دليل الحاج والمعتمر

لفضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق
شيخ الأزهر السابق رحمه الله


نحمدك اللهم ونستعينك،ونستهديك الخير والتوفيق في القول والعمل، ونصلي ونسلم على رسولك الأمين محمد خاتمالأنبياء والمرسلين، وبعد:

فهذه رسالة، أضعها بين يدي من كتب الله لهم زيارةبيته الحرام، وأداء الركن الخامس في الإسلام يسترشدون بها في تأدية المناسك، في يسرالإسلام وسماحته، امتثالاً لقول الله سبحانه: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِيالدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج: 78)، وأبتغي بها ثواب الله -تعالى- ورضوانه، وصالحالدعاء في مواطن القبول والإجابة من وفد الحجاج والعُمار، الذين تفضل الله عليهمفأعطاهم سؤلهم، ربنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا، فإنك أهل التقوى وأهلالمغفرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الحج:

الحج: قصد مكة لأداء عبادة الطواف وسائرالمناسك؛ استجابة لأمر الله وابتغاء مرضاته.

وهو أحد أركان الإسلام الخمسة،وفرض معلوم من الدين بالضرورة، قال الله تعالى: "وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّالْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران: 97).

وقال سبحانه: " وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍيَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوااسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ" (الحج: 27-28).

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- فيما رواه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه، قال رسول الله -صلىالله عليه وسلم-: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

وروىالطبراني في "الأوسط" عن عبد الله بن جراد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليهوسلم-: "حجوا؛ فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن".

وروى النسائيوابن ماجه وغيرهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى اللهعليه وسلم-: "الحجاج والعمار وفد الله؛ إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفرلهم".

وفي فضل الإنفاق في الحج: روى أحمد والبيهقي وغيرهما عن بريدة أن رسولالله -صلى الله عليه وسلم- قال: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله؛ الدرهمبسبعمائة ضعف".

وهو فرض على كل مسلم ومسلمة، بالغ عاقل مستطيع.

وتستحب المبادرة بأداء هذه الفريضة متى توافرت الاستطاعة.

نصائح وتوجيهات:

1 -
على كل مسلم ومسلمة دعاه الله لحجبيته وعمرته أن يخلص التوبة إلى الله -سبحانه-، ويسأله غفران ذنوبه؛ ليبدأ عهدًاجديدًا مع ربه، ويعقد معه صلحًا لا يحنث فيه.

2 -
من علامات الإخلاص: أن يعدنفقة الحج من أطيب كسبه وحلاله؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن حج من مال غيرحلال ولبى: "لبيك اللهم لبيك" قال الله سبحانه –كما جاء في الحديث الشريف-: "لالبيك ولا سعديك، حتى ترد ما في يديك".

3 -
ومن مظاهر التوبة وصدق الإخلاصفيها أن يطهر المسلم والمسلمة نفسه، ويخلص رقبته من المظالم وحقوق الغير؛ فيردالمظالم إلى أصحابها متى استطاع إلى ذلك سبيلاً. ويتوب إلى الله ويستغفره فيما عجزعن رده، وأن يصل أرحامه ويبر والديه، ويترضى إخوانه وجيرانه.

4 -
منالاستطاعة المشروطة لوجوب الحج القدرة على تحمل أعباء السفر ومشقاته؛ فلا عليك -أيها المسلم- إذا قعد بك عجزك الجسدي عن الحج؛ فإن الحج مفروض على القادرالمستطيع.

5 -
حافظ على نظافتك في الملبس والمأكل والمشرب، وعلى نظافةالأماكن الشريفة التي تتردد عليها؛ لأن الإسلام دين النظافة.

ألا ترى أنك لاتدخل الصلاة إلى بعد النظافة بالوضوء أو الاغتسال؟

6 -
لا تكلف نفسك فوقطاقتها في المال أو الجهد الجسدي، واحرص على راحة غيرك، كما تحرص على راحة نفسك. وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، كما جاء في الحديث الشريف.

7 -
قالتعالى: "وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة: 195). وقال: "وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ" (النساء: 29). فلا تعرض نفسك للخطر بالصعود إلىقمم الجبال أو الدأب على السهر ولو في العبادة؛ فإن خير الأعمال أدومها وإنقل.

8 -
احرص على التواجد في الحرم أكبر وقت ممكن، والنظر إلى الكعبة،وقراءة القرآن الكريم، والطواف حول البيت، كلما وجدت القدرة على ذلك.

9 -
عليك أن تخبر أقرب الناس إليك بما لك أو عليك، وحث الأبناء والبنات والأهل والإخوانعلى تقوى الله، والتمسك بآداب الدين والمحافظة على أداء فرائضه.

ها أنت أيهاالحاج، قد هيأت نفسك لبدء الرحلة المباركة، وقد أعددت ما يلزم لها.

