بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ويا مصرُ لا تغسلي الأرضَ حتى يجفَّ الطغاة
عمر شبلي - لبنان
"لاجديد في مصر فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة"
رئيس وزراء إيطاليا
" 1 "
ممتلئاً بالقهرْ
أنتظرُ الخامسَ والعشرين منْ
هزيعِ هذا الشهرْ
أبحث في كل المحطات عن الأخبار
ولم أكنْ أبصرُ إلاّ مصرْ
وشعبُها يدفقُ مثلَ النيلْ
من جمعة الغضبْ
لجمعة الرحيلْ[1]
********************
تدفَّقي يا مصرُ فالجفافْ
يأكلُنا، وأرضُنا مَواتْ
والنيل ربُّ الخصبِ والحياة
منتظِرٌ عروسَه ولحظةَ الزفاف
ألمس روح النيل في تلك الملايين على الضفاف
يا أيها النيلُ الذي يسيرُ للأمام،
ولا ينام،
ولا يخاف
مشكلتي عروبتي، مشكلتي الجفاف
كنتَ قديماً عندما تجفّ
يقدِّمُ الكهّانُ في طقوسهم لك الفتاةْ
واليومَ يا نيلُ لكيْ تفيض
يقدِّمُ الشعبُ لك الطغاةْ
كي تُخصِبَ القرى،
وتخصبَ الأرياف
وصارت الأيدي التي عروقها نافرةٌ من غضبٍ وجوع
قريبةً جداً من الشمس ومن تاريخها الممنوع
وابتدأالهتاف
وابتدأت مواكب الرجال
تنبع من شوارع الجفاف
تقدّموا يا إخوتي في مصر
وعلِّمونا كيف يغدو النهر
في زمن الثورة والقهر بلا ضفاف
تدفـَّقوا، تدفـَّقوا، فالنيلُ لا يسير للوراء
تُعتَقلُ الروحُ إذا تخلَّت الأمة عن جراحها
وخانها الرعاف
"هذا أوان الشدِّ فاشتدي زِيَمْ"[2]
********************
" 2 "
"كثيرةٌ هي الأيدي التي قتلتنا، والأبواب التي طردتنا"
انتظرناك يا مصرُ عند الجراحْ
انتظرناكِ حتى الصباح
وها أنت يا مصرُ تأتين حافيةً
وجائعةً، إنما في يديك السلاح
وجئنا إليك بأحلامنا الداميةْ
نقدّم بين يديكِ "حزيران" والمدنَ المطفأةْ
آهِ من "توربورا"[3] العربْ،
ومن جسدٍ دون رأسٍ على ضفّة النهر ينمو،
تُرى، رأسُه أين صار!!!
وفي أي مقبرةٍ سوف يُدفَن،؟
من سيصلي عليه؟
وكيف يحاسبه ملكُ الموت من غير رأس؟
فيا جسداً دون رأسٍ لمن تنتمي!!!
إذا أدخلوكَ إلى موقدٍ فانتسبْ للحطبْ
وصُغْ من رمادكَ جمراً
لُتحرقَهم، ثمَّ قلْ لهُمُ : أدخلوا في الرماد
وتبّتْ يدا
أبي لهبٍ
وتبْ
********************
"3 "
حزيرانُ هل أنت مقبرةٌ لجميع الشهور؟
نقدِّم بين يديْك خطاباتِ حكّامنا
وجواهرَ نسوانِهمْ
ومناديلَ نسواننا في الحداد
والكلابَ السمينة حول مطابخهمْ
نقدِّمُ بين يديك الملوك
مع السادة الرؤساء، مع الوزراء
مع الحرس الأوفياء
وكلَّ هزائم تاريخنا العربيِّ
وهذا الهواءَ الثقافيّ في
وسائلِ إعلامنا العربيِّ الذي ليس يتقن إلاّ النباح
********************
ثلاثون يا مصرُ مرَّتْ
ونحن نؤذِّنُ في الخابيةْ
حزيرانُ
رغم الزمان الجميل الذي ذبحتـْه جيوشُ المغول
على صدر بغدادَ بنتِ الرشيد
وتهديم جامعِ "أم الطبول"
ورغم اختلاط الحطامِ بأطفال غزّةَ حتى التماهي
ورغم الحصار
سنبقى أمام جنائزنا رائعين
ونبقى أمامَ معاملِنا عاملين
ونبقى أمام مزارعنا زارعين
وننتظرُ النيلَ ما يقول.
