تاريخ العالم
العالم، تاريخ. تاريخ العالم محاولة لتتبع التطور البشري. رغم أن البشر عاشوا على هذه اليابسة منذ حوالي مليوني سنة تقريبًا كما يقول بعض العلماء، إلا أن تاريخ العالم لم يبدأ إلا منذ حوالي 5500 (خمسة آلاف وخمسمائة عام) مع اختراع الكتابة. والكتابة منذ بدايتها نحو عام 3500 ق.م هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما كتبه البشر عن أنفسهم وحياتهم وحضاراتهم. لذلك يُسمِّي علماء الآثار الفترة السابقة على الكتابة عصور ما قبل التاريخ.
أدت معرفة الإنسان بالزراعة نحو عام 9000 ق.م، ثم معرفته الكتابة فيما بعد، إلى بزوغ الحضارات الأولى، التي ظهرت وتطورت بعضها بمعزل عن بعض، وكانت كل واحدة منها تعتمد على مواردها الطبيعية وابتكارات أهلها، ولكنها اتصلت بعضها ببعض فيما بعد، وتبادلت الأفكار والمهارات.
ثم جاءت فترة من تاريخ العالم قامت فيها إمبراطوريات عظيمة سادت ثم بادت. ومن الحضارات التي كان لها أثر مستمر إلى يومنا هذا، الحضارتان: الكلاسيكية اليونانية ـ الرومانية في أوروبا الغربية وأمريكا وأستراليا، والحضارة الإسلامية في الشرق حيث ظهرت ديانات مختلفة، وبرز فلاسفة عديدون.
أما التاريخ الحديث، المؤرَّخ له بنحو 500 سنة مضت فقد اتسم بظهور الحضارة الغربية وتأثيرها البالغ على العالم بما تيسر لها من إمكانات مادية وتقدم تقني (تكنولوجي). فاستطاعت أن تترك آثارها من آراء سياسية ودينية واقتصادية واجتماعية في البلاد الكثيرة التي تعرضت لهيمنتها. ولعل أهم ما يميز عالمنا المعاصر هو أنه على الرغم من حواجز عدّة ظلّت تفرّق بين سكانه ـ مثل الحواجز الثقافية، وحواجز الزمن والمسافة ـ فإن سبل المواصلات والاتصالات الحديثة قرّبت بينهم وجعلتهم يؤثِّرون ويتأثرون بما يجري حولهم في العالم، كما جعلت ثقافات العالم المختلفة تبدو كأنها تتمازج وتنصهر في ثقافة عالمية مشتركة، ومن ثم فإن الكثيرين يرون أن تاريخ العالم ماهو إلا قصة الطريقة التي جعلت تلك الحضارات تتقارب، وتدنو بعضها من بعض.
وقد أدى اكتشاف الزراعة وتطور أساليبها، واستئناس الحيوان إلى استقرار إنسان ما قبل التاريخ في قرى، سرعان ما تطور بعضها فصار مدنًا شهدت حركة حضارية. وكانت ممارسة الزراعة قد أحدثت تغييرات تقنية واجتماعية في حياة الناس، حيث استعملوا أدوات متطورة وعرفوا العمل الجماعي، وكان لابد من ظهور أنظمة حكم تدير وتوجه مثل هذا النشاط الجماعي
المراكز الحضارية القديمة
قيام الحضارات الأولى
بحلول عام 3500 ق.م، بدأ التحضر أولاً في جنوب غربي آسيا، ثم في مناطق أخرى من إفريقيا وجنوب وشرق آسيا، وقد قامت كل تلك الحضارات على ضفاف الأنهار وفي أوديتها وحيثما توفر الماء والأرض الخصبة ومن ثمَّ سهولة زراعة أراضيها. ومن هذه الوديان: 1- وادي الرافدين، 2- وادي النيل، 3- بلاد الشام. 4- كوش، 5- وادي السند، 6- وادي نهر هوانج هي. 7- الجزيرة العربية، 8- أكسوم.
أما باقي أنحاء العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا فقد كانت تعيش حياتها القديمة.
