير بإصلاح جميع مجالات الحياة لأننا نؤمن أن الإنسان هو صانع الحياة فإن كان صالحاً رأينا أثر ذلك فى مجتمعه سياسة راشدة وإقتصاداً طاهراً وإعلاماً هادفاً وتعليماً ربانياً وحياة مُباركة طيبة .
إن الطريق إلى صناعة جيل التمكين والنصر واضحة بينة لا تحتاج إلا إلى وقفة مع النفس نُجدد فيها النيات ونُحدد التوجهات ونرتب أولوياتنا طبقاً لمراد الله منها وأن نستعد للإجابة يوم نسمع داء الله يوجه إلى ملائكته :
وقفوهم إنهم مسئولون .
وأن نجد لأنفسنا مخرجاً من ظلم النفس يوم رضينا بالهوان وألفنا الذل وإستكنا لكل مُجرم كى يُفسد فى الأرض كما يشاء دون أن نستشعر إثماُ أو نجد حرجاً ونستعد للقاء الله .
أيها السادة العقلاء ..
إننى لا أجد مخرجاً لإنسان يرضى أن يعيش فى دُنياه بغير رسالة أو أن يرضى بالظلم لنفسه أو للآخرين إلا أن نُشدد النكير على من يرون أنفسهم مستضعفين فى الأرض فلن يلتفت الله إليهم يوم القيامة ولن يلتفت إلى الكلام عمن إستطالوا عليهم وألجأوهم إلى الإستضعاف ..
الظالم لا يمكن أن يستبد فى أمة عزيزة أبداً وأن الطاغية لا يمكن أن يطغى فى أمة كريمة أبداً وأن الأمم الخانعة الذليلة هى التى تصنع الظالمين والطغاة عندما تُفسح لأهوائهم المجال وتُرخى لهم الحبال وترفعهم إلى منزلة من لا يُسأل عما يفعل وقديماً قالوا :
والنفس راغبة إذا رغبتها
وإن تُرد إلى قليل تقنع
إن البداية الحقيقية لا يمكن أن تأتى إلا إذا توافرت الإرادة الحقيقية لهذا الصلاح وهو ما نفهمه من قوله تعالى :
إن أريد إلا الإصلاح ما إستطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب .






المفضلات