ومن هذا اللازم:

ملابس الإحرام:

أ - إزار: وهوثوب من قماش تلفه على وسطك، تستر به جسدك ما بين سرتك إلى ما دون ركبتك. وخيره: الجديد الأبيض الذي لا يشف عن العورة (بشكير).

ب - رداء: وهو ثوب كذلك تستربه ما فوق سرتك إلى كتفيك، فيما عدا رأسك ووجهك. وخيره أيضًا: الجديد الأبيض "بشكير".

واحذر أن تلبس في مدة الإحرام "فانلة" أو جوربًا أو جلبابًا أوشيئًا مما اعتدت لبسه من الثياب المفصلة المخيطة، إلا إذا كنت مضطرًا؛ فلك أن تلبسذلك مع الفدية؛ فقد قال الله تعالى: "فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِأَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" (البقرة: 196).

جـ- نعل تلبسه في رجليك، يظهر منه الكعب من كل رجل. والمراد بالكعبهنا العظم المرتفع بظاهر القدم.

كل هذا للحاج الرجل.

أما المرأةالحاجة فتلبس ملابسها المعتادة الساترة لجميع جسدها من شعر رأسها حتى قدميها ولاتكشف إلا وجهها.

وعليها ألا تزاحم الرجال، وأن تكون ملابسها واسعة لا تبرزتفاصيل الجسد وتلفت النظر، والمستحب الأبيض.

متى تحدد موعد السفر بحمد اللهووسيلته؛ فإذا كنت متوجهًا إلى المدينة المنورة -أولاً- فلا تحرم ولا تلبس ملابسالإحرام؛ بل ابق بملابسك العادية إلى أن تتم زيارة الرسول -صلى الله عليه وآلهوصحبه وسلم-، وتنتهي إقامتك بالمدينة.

كيفيات الحجوالعمرة:

وعندما تشرع في التوجه من المدينة (أو من غيرها) إلى (مكة) فإن عليك أن تحرم: بالعمرة فقط، أو بالحج فقط، أو بهما معًا، حسبما تريد من المدينةذاتها، أو من ميقاتها "ذي الحليفة"، وهو المكان المعروف الآن بـ"آبار علي" قربالمدينة في الطريق منها إلى (مكة) أو من (رابغ)، إذا كنت ممن يسافرون في الأفواجالمتأخرة الذاهبة من جدة إلى مكة مباشرة؛ فلك أن تنوي الحج والعمرة معًا، وتسمى "قارنًا" أي جامعًا بينهما. ولك أن تحرم بالعمرة فقط، أو أن تحرم بالحجفقط.

الإحرام:

فإذا ركبت الباخرة،واقتربت بك من الميقات، وهو "الجحفة" قرب "رابغ" بالنسبة للمصريين وأهل الشام،فتهيأ للإحرام بحلق شعرك وقصّ أظافرك، ثم اغتسل في الباخرة استعدادًا للإحرام، وهوغسل للنظافة لا للفريضة، أو توضأ إن لم يتيسر لك الاغتسال، وضع على جسدك شيئًا منالرائحة الطيبة المباحة، والبس ملابس الإحرام الموصوفة آنفًا.

ومتى لبستثياب الإحرام على هذا الوجه؛ أي بعد التطهر بالاغتسال أو الوضوء صلِّ ركعتين سُنة،وانوِ في قلبك عقب الفراغ من أدائهما ما تريد من العمرة فقط، أو الحج فقط، أو همامعًا إذا نويت القران بينهما، وقل: "اللهم إني نويت (كذا) فيسره لي وتقبلهمني".

ثم قل: "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لكوالملك. لا شريك لك".

وبهذا القول -بعد تلك التلبية- تصير محرمًا بما نويتوقصدت: "العمرة فقط، أو الحج فقط، أو هما معًا"؛ لأن هذه التلبية بمثابة تكبيرةالإحرام للدخول في الصلاة.

محظوراتالإحرام:

ومتى صرت محرمًا على هذا الوجه، فلا تفعل -بل ولا تقترب مماصار محرمًا عليك بهذا الإحرام- وهو:

تغطية الرأس، وحلق الشعر أو شده من أيجزء من الجسد، ولا تقص الأظافر، ولا تستخدم الطيب والروائح العطرية، ولا تخالطزوجتك أو تفعل معها دواعي المخالطة كاللمس والتقبيل بالشهوة، ولا تلبس أي مخيط، ولاتتعرض لصيد البر الوحشي، أو لشجر الحرم.

وإذا فعل المحرم واحدًا من هذهالمحظورات - قبل رمي جمرة العقبة في عاشر ذي الحجة- صح حجه وصحت عمرته، ولكن عليهأن يذبح شاة أو يطعم ستة مساكين، أويصوم ثلاثة أيام. أما الجماع قبل رمي جمرةالعقبة (التحلل الأول) فإنه يفسد الحج. وعلى من فعل ذلك أن يعيد الحج مرة أخرى فيعام قادم.