من 3500 ق.م. الى 1200 ق.م
وادي الرافدين (دجلة والفرات). يعد وادي الرافدين واحدًا من أخصب بقاع العالم لوفرة الماء والطمي الذي تأتي به مياه نهرية من منابعها في المناطق الجبلية. لذا قامت فيه واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية. فقد مورست الزراعة التي أدَّت إلى الاستقرار في القرى في جنوبي الوادي في منطقة عرفت باسم سومر، حيث مارس أهلها الزراعة والصيد، وبرعوا في بناء السدود، وقنوات المياه لري أراضيهم الزراعية وحمايتها، وكان إنجازهم الأكبر في تاريخ العالم هو اختراعهم لنوع من الكتابة في حوالي عام 3500 ق.م. بدأت كتابتهم تصويرية ثم تطورت إلى شكل غير تصويري يعرف بالمسماري (الأسفيني) لأن مكونات الرموز تشبه المسامير (الأسافين)، والأخيرة ترجمة للاسم الذي أعطاها إياه الكلاسيكيون وهو كيونيفورم (الكتابة المسمارية). ومعظم ما كتبه السومريون ومن جاء بعدهم في وادي الرافدين كان على ألواح (رُقم) طينية تطبع عليها الرموز طبعًا. وقد أشارت الألواح التي وجدت إلى مستوى عال من الثقافة.
وقد استعمل السومريون الطوب المحروق لبناء القصور الفخمة والمعابد الكبيرة، وكانت لهم دياناتهم الخاصة كما أنهم عرفوا نظام الحساب. وهو العد في وحدات ستينية (كل 60 تمثل وحدة). كانت البلاد في العهد السومري مدنًا، غير متحدة، وتتصارع فيما بينها. وكان من أشهر هذه المدن أور، ونّفر، وأريدو، وأمَّا، ولاغش. وكان وادي الرافدين عرضة لغزوات وهجرات متكررة من جيرانه شرقًا وغربًا وشمالاً، ساميين وغير ساميين. وكانت أهم الهجرات هي هجرات الساميين من بلاد الشام وهم الذين عُرفوا فيما بعد بالأكَّاديين منذ نحو 3000 ق.م. كما حدثت هجرة سامية في فترة لاحقة أثمرت ظهور آشور وبابل، التي كان من أشهر ملوكها حمورابي
وادي النيل. بدأت الحضارة فيه منذ عام 3100 قبل الميلاد، وكانت البلاد منقسمة إلى إقليمين، شمالي وهو الوجه البحري، وجنوبي وهو الوجه القبلي. وتم توحيدهما في نحو عام 3100 ق.م على يد ملك من الوجه القبلي اسمه نعرمر (مينا). وظلت مصر متحدة سياسيًا طوال تاريخها القديم، فيما عدا فترات ضعف كانت تتوحد مرة أخرى بعدها. وحكمتها أُسَر بلغت إحدى وثلاثين أسرة. وعرف المصريون الكتابة التصويرية الهيروغليفية، وتفرّع عنها نوع من الخط غير التصويري للحياة اليومية اسمه الهيراطيقي الذي أدى إلى الديموطيقي. وكان الخطان التصويري وغير التصويري يستخدمان معًا، كلٌّ لغرضه. وهم أول من اخترع ورق البَردي للكتابة عليه بقلم من البوص. وكانوا متدينين جدًا، فبنوا معابدهم من الحجارة، ومساكنهم من الطين أو الطوب المحروق وغير المحروق. وتميّزت دياناتهم بالإيمان بحياة بعد الموت، لذا كان حرصهم على الحياة الآخرة، ببناء القبور وتزويدها بأمتعة وأثاث لاعتقادهم أن الميت قد يحتاجه في حياته الآخرة، ولذا حنّطوا موتاهم أملاً في ألا تفنى أجسادهم في الحياة الآخرة. كما بنوا الأهرامات لتكون مدافن لهم، أو لتعلو مدافن ملوكهم وملكاتهم وسادتهم. وقد ظلّت الأهرامات معجزة هندسية ومن عجائب العالم السبع. وكانت حضارتهم راقية، فعرفوا الآداب والطب والهندسة والحساب والفن والصناعات الراقية الدقيقة. وامتد حكمهم إلى ماوراء وادي النيل، فقد حكموا في القرن الخامس عشر قبل الميلاد منطقة سوريا الكبرى، وأجزاء من السودان الشمالي، كما أدّت هذه الحضارة دورًا مهمًا في حركة التجارة العالمية وذلك بسبب موقعها الاستراتيجي من آسيا وإفريقيا.