********************
ثلاثون يا مصرُ مرّت
وما نطقت بنتُ "ممفيس"[4]،
ولا النيلُ غير الكلام المباحْ
ثلاثون مرَّتْ،
وكانت حراماً على مصرَأعنابُ مصرٍ،
حلالاً على الطير من كل جنس[5]
وكانت تردّد أن "مبارك" أوحى لها،
والثعالبُ مبشومةٌ،
والنواطيرُ نائمةٌ
ثلاثون مرَّتْ وكافورُ يبحث عن خصيتيْن
لإنجاب ذرية تأمرُ النيلَ أن يتخلّى
عن اللحظة المخصِبة
تلقِّن مصرَ الخضوعَ،
وتحرِفُ عن قصدها المكتبةْ
********************
" 4 "
بميدان تحريرك اجتمع الشهداء، وأبناؤكِ الفقراء
و"نجع حمادي" و"بحر البقرْ"
ولما ربا الماءُ ثم استوى
على عرشه القهرُ ناولني النيل ُ غيماً وجوعاً
فأقعيتُ سبعاً وسبعاً عجافاً،
وجعتُ وجعتُ إلى أن شبعتُ من القهروالمتربةْ
وكنت أفسّرُ حلماً لمن أكل القيدُ من رجله والمساحي
ومَن كان مِن رأسه تأكل الطير/أعني جنودَ "العزيز"،
وكنتُ أسائله هل غوى كزليخا،
وهل نقل النيلَ من مصره
وما عاد ثديَ الحياة الخصيب
وأسأله عن حذاء العزيز الملطّخ بالدم
هل ينبع النيلُ من قصره؟
وقالوا ستأتين يا مصر من غيمك العربي
فقمتُ من الموت ثانيةً، ولبستُ دموع الفرحْ
ولبستُ مع الغيم قوسَ قزحْ
قد انتصر الوردُ يامصر
كنتِ وَلوداً، وما كذب الحَمْل والفيَضان
و ما كذب القلب فيما رأى
وكنا نظن، كما غيرنا، النيلَ ممتلئاً بالبكاء
وما ظلّ في مصرَ مصرُ
فهل تغفرين لنا، إن بعضاً من الظن إثمٌ
أقبِّلُ جرحَكِ يا مصرُ، إني أثمْتُ
وأعرف أن القرابين مرفوضةٌ، يا حبيبةُ، ما لم تكن
بحجم الضحايا
وكان الرجال يمدّون أيديَهم للغيوم
لكي يشربوا عندما يعطشون
وما كان خبز لديهم سوى أن يجوعوا
لكي يشبعَ القادمون
فيا مصرُ إن تهدري دمَهمْ ينبتِ الزيزفون[6]
إلى الآن يا مصرُ لم ننْتهِ
من مراسيم دفن الطغاة
قد استخدموا اللهَ كي يخدعونا
قد استخدموا السحرَ حتى انقلب
وقيل لفرعونهم "فاقضِ ما أنت قاضٍ"
وأدرك أنّ نهايته قابَ قوسٍ وأدنى
ولو لم يقسْ عمقَ حفرته ما هربْ
وما كنتُ أحسب أن الذي بيع سوف يُباع
وكان العصاة بقبضاتهم يخلعون على النهر صاحبهم
وكان الشعار الذي أعلنوه مع لفجر:
لارأيَ إلاّ لمن لايطاع[7]
********************
" 5 "
"الجثة في الملك، غير أن الملك ليس في الجثة"
شكسبير
وميدان تحريرها، كان يطرد منها
مع الفجر آخرَ فرعون، واستيقظ الفقراء
وهم يبصرون
ظلاماً يزيحُ عن القاهرةْ
لقد كان فرعونُ موسى، يحاول
أن يطردَ اللهَ بالسحَرَةْ
ومن تحته النيل يجري
وآمن حين أتاه الغرقْ
ولكن فرعون مصرَ الجديد
ينافق في الغرغرةْ
وينفث سحراً على القاهرةْ
********************
تقدّمَ فجراً من النيلِ فرعونُ مصرٍ
وهدّده بالجفافْ
إذا لم يكن مثلما شاء يجري