ويحرم على المرأة تغطية الوجه واليدين.

ومحظور على المسلمةوعلى المسلم المخاصمة والجدال بالباطل مع الرفقة؛ يقول الله –سبحانه-: "فَمَنفَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ" (البقرة: 197).

وإذا كنت مسافرًا بالطائرة، فاستعد بالإحرام وأنت في بيتك،أو في المطار، أو في داخل الطائرة، والبس ملابس الإحرام إن لم يكن بك عذر مانع منلبسها، ثم انوِ ما تريد من عمرة أو حج ولَبِّ بالعبارة السابقة بعد ارتداء ملابسالإحرام، أو عند استقرارك في الطائرة أو عقب تحركها، وذلك كما تقدم: متى كنتمتوجهًا إلى مكة مباشرة من جدة، أما إذا كنت متوجهًا إلى المدينة أولاً، فكنعاديًّا في كل شيء.

ومتى أحرمت ونويت ولبَّيت -كما سبق- صار محظورًا عليكالوقوع في شيء من تلك المحظورات.

ما يباحللمحرم:

بعد الإحرام يباح الاغتسال وتغيير ملابس الإحرام، واستعمالالصابون للتنظيف، ولو كانت له رائحة. وللمرأة غسل شعرها ونفضه وامتشاطه؛ فقد أذنالرسول –صلى الله عليه وسلم- لعائشة –رضي الله عنها- في ذلك بقوله: "انفضي رأسكوامتشطي".

ويباح أيضًا: الحجامة (فصد العرق لإخراج الدم) وفقء الدمل، ونزعالضرس، وقطع العرق، وحك الرأس والجسد دون شد الشعر؛ ويباح النظر في المرآةوالتداوي.

أما شمّ الروائح الطيبة فدائر بين الكراهة والتحريم. ومن ثم يستحبأن يمنع الحاج عن استعمالها قصدًا. أما ما يحدث من الجلوس أو المرور في مكان طيبالرائحة فلا كراهة فيه ولا تحريم.

ويباح التظلل بمظلة أو خيمة أو سقف،والاكتحال والخضاب والحناء للتداوي لا للزينة، ويباح قتل الذباب والنمل والقُراد،والغراب والحدأة والفأرة، والعقرب والكلب العقور، وكل ما من شأنه الأذى.

أماحشرات الجسد الآدمي كالبرغوث والقمل، فللمحرم إلقاؤها وله قتلها ولا شيء عليه. وإنكان إلقاؤها أهون من قتلها.

وإذا احتلم المحرم أو فكر أو نظر فأنزل، فلا شيءعليه، عند الشافعية.

دخول مكة والطوافبالكعبة:

ها أنت -أيها الحاج أو المعتمر- على مشارف مكةمحرمًا.

فمتى دخلتها -بعون الله وتوفيقه- فاطمئن أولاً على أمتعتك في مكانإقامتك، ثم اغتسل إن استطعت أو توضأ، ثم توجه إلى البيت الحرام لتطوف طواف العمرةإن نويتها، أو طواف القدوم إن كنت نويت الحج، وكبر وهلل عند رؤية الكعبة المشرفة،وقل: "الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام. اللهم افتح لي أبواب رحمتك ومغفرتك. اللهمزد بيتك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبرًّا، وزد من شرفه وكرمه -ممن حجهأو اعتمره- تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا. اللهم أنت السلام، ومنك السلامفحيِّنا -ربنا- بالسلام، وأدخلنا دار السلام".

ثم ادع بما يفتح الله بهعليك؛ فالدعاء في هذا المقام مقبول بإذن الله.

وإذا لم تحفظ شيئًا منالأدعية المأثورة، فادع بما شئت وبما يمليه عليك قلبك، ولا تشغل نفسك بالقراءة منكتاب غير القرآن؛ فهو الذي تقرؤه وتكثر من تلاوته.

طوافالعمرة:

ثم اقصد إلى مكان الطواف؛ لتبدأه وأنت متطهر، واستقبل الكعبةالمشرفة تجاه الحجر الأسود لتمر أمامه بكل بدنك، واستقبله بوجهك وصدرك، وارفع يديكحين استقباله كما ترفعها في تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة؛ ناويًا الطواف مكبرًامهللاً معلنًا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. اللهم إيمانًابك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد -صلى الله علي وآلهوصحبه وسلم-.