في الفترة بين القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد بدأ التدهور يعتري حضارة المصريين القدماء، بسبب الغزوات التي تعرضت لها ممن عرفوا بشعوب البحر، وهم شعوب جاءت من وسط أوروبا وغزت العالم القديم برًا وبحرًا ومنه مصر التي تمكنت من صدها ثم تدهورت الأحوال ووقعت مصر تحت الحكم الأجنبي.
بلاد الشام وفلسطين. كانت بلاد الشام مجالاً لمساهمات حضارية متميزة خلال عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية. فقد سبقت فلسطين غيرها من العالم القديم في اكتشاف الزراعة، واستئناس الحيوان المصاحب لها، ونشوء المستوطنات السكانية المستقرة في أريحا وغيرها، منذ الألف التاسع قبل الميلاد. وتطورت تلك المستوطنات إلى قرى، تطور بعضها إلى مدن فيما بعد، وممالك صغيرة متمثلة في مدن ـ دول. وفي الألف الثالث قبل الميلاد سادت مملكة إيبلا في سوريا، مضيفة تجربة مهمة في نظم الحكم آنذاك، بملكية انتخابية، يحكم فيها الملك المنتخب لسبع سنوات، يمكن تجديدها لسبع أخرى، ويعاونه مجلس استشاري مكون من ملوك سابقين وآخرين يُنتخب منهم الملوك الجدد. لكن هذه الملكية الانتخابية سرعان ما تحولت إلى دائمة ووراثية. ويعود لفلسطين وبلاد الشام الفضل في الاستفادة من تجارب الكتابة في وادي الرافدين ووادي النيل والخروج بكتابتين أبجديتين مطلقتين أولاهما هي الكتابة الفينيقية التي جاءت منها الأبجديات القديمة والحالية، السامية (الآرامية، العبرية، الموابية، النبطية، العربية، المسند) وغير السامية (اليونانية واللاتينية والأبجديات الأفرنجية المنحدرة منهما). والثانية هي الكتابة الأوجريتية من رأس شمرا في سوريا المكتوبة برموز مسمارية. هذا عدا ما نزل في فلسطين من رسالات سماوية هي اليهودية والنصرانية. وتعد بلاد الشام وفلسطين بصفة عامة ملتقى للحضارات المهمة في العالم القديم.
كوش. إلى الجنوب من مصر، في كوش (السودان القديم)، قامت حضارات منذ عصور مبكرة
يؤرخ أول كيان سياسي حضري لكوش بنحو 2500ق.م.، تبلور فيما بعد، وبرزت له مساهمات في الحضارة الإنسانية. فقامت مراكز حضرية عدة في أودية أنهار كوش وسهولها، توفرت لها عوامل الزراعة والري والرعي، فاجتمعت هذه المراكز في وقت ما في ملكية ذات طابع مميز خاص بها، استمرت لقرون طويلة، وكانت من أوضح سمات حضارة كوش. وعرفت كوش نظامًا اجتماعيًا للأم فيه أهمية، كما عرفت نظامًا دينيًا تعبديًا وجنائزيًا، بمعبودات محلية وأخرى مصرية، فيه اعتقاد بحياة آخرة. وكان لابد لكوش من لغة مكتوبة لشؤونها السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية. استخدم الكوشيون في بداية تاريخهم اللغة المصرية بخطها المصري ونظامه المعقد إلى أن كتبوا لغتهم الكوشية المعروفة باللغة المروية في أول القرن الثاني قبل الميلاد، بخطين أبجديين برموز مصرية الأصل. وإن غلب على حضارة كوش الطابع المحلي فإنها لم تخل من تأثيرات مصرية كثيرة، واضحة وعريقة، وأخرى هيلينستية ورومانية جاءت من مصر. وإلى جانب مساهمتها الحضارية فإن كوش قامت بوساطة حضارية بين مصر وشرق إفريقيا من جهة وما وراء كوش في وسط إفريقيا وغربها من جهة أخرى، بفضل وسطيتها الجغرافية بين هذه الأماكن، التي انعكست في وسطية تجارية أيضًا من أواخر القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي.