ولمْ يقبلِ النيلُ هذا، وأعلنَ عصيانَهُ
وبالسحر حاول فرعونُ أن يقتلَ النهرَ
لكنّه ظلَّ يجري، وما غاضَ،
"ميدانُ تحريره" كان ممتلئاً بالينابيع
ممتلئاً بالرجال
وقال لفرعونَ: إرحلْ
فأنتَ التحاريقُ، أنتَ الجفاف
ونحن الينابيعُ، نحن المصبُّ
ومصرُ العروسُ الجديدة
لكنَّها لن تُقَدَّمَ ثانيةً في احتفالٍ لكهّانِكَ "الأتقياء"
ومن دمها لن تحنِّي يديك ليوم الزفاف
ولن يجهلَ النيلُ مجراه بين القرى،
لن يصبَّ بـ"تل أبيب"
وظلَّ يصفِّقُ ملء البلاد
ومن صدره وصدور الجماهير كان يعلو الهتاف:
أيُّهذي البلادُ العظيمةُ يا مصرُ
ما ظلَّ فيكِ جدارٌ بلا كبرياء
وما عدتِ منذورةً للتحاريق،
هذا إلهكِ يهتف بين الجماهير، يرفع قبضته،
ينصرُ الفقراء.
ومحروسةٌ أنتِ يا مصرُ بالفيضان
من اليومِ لا نيلَ من تحت فرعونَ يجري
ولا كاهنٌ يخدعُ الشعبَ بالهرطقات.
فرعونُ مات
وكاهنُ فرعونَ مات
********************
" 6 "
" لأول مرة في التاريخ نرى شعباً يقوم بثورة، ثم
ينظف الشوارع بعدها، اليوم كلنا مصريون"
إذاعة :سي ـإن ـإن
ويا مصرُ، يا أمنا أنت مئذنةُ الله في الأرض
أنتِ الكنانةُ، أمّي مواكبَنا للصلاة
على الشهداء وأتباعهم.
ما رُمِيتِ بسهمٍ، وما ارتدَّ ثانية للرماة،
أقيمي الصلاة، وسوِّي الصفوفَ بأعناقنا
ليس هذا زمان الأذان من الخابية
أنتِ "قاهرةٌ" منذ كنتِ
وسجّادة لم يصلِّ عليها امرؤٌ،
واعتراه الجفاف
أقيمي الصلاة ولا تسمحي للملوك
ومن رهنوا دمَنا في البنوك
بوطء ترابك يا غالية
لأن الملوك "إذا دخلوا قريةً أفسدوها"
وسجادة مثلها توقظ القلب من نومه للصلاة
بساحة ميدانِ تحريرك الغالية
أقمنا الصلاة
أتسمع من "شرم الشيخ" صوت "العُصاة"؟
فرعونُ ظلَّ بمصرَ، ولو مومياء،
وأنت إلى "شرم الشيخ" تهرب حتى
تكونَ قريباً قريباً من "الأصدقاء"
********************
" 7 "
" الأحداث في مصر تثبت أنه يجب علينا التواضع
والحذر في تقديراتنا للعالم العربي"
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: غابي أشكنازي
من اللانهايات يأتون،
من الفقر والقهر يأتون
من النهر يأتون
همُ الفقراء، همُ الشهداءُ
هم الشرفاء الذين بنوا سدَّ "أسوان"
كانوا على ظهرهم يحملون حجارة أهرامك العالية
همُ أمّموا بالدماء القناة
وكانت على فمهم أغنياتُ الصعيد
تشبه النيلَ في زمن الفيضان
وصوت المعامل وقت العملْ
بحلوانَ والقاهرة،
وفي بور سعيدَ وأسوانَ
والبردُ كان شديداً،
وكان الجنودُ على الناقلات مع الشعب
يقتسمون التحيات والخبز والأمنيات
والتلاميذُ كانت حقائبهم معهم
وليس لديهم جواربُ صوفيةٌ
إنما كنتَ تبصرُ في كل عينٍ قضيةْ،
وتبصر بورسعيد، وما سال في سوحها من دماء
وأسوانَ من سدِّها يتدفـَّقُ ما ليس ماء.