ثم اجعل الكعبة على يسارك مبتدئًا من قبالة الحجر الأسود، وسِرفي المطاف مع الطائفين حتى تتم سبعة أشواط، بادئًا بالحجر الأسعد، ومنتهيًا إليه فيكل شوط، ولا تشتغل في الطواف بغير ذكر الله والاستغفار والدعاء، وقراءة ما تحفظ منالقرآن مع الخضوع والتذلل لله، ومن أفضل الدعاء ما جاء في القرآن الكريم كقولهتعالى: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةًوَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة: 201).

ولا ترفع صوتك، ولا تؤذِ غيرك،واستشعر الإخلاص؛ فالله يقول: "ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُلاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (الأعراف: 55).

ركعتاالطواف:

إذا فرغت من أشواط الطواف السبعة، فتوجه إلى المكان المعروفبـ"مقام إبراهيم"، وصلِّ فيه منفردًا ركعتين خفيفتين؛ ناويًا بهما سنة الطواف، أوصلهما في أي مكان في المسجد إن لم تجد متسعًا في مقام إبراهيم، وادع الله بما تشاء،وما يفتح به عليك.

الدعاء عندالمُلْتَزم:

ثم توجه إلى الملتزم، وهو المكان الذي بين باب الكعبةوالحجر الأسود، وإذا استطعت الوصول إليه، فضع صدرك عليه، مادًّا ذراعيك عليه،متعلقًا بأستار الكعبة، واسأل الله من فضله لنفسك ولغيرك، فإن الدعاء هنا مرجوالإجابة -إن شاء الله-، وادع بما تشاء وبأي دعاء.

اشربمن ماء زمزم:

ثم توجه إلى مياه زمزم، واشرب منها ما استطعت فإن ماءهالما شُرب له. كما في الحديث الشريف.

السعي بين الصفاوالمروة للعمرة:

ثم ارجع بعد شربك من ماء زمزم، أو بعد وقوفكبالملتزم، واسعَ بين الصفا والمروة، بادئًا بما بدأ الله تعالى به في قوله: "إِنَّالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ" (البقرة: 158).

ومتى صعدت علىالصفا فهلِّلْ وكبِّر، واستقبل الكعبة المشرفة، وصلِّ على النبي المصطفى. وادعُلنفسك ولمن تحب، ولنا معك، بما يشرح الله به صدرك، ثم ابدأ أشواط السعي سيرًاعاديًا من الصفا إلى المروة، في المسار المعد لذلك، مراعيًا النظام والابتعاد عنالإيذاء، وأسرع قليلاً في سيرك بين الميلين الأخضرين (في السعي علامة تدل عليهما)،وهذا الإسراع هو ما يسمى (هرولة) وهي خاصة بالرجال دون النساء، فإذا بلغت المروة،فقف قليلاً مكبرًا مهللاً مصليًا على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- جاعلاًالكعبة تجاه وجهك، داعيًا الله بما تشاء من خيريْ الدنيا والآخرة لك ولغيرك، وبهذاتكون قد أنهيت الشوط الأول، والعودةُ إلى الصفا شوطٌ ثانٍ.. وهكذا في بقيةالأشواط.

وتابع الأشواط السبعة على هذا المنوال مع الخشوع والإخلاص والذكروالاستغفار، وردِّد ما ورد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "رب اغفر وارحم، واعفُعما تعلم، إنك أنت الله الأعز الأكرم. رب اغفر وارحم واهدني السبيلالأقوم".

وبانتهائك من أشواط السعي السبعة، تكون قد أتممت العمرة، التينويتها حين الإحرام.

التحلل منالعمرة:

وبعدها احلق رأسك بالموسى، أو قصّ شعرك كله أو بعضه، والحلقأفضل للرجال، وحرام على النساء، وبهذا الحلق أو التقصير للشعر يتحلل المحرم منإحرام العمرة؛ رجلاً كان أو امرأة، ويحل له ما كان محظورًا عليه، فيلبس ما شاء،ويتمتع بكل الحلال الطيب إلى أن يحين وقت الإحرام بالحج.

هدي التمتع:

ومتى تمتعت على هذا الوجه بالتحلل منإحرام العمرة قبل الإحرام بالحج؛ فقد وجب عليك ذبح هدي امتثالاً لقول الله تعالى: "فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِفَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَارَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِيالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: 196).

وهذا الهدي يجوز ذبحه بمكة عقبالانتهاء من التحلل من العمرة، كما يجوز ذبحه بمنى في يوم العيد، أو في أيامالتشريق التالية له، أو في مكة بعد عودتك من منى، ولك أن تأكل منه.



طواف الحج:

أما من أحرم بالحج فقط، أو كانمحرمًا قارنًا بين الحج والعمرة؛ فإن عليه -حين وصوله إلى مكة محرمًا، وبعد أن يضعمتاعه ويطمئن على مكان إقامته- أن يطوف بالكعبة طواف القدوم سبعةأشواط.