ادي السند. معلوماتنا عن حضارة وادي السند على قلتها مستقاة من مخلفاتهم الآثارية، ذلك أن المؤرخين لم يستطيعوا حتى الآن إلا ترجمة القليل من الكتابات القديمة لأهل تلك الحضارة. والمعروف عنهم أن لهم نظامًا زراعيًا متينًا وفّر الطعام لعدد هائل من السكان، وعُرفوا ببناء السدود وشق قنوات الري. وشيدوا مبانيهم من الطوب، وبرعوا في صناعات الأواني والمجوهرات المزخرفة، والأواني المعدنية. وكانت لهم تجارة مع بعض بلدان أواسط آسيا، ومع جنوب الهند وبلاد فارس. بدأ الضعف يدب في هذه الحضارة لأسباب غير معروفة، واختفت حوالي عام 1700ق.م.
وادي هوانج هي. المعلومات عن حضارة أهل هذا الوادي الصيني مأخوذة من الكتابات التي خلّفوها على عظام الحيوانات، وأصداف السلاحف. وترجع أقدم هذه الكتابات إلى أسرة شانج، التي سادت في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وكانت بعض رموز كتاباتهم تشبه بعض الرموز الصينية الحالية في أشكالها. وتشير مخلفاتهم إلى أنهم بنوا المدن، واستعملوا القوارير البرونزية الجميلة، ونحتوا المرمر، والعقيق ونسجوا الحرير، وأنه كانت لهم آلهة عدة، وأنهم عبدوا أرواح أسلافهم. كان حكمهم ملكيًا تعاونه طبقة أرستقراطية وراثية، تساعده في تصريف الأمور الدينية والسياسية، كما كانت لهم جيوش مجهزة بالأسلحة المصنوعة من البرونز، واستعملوا العربات التي تجرها الخيول، وحكموا غيرهم في وادي هوانج هي واستمر حكمهم لمدة ستمائة عام.
( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى )
الجزيرة العربية. لم تتوقف الجزيرة العربية عن المساهمة في الحضارة الإنسانية. فقد أسهمت مساهمة ذات طابع محلي واضح لم تخل من تأثيرات من الحضارات القديمة المجاورة، لما كان بين الجزيرة العربية ومواطن تلك الحضارات من اتصال يسَّرته وسطية الجزيرة العربية في العالم القديم. وقد انعكس ذلك بوضوح في آثار دلمون (البحرين وفيلكا وشاطئ المملكة العربية السعودية المقابل للخليج) وماغان (عمان) وجنوب الجزيرة العربية وشمالها. أما الطابع المحلي فقد وضح في العمارة والجوانب السياسية والدينية والاقتصادية والكتابة. فقد عرفت الجزيرة العربية مدنًا بمخططات معمارية محلية مميزة، اجتمع بعضها في أنظمة ملكية تسندها مجالس شورية، كما عرفت ديانات وثنية تعددت فيها المعبودات التي بنيت لها المعابد الخاصة بها بطرز معمارية من البيئة المحلية، كما في الجنوب والوسط، أو بتأثير خارجي، كما في الشمال. كما شهدت ديانة توحيدية في شمالها وجنوبها، كانت آخر رسالاتها رسالة الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، التي أثمرت الحضارة الإسلامية التي تجاوزت الجزيرة العربية، ومثلت البيئات المختلفة التي انتشرت فيها. أما الاقتصاد فقد كان عماده الزراعة والتجارة. اعتمدت الزراعة على الأمطار بقنوات وسدود تتحكم في مياهها في بعض المناطق، كما كانت التجارة العالمية التي تمر بالجزيرة العربية، بحكم وسطيتها، مصدرًا مهمًا لاقتصادها، هذا عدا ما كانت تنتجه الجزيرة العربية نفسها وتصدّره. لذلك انتعشت الأحوال الاقتصادية بفضل تجارة الهند وشرق إفريقيا والشام وأوروبا المارة بها، برًا وبحرًا، جيئة وذهابًا، لما كانت تدرّه المكوس (الجمارك) المفروضة عليها. لذلك كان لابدّ للجزيرة العربية من عُملة وكتابة. فسُكّت العملة في الجنوب، برموز دينية وكتابة عربية بالمسند الجنوبي. وتبلور خط الكتابة في الجنوب، وعُرف بالمسند الجنوبي، غدت له فروع في الشمال والشرق من الجزيرة العربية.