********************
" 8 "
وحين تصير الجراح دروباً
يعزُّ علينا بنصف الطريق ارتياح
وإنّ طيوراً تكسِّرُ أقفاصَها بالجناح
يحقّ لها أن تحلِّقَ أبعدَ من شجر النهر
إن الرسالة أكثر قدسيةً من بلوغ النجاح
ويا مصرُ نحن بلا أنتِ قبضُ الرياح
معاً سوف نمشي، وأنت تقودينا أعمارَنا
باتجاه الصباح
وليس يهاب العواصف من كان متصلاً بالسماء
تصوغين كلّ نقيّ على ناركِ الأزلية
والنيل يفتتحُ السرَّ في صدر "إيزيس" أيَّ افتتاح
********************
" 9 "
"رفع الشعب الأحذية تعبيراً عن الازدراء لخطاب مبارك"
ويا مصرُ لا تغسلي الأرضَ حتى يجفَّ الطغاة
هتاف الملايين كالنيل يدفق بعد التحاريق بين يديك
صحت مصرُ من نومها فأفاق العربْ
ومصر تعاتبها الروح كيف غفت كل هذي السنين
ومسؤولةٌ مصرُ عن حزننا
ومسؤولة مصرُ عن عرينا
أمام الذين أساطيلهم سرقتْ دمنا،
ومصرُ السؤالُ، ومصرُ الجواب
دعيني أشيّع حزني،
وأصرخ من صلب "إيزيسَ"[8] كي تسمعوني
إلى من أنتمي؟
إلى والدٍ قتلوه
وأمٍّ تعلِّمني كيف أُقتَلُ حتى يجددني
الموتُ والانبعاث
وعانيتُ ليلي طويلاً
وكنت أفكّر في صاحبي المتنبي:
"وماذا بمصرَ من المضحكات"[9]
ترجَّلْ عن الرمل يا متنبي
وعُدْ كي ترى مصرَ عمروٍ ومصرَ جمالْ
وها أنتِ يا مصرُ تحترفين الفرحْ
ونلبس تحت غيومكِ قوسَ قزَحْ
لنسرق من صاحب البرق والرعد عمراً جديداً[10]
********************
" 10 "
"الشعب يريد تغيير النظام"
" إرحلْ، إرحلْ/الشعبُ يريدكَ أن ترحل"
في الخامس والعشرين
من كانون الثاني ولدتْ مصرْ
لن يُعقدَ مؤتمرُ القمة بعد اليوم بتل أبيب
الشعب هنا قرّرَ أن يعقد مؤتمراً في ميدان التحرير
والمؤتمراتُ قديماً كانت تُعقَدُ في "شرم الشيخ"
أو في جوف الشيخ
أو في جيب الشيخ
في بلد النفطْ
أو في بلد القحطْ
وقرارات القمّة كانت لا تعني شيئاً
كانت تأكلها الآرَضَة
في مؤتمر الثوّار بميدان التحرير
لغاتُ القهر بأجمعها حضرت
كانت تنبض بالحرية
ومع الشعب المصريّ جميعاً كنّا في ميدان التحرير
نصفّق للثوّار
نصفّق للقبضات الملآى بالإصرار
لتلك الأوجه، وهي تزيح الليل عن الشرفات
وتعلن ميلاد الأمة من ميدان التحرير
قمصان العمال الفقراء
ما أجملها في ميدان التحرير
كانت تفتننا وهي ملطَّخة بالدم
من فوج البغّالةِ والمرتزقةْ
قد كانت قمصانُ العمّال الفقراء
أجمل من ماركة "بيار كردان"
فلقد صُنِعت في مصر
********************
"11 "
يا هذا الحامل غصن الثورة
ما أجملَ رقصَكَ في ميدان التحرير
أن تحمل ورداً أو جرحاً لا فرقَ
لأن الوردَ عبيرُ الجرح
ولأن القاتلَ كان قبيحاً جداً
كان المقتول جميلاً جداً
بين الرسميِّ وبين الشعب طلاق
فلقد جرّبنا حبل الموت على الأعناق
ما أجمل أن تتقدمَ صوب الموت،
وفي عينيك خريطة مصر
ومآذن أزهرها انتقلت لتؤذِّنَ في ميدان التحرير