السعي بين الصفا والمروةللحج:

وله أن يسعى بين الصفا والمروة، حسبما تقدم، وله تأجيل السعيإلى ما بعد طواف الإفاضة، ولا يتحلل من إحرامه، بل يظل محرمًا حتى يؤدي مناسك الحجوالعمرة، ويقف على عرفات، ثم يبدأ التحلل الأول برمي جمرة العقبة، يوم النحر، ثمالتحلل الأخير بطواف الإفاضة.

إعادة الإحرام للحج منمكة:

إذا كنت متمتعًا؛ ففي اليوم الثامن من شهر ذي الحجة -ويسمى يومالتروية- تهيأ للإحرام بالحج على نحو ما سبق بيانه في الإحرام حين بدء الرحلة،والبس ملابس الإحرام الموصوفة على الطهارة -غسلاً أو وضوءًا- ثم صلِّ ركعتينبالمسجد الحرام إن استطعت، وانوِ الحج وقل إن شئت: "اللهم إني أردت الحج فيسره ليوتقبله مني". ثم قل: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمةلك والملك.. لا شريك لك".

ومتى قلت ذلك بعد تلك النية، صرت محرمًا بالحج،ورددها كلما استطعت في سيرك ووقوفك وجلوسك، وارفع بها صوتك دون إيذاء لغيرك.. والمرأة تلبي في سرها.. وداوم عليها وأنت في الطريق إلى منى، وإلى عرفات، وفيعرفات، وحين الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة. وفي هذه الأخيرة، وعند وصولك إلى منىيوم النحر، ولا تقطعها حتى تبدأ في رمي مرة العقبة.

الحج عرفة:

ثم استعد للوقوف بعرفة يوم التاسع من ذيالحجة؛ لأن هذا الوقوف هو الركن الأعظم للحج، كما جاء في الحديث الشريف "الحجعرفة". فمن فاته الوقوف فقد فاته الحج.

ويتحقق هذا الوقوف بوجود الحاجوحضوره أي لحظة ولو مقدار سجدتين، واقفًا أو جالسًا أو ماشيًا أو راكبًا في أي وقتمن بعد ظهر يوم التاسع إلى فجر يوم العاشر، والأفضل الجمع بين جزء من النهار فيآخره وأول جزء من ليلة العاشر منه؛ أي قبيل غروب شمس يوم التاسع إلى ما بعد الغروببقليل، ويحسن أن تكون على طهارة، وأفضل الدعاء على عرفة ما جاء في الحديث الشريف: "أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله وحدهلا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".

واخشع وتذلل لربك،نادمًا على ذنبك وخطاياك، راجيًا عفوه، طامعًا في رحمته ورضوانه، متمثلاً يوم الحشرالأكبر، فإن عرفة صورة منه؛ فقد حشر فيه الخلق من كل جوانب الأرضحجاجًا.

الصلاة بنمرة:

صلِّ الظهر والعصريوم التاسع مقصورتين (ركعتين) مجموعتين جمع تقديم؛ أي صلهما في وقت الظهر مع الإمامفي مسجد نمرة إذا استطعت، ولا تفصل بينهما بنافلة، وإلا فصلهما حيث كنت في خيمتك؛كلاً منهما في وقتها، أو جمعًا في وقت الظهر.

إلىمزدلفة:

وعقب غروب شمس يوم التاسع يتوجه الحجيج إلى مزدلفة، وعندالوصول إليها يؤدي الحاج فرض المغرب وفرض العشاء جمع تأخير في وقت العشاء، ولك أنتبيت بمزدلفة حتى تصلي بها الصبح، ثم تتوجه إلى منى، وهذا متوقف على استطاعة المبيتبمزدلفة، وكلها موقف وهي المشعر الحرام، وفيها: أكثر من الذكر والدعاء والاستغفاروالطلب من الله، واجمع من أرضها الحصوات التي سترمي بها جمرة العقبة صباح يوم النحربمنى، وهي سبع حصوات كل واحدة منها في حجم حبة الفول. ولك أن تجمعها من أي مكان غيرمزدلفة، ولك أن تجمع جميع حصوات الرمي في الأيام الثلاثة، ومجموعها 49 حصاة للمتعجلو70 للمتم: سبع منها لجمرة العقبة يوم النحر، وواحدة وعشرون للجمرات الثلاث في ثانيأيام العيد، ومثلها في ثالث أيامه للمتعجل.

ومن بقي بمنى إلى رابع أيامالعيد، فعليه رمي الجمرات الثلاث كل واحدة بسبع حصوات، كما فعل في اليومين الثانيوالثالث وهو المتم.

الذهاب إلى منى ورمي جمرةالعقبة:

بعد الرجوع من عرفة إلى منى بعد منتصف الليل أقصد إلى جمرةالعقبة، وارمها بالحصيات السبع، واحدة بعد الأخرى على التوالي، وارم بقوة، وقل: بسمالله والله أكبر: رجمًا للشيطان وحزبه.

اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًامغفورًا.

واقطع التلبية التي التزمتها منذ أحرمت، وإياك ورمي هذه الجمرات أوغيرها بالحجارة الكبيرة أو العصي أو الزجاج أو الأحذية، كما يفعل بعض الناس؛ لأن كلهذا مخالف للسنة الشريفة، ولك أن تؤجل الرمي لآخر النهار، ولا حرجعليك.

الإنابة في الرمي:

إذا عجز الحاجعن الرمي بنفسه لمرض أو لعذر مانع في وقته، جاز أن يوكل غيره في الرمي عنه، بعد رميالوكيل لنفسه.

التحلل من إحرام الحج:

بعدرمي جمرة العقبة هذه، يحلق الحاج رأسه، أو يقصر من شعره، وتقصر الحاجة من أطرافشعرها، ولا تحلق.

التحلل الأصغر:

وبهذاالحلق أو التقصير يحصل التحلل الأصغر من إحرام الحج، ويحل ما كان محرمًا -عداالاتصال الجنسي بين الزوجين-؛ فإن هذا لا يحل إلا بعد طواف الإفاضة الذي قال اللهفي شأنه: "وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ" (الحج: 29).

طواف الإفاضة والسعي والتحلل الأكبر:

بعد رمي جمرةالعقبة، والتحلل بالحلق أو التقصير، يذهب الحاج إلى مكة للطواف بالكعبة سبعة أشواط،هي: طواف الفرض، ويسمى طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، وقد سبق بيان أحكام الطواف،ثم يصلي ركعتين في مقام إبراهيم، ويشرب من ماء زمزم، ويسعى بين الصفا والمروة، علىما تقدم بيانه، وبذلك يكون الحاج قد تحلل التحلل الأكبر.

المبيت بمنى ورمي باقي الجمرات:

بعد طواف الإفاضة عُدإلى منى في نفس اليوم، وبت فيها ليلة الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، ويجوز أنتبقى في مكة، ثم تتم الليلة بمنى، كما يجوز أن تستمر في منى وتتم الليلة بمكة. ولكألا تبيت بمنى، وإن كُرِهَ ذلك لغير عذر.

ومن الأعذار عدم تيسر مكان المبيت؛ولكن يلزمك إذا لم تبت في منى: أن تحضر إليها لرمي الجمرات.

أماكن رمي الجمرات الثلاث ووقته:

الصغرى، وهي القريبةمن مسجد الخيف، ثم الوسطى، وهي التي تليها وعلى مقربة منها ثم العقبة، وهيالأخيرة.

ارمِ هذه الجمرات في كل من يومي ثاني وثالث أيام العيد: كل واحدةبسبع حصوات، كما فعلت حين رميت جمرة العقبة في يوم العيد.

وقت رمي الجمرات:

ووقت رمي هذه الجمرات من الزوال إلىالغروب، وبعد الغروب أيضًا، ولكن الأفضل عقب الزوال لموافقته فعل الرسول -صلى اللهعليه وآله وصحبه وسلم- متى كان ذلك ميسورًا دون حرج أو مشقة.

وقد أجاز الرميقبل الظهر: عطاء وطاووس وغيرهما من الفقهاء.

وأجاز الرافعي -من الشافعية- رمي هذه الجمرات من الفجر إلى الفجر.

هذا كله موافق لإحدى الروايات عنالإمام أبي حنيفة " يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُالْعُسْرَ" (البقرة: 185). و"لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا" (البقرة: 286).

حيض المرأة قبل طوافالإفاضة:

للمرأة إذا فاجأها الحيض قبل طواف الإفاضة، ولم يمكنهاالتخلف حتى انقطاعه ـ أن تستعمل دواء لوقفه وتغتسل وتطوف، أو إذا كان الدم لا يستمرنزوله طوال أيام الحيض بل ينقطع في بعض أيام مدته.

عندئذ يكون لها أن تطوففي أيام الانقطاع عملاً بأحد قولي الإمام الشافعي القائل: إن النقاء في أيام انقطاعالحيض طهر. وهذا القول أيضًا يوافق مذهب الإمامين: مالك وأحمد.

وأجاز بعضفقهاء الحنابلة والشافعية للحائض دخول المسجد للطواف بعد إحكام الشد والعصب وبعدالغسل، حتى لا يسقط منها ما يؤذي الناس ويلوث المسجد، ولا فدية عليها في هذا الحالباعتبار حيضها -مع ضيق الوقت والاضطرار للسفر- من الأعذار الشرعية.

ويجوزللحائض أن تنيب غيرها في الطواف انطلاقًا من أن الحج كله كعبادة تجوز فيهالإنابة.

وقد أفتى كل من الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم بصحة طوافالحائض طواف الإفاضة إذا اضطرت إلى السفر مع صحبتها.