التقدم الحضاري
من 1200ق.م الى 50 م
منذ حوالي عام1200ق.م. نشأت صلات بين مواطن الحضارات القديمة في الشرق وبين حضارات أوروبا في جزيرة كريت وجنوب بلاد الإغريق. ولما فتح الإسكندر الشرق في القرن الرابع قبل الميلاد توثق الاتصال بين الشرق والغرب، ونشأت في بلاد الشام ومصر بخاصة ما عرف بالحضارة الهيلينستية. ولما ورث الرومان اليونان في الشرق في أواخر القرن الأول قبل الميلاد زاد الاتصال، وتم التأثير والتأثر بين الشرق والغرب. وكانت الحضارة الأوروبية فيما بعد ثمرة للحضارة الإغريقية والرومانية والحضارة الإسلامية.
بتطور حضارات العالم القديم واتصالها صارت لها سمات مشتركة، فمثلاً عرفت الحديد، كيف تصنعه وتستعمله، ولعل التجارة كانت من أهم العوامل التي ساعدت على نقل المعرفة المشتركة بين هذه الحضارات، وكذلك الفتوحات وأخيرًا البحار بوصفها وسيلة مواصلات وتنقل مهمة.
الإمبراطوريات الكبرى. بدأت الإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأدنى القديم بالإمبراطورية الآشورية، في القرن الثامن قبل الميلاد وشملت وادي الرافدين وبلاد الشام وصارت ذات نفوذ في مصر. كان مقر إمبراطورية الآشوريين في مدينة نينوى (في العراق)، وعرفوا بالشدة والقسوة. لكن إمبراطوريتهم انهارت بسقوط نينوى عام 612ق.م على أيدي البابليين والفرس والميديين. وورثت بابل إمبراطورية آشور كاملة. وسرعان ما ورث هذه الإمبراطورية الفرس الأخمينيون في القرن السادس قبل الميلاد، وضموا إليها مصر عام 525ق.م. فأصبح العالم القديم كله في الشرق الأدنى إمبراطورية واحدة لأول مرة في التاريخ. وهي الإمبراطورية التي ضمها الإسكندر إلى ملكه بهزيمته الملك الفارسي داريوس الثالث في عام 331ق.م.
الإغريق. تعد أقدم حضارة في المنطقة المجاورة لبلاد الإغريق تلك الحضارة التي قامت في جزيرة كريت، وقد عرفت أيضًا بالحضارة المينوية، وكانت بدايتها نحو عام 3000ق.م وقد برع المينويون في نواح حضارية عدة، وبخاصة بناء القصور، والفنون، والتجارة مع الشرق (مصر وبلاد الشام)، كما كانت لهم كتابتهم الخاصة بهم، والتي كانت تصويرية أولاً، ثم تطورت إلى غير تصويرية، والتي لم تفك رموزها حتى الآن. ومن خطها غير التصويري جاءت الكتابة الخطية (ب) التي كتب بها المسينيون في بلاد الإغريق قبل القرن الثامن قبل الميلاد.