يا هذا الشيخ تأخرتَ كثيراً،عجّل بالتكبيرْ
أُمَّ الفقراءَ، وأُمَّ الثوّار
ما أجمل أن تقرأ قرآن الفجر بميدان التحرير
ما أجمل أن تغمد رمحاً في أحشاء الظلم
واعلمْ :
لافرقَ كثيراً بين الثورة والحلمْ
********************
" 12 "
في هذي اللحظة كنّا عطشى للشعر
من تونس كان الشعر يجيء
فيحجبه القذافي بعباءته الخرقاء
ولمصرَ مواسمُها
الدهشة : خصب النيل، ومصر يباب،
شعبٌ يتدفـَّقُ مثلَ النيل،
وتلك العادةُ من زمن الطوفان
طبعُ المصريِّ كطبع النيل إذا ابتدأ الفيضان
لن يتشوَّهَ مولودُ الثورة
ما عدنا يا مصرُ قطيعاً عند الحكام
من تلك الأقدام الحافية الحمراء
تتصاعد نارٌ رغم البرد
بميدان التحرير
هم أوطى من تلك الأقدام
طفلٌ مقتولٌ في يده حجرُ
ما زالت رغم الموت أنامله الحمراء
تشدّ على الحجرِ
لم يتركْها. هذي الأحجارُ من الجنة
الجنة تحت الأقدام، أقدام الشهداء، وأقدام الثوّارْ
كان الطفلُ المصريُّ يدافع عن موسى
والطفل الصهيونيُّ يدافعُ عن فرعون
********************
"13 ""
دخل الأوباش إلى ميدان التحرير
صعد الشهداءُ إلى ميدان التحرير
والأوباشُ انحدروا
والثورة ما زالت في خير
قد كانت كلُّ قلوب الناسِ بميدان التحرير
تفتِّش عن مصر
تحيا مصر/تحيا مصر
********************
"14 "
نزل الفقراءُ إلى ميدان التحرير
وكانوا قد تركوا عربات الخضرة في الطرقات
اليومَ صلاةُ الجمعة في ميدان التحرير
ليدركَ هذا السارقُ
أن وراء الليل نهار
ليدركَ أن الثوّار هم الأنهار
نزل الفقراءُ إلى ميدان التحرير
وعلى الشرفاتِ نَمَتْ آلافُ الأزهار
********************
"15 "
" يجب أن تتعدد القاهرات"
كنّا اتفقنا أن يكون النهرُ والفيضان مدعوَّيْن
حين تصبُّ في الميدان أنهار الرجال
والفجر يسطع من عيون القاهرة
من بعد ما انهزم الدجى وقنابلُ الغاز المسيلة للدموع
من بعد ما انهزم الرصاص أمام أجساد الرجال
القابضين على لظى أحلامهم
ظلّوا يزيحون الظلامَ عن المدينة، وهي تغتال المُحال
أرأيتـَهم في ساحة الميدان كيف يضمِّدون جراحهم
و"البلطجية" يعبرون على دم العمال والفقراء في
عصر "المبارك" والحديد
لكنما الفقراء والعمال رغم جراحهم
لم يخلعوا مصراً، لقد رفعوا حجارتها على أكتافهم
دمهم عليها، والدماءُ قرابةٌ
والبلطجية والجناة،
يتوالدون من الجناة، ويحفرون قبورَنا
لكنهم فيها وإن طال الزمان سيُقبَرون
الآن أهراماتُ مصرَ تقوم، تمشي في الشوارع
تنطق الأحجار في هذا الحوار
هذا زمان الطمي والفيضان
يا مصر العزيزة فاحرثي
من راح يحرث شعبه بالظلم والسرقات والتجويع
في الزمن الجبان
لا ترحميهم إنهم يا مصرُ أعداء الحياة
********************
"16 "
وزّعتُ وجهي في الصحارى والمنافي
والعواصف والسجون، وما اقتربتُ من النهار
لم يبق لي في هذه الدنيا رهانٌ
غير تكملةِ الرهان