ثم إن النفساء حكمهاكالحائض في هذا الموضع.

طوافالوداع:

اسمه يدل على الغرض منه؛ لأنه توديع البيت الحرام، وهو آخرما يفعله الحاج قبيل سفره من مكة بعد انتهاء المناسك، وقد اتفق العلماء على أنهمشروع، متى فعله الحاج سافر بعده فورًا.

ثم اختلف العلماء في حكم هذاالطواف: هل هو واجب أو سنة؟ بالأول قال فقهاء الأحناف والحنابلة ورواية عن الشافعي،وبالقول الآخر قال مالك وداود وابن المنذر، وهو أحد قولي الشفعي.

يستحب تعجيل العودة:

فيما رواه الدارقطني عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- قال: "إذا قضى أحدكمحجه فليتعجل إلى أهله؛ فإنه أعظم لأجره".

زيارة المدينةالمنورة:

إذا لم تكن -أيها الحاج- قد بدأت هذه الرحلة المباركةبزيارة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فمن السنة –بعد أن تكون قد فرغت من مناسكالحج- أن تقوم بها، فإنها من أعظم الطاعات وأفضل القربات.

وفي فضلها أحاديثشريفة كثيرة، ولتقصد من الزيارة في حرمه الآمن تحصيلاً للثواب؛ فقد ورد في الحديثالشريف عن صاحب هذا الحرم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- "صلاة في مسجدي خير منألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام...".

رواه أحمد في مسنده عن عبد اللهبن الزبير.

خطة هذه الزيارةوآدابها:

يُسن للزائر -بعد أن يطمئن على أمتعته ومحل إقامته- أنيغتسل، وأن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب، وإذا لم يتيسر الاغتسال اكتفىبالوضوء.

ثم يتوجه إلى الحرم النبوي، متواضعًا في سكينة ووقار؛ فإذا دخل منباب المسجد، قصد إلى الروضة الشريفة، وهي بين القبر الشريف والمنبر النبوي، وصلىفيها ركعتين تحية للمسجد، ويدعو الله مجتهدًا في الدعاء؛ لأنه في روضة من رياضالجنة، وفي مهبط الرحمة، وموطن الإجابة، إن شاء الله.

فإذا انتهى الزائر منتحية المسجد والجلوس في الروضة الشريفة توجه إلى قبر الرسول -عليه وآله وصحبهالصلاة والسلام-، ووقف قبالة موضع الرأس الشريف في أدب واحترام، ويسلم على الرسولفي صوت خفيض ويقول:

"
السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله منخلقه. السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين. أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديتالأمانة، ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده".

ثم يصلي الزائر على رسولالله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، ويبلغ إليه سلامنا وسلام منأوصوه.

ثم يترك هذا الموضع إلى اليمين قليلاً بما يساوي ذراعًا (أقل منالمتر) ليجد نفسه واقفًا قبالة رأس الصديق أبي بكر -رضي الله عنه- فيسلم عليهبقوله: "السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا صاحب رسول الله في الغار،السلام عليك يا أمينه في الأسرار. جزاك الله عنا أفضل ما جزى إمامًا عن أمةنبيه".

ثم يتجاوز مكانه إلى اليمين قدر ذراع أيضًا، ليجد نفسه واقفًا قبالةرأس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فيقول:

"
السلام عليك يا أمير المؤمنين،السلام عليك يا مظهر الإسلام، السلام عليك يا مكسر الأصنام، جزاك الله عنا أفضلالجزاء".

وبعد هذا يستقبل الزائر القبلة، ويدعو بما شاء لنفسه ولوالديهوأهله، ولمن أوصاه بالدعاء شاملاً جميع المسلمين.

وينبغي للزائر ألا يلمسحجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقبل الحواجز ولا الحيطان، ولا يطوف حولها؛لأن هذا منهي عنه في أحاديث وفيرة عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

وينبغيللزائر كذلك أن يغتنم مدة وجوده في المدينة، فيصلي في مسجد الرسول -صلى الله عليهوآله وصحبه وسلم- الصلوات الخمس، وعليه أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم فيها، ومنالدعاء والاستغفار والتسبيح.

ومن المستحب زيارة أهل البقيع، حيث دُفن أصحابالرسول -صلى الله عليه وسلم- من المهاجرين والأنصار والصالحين، كما يزور شهداء أحد،وقبر سيد الشهداء "حمزة" عم الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ومسجد قباء؛أول مسجد بناه الرسول، صلى الله عليه وسلم.

وفي ختام الإقامة بالمدينة لاتفارقها -أيها الزائر- إلا بعد أن تصلي ركعتين في مسجد الرسول -صلى الله عليهوسلم-، وتزور الرسول وصاحبيه، وتسأل الله تيسير العودة لهذه الزيارةوتكرارها.