كانت أهم حضارة في بلاد الإغريق نفسها تلك التي قامت في الجنوب في مسِّيني، وتعرف بالحضارة المسينية، وقد استعارت الخط المينوي (الخط ب) لكتابة لغتها. وكانت الفترة بين القرن السادس عشر قبل الميلاد إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد أزهى فتراتهم الحضارية؛ إذ انهارت حضارتهم بعدها. أما في الشمال، ومنذ حوالي عام 1100ق.م.، بدأت شعوب متخلفة حضاريًا تفد على البلاد، عرَّفتهم المصادر اليونانية بالدوريين. وفي الفترة من عام 800 ـ 500ق.م تطورت الحضارة الإغريقية. وقد عاش الإغريق في مجموعات صغيرة عرفت كل منها باسم الدولة ـ المدينة، مثل أثينا وإسبرطة…وغيرها، والتي شهدت ظهور الحكومات الديمقراطية الأولى، ولم تكن بين هذه المدن روابط سياسية، بل ربطت بينها الثقافة واللغة، والألعاب الأوليمبية بعد حرب طويلة.
دخلت الحضارة الإغريقية عهدها الذهبي بعد عام 479ق.م عندما استطاع الإغريق هزيمة الفرس حيث ظهرت إبداعاتهم في شتى المجالات مثل العمارة، والآداب والفنون، والمسرح، والرياضيات، والطب وغير ذلك من العلوم الطبيعية. وصارت أثينا حاضرة العالم الثقافية، لكنها سرعان ما ضعفت بسبب النزاع ثم الحرب البلوبونيزية التي قامت بينها وبين المدن الأخرى. وترتب على تلك الحرب أن آلت السيطرة على تلك المدن إلى فيليب المقدوني، ثم ابنه الإسكندر الأكبر من بعده، الذي وسّع الإمبراطورية ونشر ثقافتها في الأجزاء التي حكمها، وخاصة بعد هزيمته داريوس الثالث ـ الملك الفارسي الأخميني ـ عام 331ق.م، وضمه الإمبراطورية الفارسية كلها إلى مُلكه بعد ذلك. وبهذا نشر الثقافة الإغريقية، وتم التمازج الحضاري الشرقي والغربي. وعند موته وزَّع قواده الكبار الثلاثة الإمبراطورية فيما بينهم، ولم يتخلوا عن الثقافة الإغريقية، بل حفظوها وتمسكوا بها. وقد عرفت هذه الفترة بالعصر الهيلينستي واستمرت حتى مجيء الرومان، وسيطرتهم على مصر ـ أهم مراكزها ـ عام 30ق.م.
الرومان. توسعت روما أولاً في إيطاليا، ثم امتد سلطانها إلى صقلية وأسبانيا، وإلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، ثم إلى مقدونيا، فبلاد الإغريق. وفي عام 55ق.م. غزا الإمبراطور يوليوس قيصر بريطانيا. وأخضعها لحكمه، وقد بلغت الإمبراطورية الرومانية أوجها عام 117م. حيث شملت حوالي نصف أوروبا، ومعظم الشرق الأوسط وكل شاطئ إفريقيا الشمالي.
حافظ الرومان على الثقافة الإغريقية، وقلّدوا بعض جوانبها، وكان الصفوة في الإمبراطورية الرومانية يتكلمون اللغة اليونانية، كما أن الرومان أضافوا إلى الحضارة الإغريقية إنجازاتهم الخاصة في ميدان بناء الطرق والجسور وكذلك في ميدان القوانين، حيث أنجزوا نظامًا قانونيًا متطورًا، صار الأساس لقوانين دول أوروبا فيما بعد، ولعل أهم إنجازات الرومان هي لغتهم اللاتينية التي أصبحت، الأساس لجميع لغات أوروبا الغربية.
تفوّق الرومان في فن الحُكْم، وتميز حكمهم بأنهم سمحوا لرعاياهم بالاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم، مكتسبين بذلك عطف أولئك الرعايا ودعمهم، كما أن حروب الإمبراطورية الكثيرة والمستمرة جعلت من الجيش قوة ذات فاعلية، وجعلت من قادته قوة مؤثرة في سير الأحداث وتطورها. وكان لأباطرتها على اختلاف عهودهم مواقف مختلفة من الديانة النصرانية، خاصة في أيامها الأولى، وسرعان ما قامت صلة بين الكنيسة والأباطرة، فصارت النصرانية في أواخر القرن الرابع الميلادي الدين الرسمي للإمبراطورية بعد تنصّر الإمبراطور قسطنطين.
