أحمد الله تبارك وتعالى ،


وأصلي وأسلم على رسوله وخيرته من خلقه ،


ومصطفاه من رسله سيدنا محمد رسول الله ،


بعثه بالحق بشيراً ونذيراً ، فبلغ الرسالة ، وأَدّى الأمانة ،


ونصح الأمة ، وجعلنا على المحجة البيضاء ،


ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ،


صلى الله وسلم وبارك عليه ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ،


وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى أصحابه أجمعين والتابعين



ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :



أيها الأخـــوة :



هذه كلمات في أدب الحوار مُشتمِلَةٌ العناصر التالية :



تعريف الحوار وغايته ،



ثم تمهيد في وقوع الخلاف في الرأي بين الناس ،




ثم بيان لمُجمل أصول الحوار ومبادئه ،



ثم بسط لآدابه وأخلاقياته .



سائله المولى العلي القدير التسديد والقبول .








تعــــريف






الحوار
: من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام .


الجدال : من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه ؛


وهو مستعمل في الأصل لمن خاصم


بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب ،


ثم استعمل في مُقابَلَة الأدلة لظهور أرجحها .


والحوار والجدال ذو دلالة واحدة ،


وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى
:
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ
فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } (المجادلة:1)



ويراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس :


مناقشة بين طرفين أو أطراف ،


يُقصد بها تصحيح كلامٍ ، وإظهار حجَّةٍ ، وإثبات حقٍ ،


ودفع شبهةٍ ، وردُّ الفاسد من القول والرأي .


وقد يكون من الوسائل في ذلك
:
الطرق المنطقية والقياسات الجدليَّة


من المقدّمات والمُسلَّمات ،


مما هو مبسوط في كتب المنطق وعلم الكلام


وآداب البحث والمناظرة وأصول الفقة .





غاية الحــــوار


الغاية من الحوار إقامةُ الحجة ،


ودفعُ الشبهة والفاسد من القول والرأي .


فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة الحقيقة والتَّوصُّل إليها ،


ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها ،


والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق .

يقول الحافظ الذهبي :
( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ،
وإفادةِ العالِم الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ) .



هذه هي الغاية الأصلية ، وهي جليَّة بيِّنة ،
وثَمَّت غايات وأهداف فرعية أو مُمهِّدة لهذا الغاية منها :

- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف .


-
التعرُّف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى ،


وهو هدف تمهيدي هام .


- البحث والتنقيب ،


من أجل الاستقصاء والاستقراء في


تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة ،


من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ ،


ولو في حوارات تالية .







وقوع الخلاف بين الناس


الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار والأمصار ،


وهو سنَّة الله في خلقه ،


فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم


وطباعهم ومُدركاتهم ومعارفهم وعقولهم ،


وكل ذلك آية من آيات الله ،
نبَّه عليه القرآن الكريم في قوله تعالى
:

{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22)


وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء
والاتجاهات والأعراض .

وكتاب الله العزيز يقرر هذا في غير ما آية ؛
مثل قوله سبحانه :
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .


يقول الفخر الرازي :
( والمراد اختلاف الناس في
الأديان والأخلاق والأفعال ) .



ومن معنى الآية :


لو شاء الله
جعل الناس على دين واحد

بمقتضى الغريزة والفطرة ..



لا رأي لهم فيه ولا اختيار ..


وإِذَنْ لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر ؛



بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل ،


ولكانوا
في الرّوح كالملائكة ؛


مفطورين على اعتقاد الحقِّ والطاعة ؛


لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ،


لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع .


ولكنّ الله خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين .


عاملين بالاختيار ،


وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض ؛


لا مجبورين ولا مضطرين .


وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار .



أما قوله تعالى
: { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .


فلتعلموا أن اللام ليست للغاية ؛


فليس المُراد أنه سبحانه خلقهم ليختلفوا ،


إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته .


وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة ؛


أي لثمرة الاختلاف خلقهم ،


وثمرته أن يكونوا فريقين :


فريقاً في الجنة ، وفريقاً في السعير .


وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر ،


أي خلقهم ليستعدَّ كلٌ منهم لشأنٍ وعمل ،


ويختار بطبعه أمراً وصنعة ، مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم


ويستقيم به أمر المعاش ،


فالناس
محامل لأمر الله ، ويتخذ بعضهم يعضاً سخرياً .



خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم


ومعارفهم وآرائهم ومشاعرهم ،



وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم ،


ومن ذلك الإيمان ، والطاعة والمعصية .





وضوح الحق وجلاؤه


وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس ؛



في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف ،



إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ ،



وجعل على الصراط المستقيم منائرَ ..

وعليه حُمِلَ الاستثناء
في الآية في قوله :
{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (هود:119) .


وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله :

{ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا
اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } (البقرة:213) .



وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها ،


وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه ؛


بل إنّ في فطرتها ما يهديها ،

وتأمَّل ذلك في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30) .




ومنه الحديث النبوي :


(( ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة ، فأبواه يُهوّدانه ،


ويُنَصِّرانه ، ويُمجِّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ،


هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها ؟ )) .


ويُوضح ذلك ، أن أصول الدين ، وأمَّهات الفضائل ،


وأمَّهات الرذائل ، مما يتفق العالم الرشيد العاقل
على حُسْن محموده وحمده ،



والاعتراف بعظيم نفعه ، وتقبيح سيِّئه وذمِّه .


كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة ،


ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءاً .


وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها
كل ما جاء فيه من أحكام ،


ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها ، وحَذَّر من التلاعب بها ،


وتطويعها
للأهواء والشهوات والشبهات
بتعسف التأويلات والمُسوِّغات ،


مما سنذكره كأصل من أصول الحوار ،
ورفع الحرج عنهم ،


بل جعل للمخطيء أجراً وللمصيب أجرين
تشجيعاً للنظر والتأمل ،


وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة
للأفراد والجماعات .



ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة .






مواطن الاتفاق


إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب الثقة


وفُشُوِّ روح التفاهم . ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً .


الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً
من التلاقي والقبول والإقبال ،


مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل

فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب ،


كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد .


والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف


وموارد النزاع ، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقاً وأمده قصيراً ،


ومن ثم يقود إلى تغير القلوب وتشويش الخواطر ،


ويحمل كل طرف على التحفُّز في الرد على صاحبه مُتتبِّعاً لثغراته وزَلاته ،


ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها ،


ومن ثم يتنافسون في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف .



ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن :



دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ ( نعم ) ،



وحِلْ ما استطعت بينه وبين ( لا ) ؛



لأن كلمة ( لا ) عقبة كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها ،


فمتى قال صاحبك :


( لا ) ؛ أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه .


إن التلفظ بـ ( لا ) ليس تفوُّها مجرداً بهذين الحرفين ،


ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده ،


إنه اندفاع بقوة نحو الرفض ، أما حروف ( نعم ) فكلمة سهلة رقيقة


رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني ( 5 ) .


ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه ؛


إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته ؛


والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة


ومعلوماته المفيدة ،


وإعلان الرضا والتسليم بها .


وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء ،


وتسود معه روح الموضوعية والتجرد .



وقد قال علماؤنا :
إن أكثر الجهل إنما يقع في النفي ؛


الذي هو الجحود والتكذيب ؛ لا في الإثبات ،


لأن إحاطة الإنسان بما يُثْبتُه أيسر من إحاطته بما ينفيه ؛


لذا فإن أكثر الخلاف الذي يُورث الهوى نابع ؛


من أن كل واحد من المختلفين مصيب فيما يُثْبته أو في بعضه ،


مخطيء في نفي ما عليه الآخر .


يتبع ../