ولذا ابتدأتُ من الدمار
ومررتُ بين جنازتين من البنفسجِ والحديد
وعبرتُ من وجع المكان إلى الزمان
من تونسَ الخضراءِ يبتدئ النهار
وظللتُ أنتظرالنجاح وليس يخذلني انتظار
كانت تعلمني العزيزةُ مصرُ أن اللهَ فينا
كلُّ فهمٍ غير هذا لا يؤدي لانتصار
هذا أنا
إيمان روحي ليس ينقصه الأمان
*********************
" 17 "
يا مصرُ من أعناقنا نعطيكِ جسراً للعبور إلى النهار
إلى أمانينا التي يبستْ لطول جفافِنا
تتقدمين وأنتِ حافيةٌ،
وتاريخُ البلاد
حافٍ، ونمشي دون أقدامٍ، وتخذلنا الطريق
ونصرُّ أن المشيَ لا يحتاج أحياناً إلى قدمين،
إن النيلَ يمشي دون أقدامٍ،
ويجرفُ ما يعيق،
ويقولُ : حيَّ على الحصاد
وترفرفين كرايةٍ فوق الحريق،
وأخاف أن يصلَ الحريق
إلى الأناشيد الجميلةِ قبل أن يستوعبَ الملكُ السعيد
معنى حكايا شهرزاد
**********************
"18"
من الجنة النيل ينبع من أرض طوبى،
ومن سدرة المنتهى
من الظلمات وماء الحياة
ومن غابة لم يجُسْها خيال
وأبعد من سر بحر الغزال وفكتوريا
وقع النيل في حب مصر
وفي سفر تكوينه كان عنوانها
ثم سار إليها، وكان الطريق طويلا
وظل مصرّاً على أن يحوز العروسة منها
ولم تعطه مصر في البدء شيئاً
إلى أن رأت عمرها في يديه،
وفي ليلة من دموع وجوع
ولم يكن النيل قد صار ربّاً
تقدّمَ طميٌ، وأعلن للنيل عُبّادَه
ثم قال له: كنْ
ًفكان
ومن يومها أصبح النيل مصراً
وشبّتْ على الطين مصرٌ، وكان الزمان
يحاورها أن تكونَ التراب
يحاورها أن تكونَ السماء
وأنجب "أوزيرَ" منها و"رعْ"
و"إيزيسُ" تلك التي ردّت الروح للنيل
رغم الجريمة، رغم الدماء
ومن يومها وهبَ النيلُ مصرَالخلودَ
وأعلن عصيانه للفراعنة الزائلين
ومن يومها لم تعد مصر منذورة للتحاريق والكهنةْ
وفرعون قد خانه السحَرة
وقالوا له: "إقضِ ما أنت قاضٍ"[11]
فإنّا رأينا على النار تلك العصا
تشقّ لنا الطرُقَ النيِّرةْ
*********************
"19"
ويا مصر، هذا زمان الشعوب،
زمان تدفـّقِ ماء الحياة بهذا الجفاف
زمان استعادة مصرٍ لمصرٍ
نقدم للنهر أعمارنا كي تعودي إلينا
غيابُكِ يا مصرُ سوّى الثلاثين مأتمْ
دعي النيلَ يشرحُ كلَّ الخفايا
وقولي تكلّمْ
رأيت شبابك يفتتحون السماء بقبضاتهم
برامجهم واحدة
ولا يمكن الحذف منها:
تكون لهم مصرُ أو لا تكون
ومن عصفهم ينبع النيل، والفيضان يجيء، ويجرف
ما كان في مصر للظلمِ من أقبيةْ
شبابُكِ يا مصرُ ردّوا لنا الروحَ في زمنٍ
كان فيه الجميعُ يظنوننا أمةً مستعارةْ
لقد صنعوا ثورة ثم راحوا بلا فاصلٍ يكنسون الشوارع،
ثلاثون عاماً من الضُرِّ قد جُرِفت في
ثلاثين ثانية مخزيةْ[12]
لقد كنتِ فينا عصاةً لموسى، ومجمعَ بحريْنِ للخضر،
كنتِ القناطرَ، نعبر من تحتها للمقطَّمْ
وما كان خبزٌ لدينا سوى أن نجوع
وقد يتحوّل جوعٌ مع الظلم خبزاً






المفضلات