شهدت الفترة الأخيرة من حياة الإمبراطورية انقسامها إلى جزءين: جزء شرقي هو الإمبراطورية البيزنطية، وجزء غربي، هو الإمبراطورية الرومانية الغربية التي سقطت فريسة لغزوات القبائل الجرمانية (الألمانية)، في حين أن الإمبراطورية البيزنطية ظلت مزدهرة لسنوات طويلة.
الإنجازات في الهند والصين. خضعت معظم الأجزاء الشمالية من الهند في القرن الحادي عشر قبل الميلاد لسيطرة مجموعات من الآريين القادمين من سهول أواسط آسيا، وسرعان ما سيطروا على كل الهند، فكان أثرهم واضحًا على الثقافة الهندية، فقد أعطوها لغتها السنسكريتية. وتركوا أثرهم أيضًا على الديانة الهندوسية، كما أن أحد أمراء المناطق وضع الأساس لتعاليم الديانة البوذية في أواخر القرن السادس قبل الميلاد.
في عام 300 ق.م توحّدت معظم أجزاء الهند تحت حكم أسرة ماوريا، الذين أسسوا إمبراطورية واسعة ضمت كل الهند، وأجزاء من أواسط آسيا. وانتهى حكمها عام 185 ق.م، حيث انقسمت الهند إلى ممالك صغيرة متعددة.
وفي عام 320م حكمت أسرة جبتا الهند ولمدة مائتي عام، حيث وصلت الحضارة الهندية ذروتها في عهدهم، فأقيمت المدن، وأنشئت الجامعات وازدهر الأدب، والفن وغير ذلك.
الملك الآشوري أشور بانيبال يظهر مع زوجته الملكة وهما يتنزهان في الحديقة الملكية. وقد نحتت الصورة على هذه الحجارة التي وجدت في القصر الملكي في نينوى. ويعود تاريخها إلى القرن السابع ق.م.
أما في الصين فقد حكمت أسرة تشو من عام 1122ق.م إلى عام 256 ق.م. وبسطت سيطرتها على شمالي الصين، في حين أن بقية أنحاء الصين كانت موزعة بين ممالك صغيرة شبه مستقلة كانت تتنازع فيما بينها، وتحاول كل منها السيطرة على بقية أنحاء البلاد، وقد أدى هذا الجو من الاضطراب والحرب إلى ظهور فلسفة كُونفوشيوس التي كانت تنشد التركيز على أهمية المثل الأخلاقية، وعلى مجتمع يسوده الأمن والنظام.
في عام 221 ق.م. ظهرت أسرة كين (تنطق تشئين أيضًا)، التي استطاعت توحيد الصين في إمبراطورية واحدة ذات حكم مركزي قوي، وقد سميت الصين باسم هذه العائلة، وظهرت الكتابة الصينية في صيغتها النهائية على عهدهم، كما أنهم اهتموا بطرق الري، وبنوا سور الصين العظيم حماية لها من الغزاة. ظلت أسرة كين تأخذ بزمام الأمور إلى عام 206 ق.م. ثم خلفتها أسرة هان في عام 202 ق.م. وفي عصر أباطرة هان أصبحت الكونفوشية تمثل الأساس الفلسفي الذي يقوم عليه النظام الحكومي. فقد ابتدعوا نظام امتحان المتقدمين لوظائف حكومية، ووضعوا لهم امتحانًا يقوم على فلسفات كونفوشيوس، كما ازدهرت العلوم والثقافة على عهدهم، وانتقلت البوذية للصين من الهند، وشهدت فترتهم اختراع الورق، لكن النزاع بين أفراد العائلة أدى إلى إضعافها، ثم سقوطها عام 220م حيث قبعت الصين في فترة الأربعمائة سنة التالية تحت كابوس الحروب المستمرة بين دولها.






المفضلات