أكتوبر يبحث عن رواية
كتب ـ محمد عبدالعزيز شنب:اعتقد أن نصر أكتوبر المجيد والذي مر عليه ستة وثلاثون عاما لم ينل ما يستحقه من إبداع يوازي ما قدمه الجنود البواسل, وما قدمه الشهداء من تضحيات بدمهم الذي روي رمال سيناء, صحيح أن هناك بعض الأعمال التي كتبت علي عجل سواء في الشعر أو الرواية أو المسرحية أو القصة القصيرة, لكن انطفأ الاحساس أو كاد ومع كل ذكري لنصر أكتوبر يتكرر نفس الكلام عن أن الوقت لم يحن بعد لكتابة أعمال إبداعية كبيرة, وان المسألة في حاجة إلي نضج أكثر وإلي استشراف رؤي فنية جديدة وانصهار الواقع بالخيال أو الخيال بالواقع وإلي كلام كبير مرت معه السنون الطوال وفي الحقيقة فإن المسألة قد طالت عن حدها, ونصر بحجم نصر أكتوبر
وبكل هذه العبقرية في حاجة إلي ألف رواية علي الأقل. والناظر إلي الحروب العالمية التي جرت في المائة عام الأخيرة يجد أنها قد حظيت بروايات كبري في الكم والكيف وجري تحويل بعضها إلي أفلام سينمائية. وعندما حلت ذكري نصر أكتوبر بحثت عن زاوية جديدة للكتابة فأخذني الخيال إلي هذا الشاب المصري الذي ولد يوم السادس من أكتوبر وفي نشوة النصر سماه أهله أكتوبر ولديه نهم للقراءة ويبحث عن رواية عن حرب أكتوبر يقرؤها في شهر أكتوبر ومن أجل هذا الهدف فقد استقل من سيناء أول حافلة متجهة إلي القاهرة وما ان وصلها حتي أخذ يدور علي معظم المكتبات بحثا عن رواية اكتوبرية,
ومع مرور الوقت شعر بشيء من الألم إذ لم يعثر علي رواية أكتوبرية جديدة. وفي طريقه وجد دارا للنشر فحدث نفسه أن يدخلها فربما يساعدونه في البحث عن رواية اكتوبرية, وما كاد يصعد السلم حتي شاهد شابا يخرج من دار النشر متأبطا كتلة من الأوراق ويبدو نحيفا كأنه لم يأكل لحما قط منذ ولدته أمه, وعلي وجهه طيوف من الحزن, سأله أكتوبر إن كان في دار النشر هذه رواية حديثة عن حرب أكتوبر, فأجابه بانه لا يعرف, وما كاد يصل إلي نهاية السلم حتي التفت إلي أكتوبر وسأله هل تريد رواية عن حرب أكتوبر فالتفت اكتوبر قائلا( نعم) فصعد الشاب الذي لم يتناول لحما قط منذ ولدته أمه إلي أكتوبر في أعلي السلم ومد إليه كتلة الأوراق التي معه,
مشيرا إلي أنها رواية عن حرب أكتوبر, دار بها علي دور النشر منذ نيف وعشرين عاما, لكنه لم يحالفه الحظ في نشرها, لقد كان يحلم أن تنشر وان تقام له حفلات توقيع مثلما يحدث مع بعض أدباء هذه الأيام وزاد الشاب الذي لم يتناول لحما قط منذ أن ولدته أمه انه كان يحلم ايضا ان يتم تحويل روايته إلي مسلسل وفيلم سينمائي يخرجانه من منطقة الفقر المدقع إلي منطقة الثراء الفاحش, بل تزيد آماله إلي ترجمتها إلي عدة لغات عالمية وان يحصل علي جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية, وعلي جائزة بوكر العربية, بل إن هذا الشاب الذي لم يأكل لحما قط منذ ولدته أمه غالي في طموحاته فأعرب عن أمله أن تكون هذه الرواية الاكتوبرية طريقا له إلي جائزة نوبل,
وفي نبرة حزن ويأس قال إن هذه أحلام لا يستطيع فقير مدقع مثله أن يصل إلي بعضها, وعندما سأله أكتوبر ماذا سيفعل قال بصوت واهن انه ادخر بعض المال من قوته اليومي لنشر الرواية علي حسابه, وهنا ابتسم أكتوبر وقال له استمتع بمالك القليل الذي ادخرته, واخرج أكتوبر من جيبه مبلغا ماليا قدمه إلي الشاب وقال له اطبع هذه الرواية علي حسابي, لكن لا تنس أن ترسل أول نسخة إلي بيتي في سيناء وأعطاه العنوان حاول الشاب الذي لم يأكل لحما قط منذ ولدته أمه ألا يأخذ المال من أكتوبر إلا أن أكتوبر صمم وبعد إلحاح منه أخذ المبلغ ودسه في جيبه ونزلا معا السلم وراح كل منهما في طريق يلوح أحدهما للآخر, وذابا في الزحام.
جريدة الاهرام







رد مع اقتباس






المفضلات