الأضحية

المقصود بالأضحيةوشروطها:

المراد بالتضحية: ذبح الأضحية، وشروطها: (منها) ما يتعلقبمن عليه التضحية أي المضحي، و(منها) ما يتعلق بوقت التضحية.

شروط المضحي ومن يذبح الأضحية:

أولاً: نية الأضحية عندالذبح:

يشترط في التضحية أن ينوي المضحي نية الأضحية عند الذبح، فلاتجزئ الأضحية بدونها؛ لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يقع قربةبدون النية، فلا يتعين الذبح للأضحية إلا بالنية، وليس على المضحِّي أن يقول عندالذبح عمن هذه الأضحية؛ لأن النية تجزئ في ذلك. قال ابن قدامة: لا أعلم خلافًا فيأن النية تجزئ، وإن ذكر من يضحي عنه فحسن.

ثانيًا: يذبحها مسلم:

يستحب أن لا يذبح الأضحية إلا مسلم؛ لأنها قربة، فلايتولاها غير أهل القربة، وهم المسلمون، فإن استناب من عليه التضحية ذميًا في ذبحهاجاز مع الكراهة، وهذا مذهب الحنابلة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابنالمنذر.

وحكي عن أحمد: لا يجوز أن يذبحها إلا مسلم، وهو قول مالك. وممن كرهذلك -أي كراهة ذبح الذمي أضحية المسلم- علي، وابن عباس، وجابر -رضي الله عنهم-، وبهقال الحسن، وابن سيرين.

واحتج ابن قدامة لجواز ذبح الذمي لأضحية المسلم معالكراهة: بأن من جاز له ذبح غير الأضحية جاز له ذبح الأضحية كالمسلم، كما أن الكافريجوز أن يتولى ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد، فيجوز له أن يتولى للمسلم أيضًاذبح أضحيته.

ثالثًا: يستحب للمضحي أن يذبح أضحيته بيدهرجلاً كان أو امرأة:

ويستحب للمضحي أن يذبح أضحيته بيده، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده الشريفة. وهذاالاستحباب يسري على المرأة إذا أرادت أن تضحي كما يسري على الرجل. قال ابن حزمالأندلسي -رحمه الله تعالى-: ويستحب للمضحي رجلاً كان أو امرأة أن يذبح أضحيته أوينحرها بيده، فإن ذبحها أو نحرها بأمرهِ مسلمٌ غيره أو كتابي أجزأهذلك.

رابعًا: التسمية عند الذبح:

ثبت أنالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذبح أضحيته قال: "بسم الله، والله أكبر" وكذلككان يقول ابن عمر، وقال ابن قدامة: ولا نعلم من استحباب هذا خلافًا ولا في أنالتسمية مجزئة، وإن نسي التسمية أجزأه. وإن زاد على التسمية فقال: اللهم هذا منكولك، اللهم تقبل مني أو من فلان، فهذا حسن، وبه قال أكثر أهل العلم.

وقت الأضحية:

أول وقت التضحية إذا مضى من نهار اليومالأول من عيد الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته، فقد حل أول وقت ذبح الأضحية، ولايعتبر في هذا التقدير نفس الصلاة، وإنما المعتبر ما تستغرقه من وقت مع الخطبة فيأخف ما تجزئ به الصلاة والخطبة. ولا فرق في هذا بين أهل المصر والقرى وغيرهم. وهذامذهب الحنابلة، والشافعية، وابن المنذر. والأَوْلى اعتبار وقت التضحية في الأمصاربعد فراغ الإمام من الصلاة وخطبة العيد.

أما آخر وقت التضحية فهو آخر اليومالثاني من أيام التشريق؛ فتكون أيام النحر ثلاثة أيام: اليوم الأول من العيدينويومان بعده -أي أيام العاشر والحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة-. وهذا قول عمروعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو مذهب الحنابلة، قال أحمد بن حنبل: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبهذا قالمالك والثوري وأبي حنيفة. وروي عن علي أن آخر وقت التضحية هو آخر أيام التشريق، وهومذهب الشافعي، وهو قول عطاء والحسن.

ما يفعله المضحيبلحم أضحيته:

يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويبقى منها له بحدودثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإن أبقى لنفسه أكثر من ثلثها جاز. وقالالحنفية: ما كثر التصدق به من لحم الأضحية فهو أفضل.

هليعطى الجزار بدلاً عن أجرته شيئًا من الأضحية؟

قال الحنابلة: لا يعطىالجزار شيئًا من الأضحية بدلاً عن أجرته في ذبح الأضحية. وبهذا قال الشافعي وأصحابالرأي، ولكن إن دفع إلى الجزار شيئًا من الأضحية لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس؛لأنه مستحق للأخذ؛ فهو كغيره بل هو أولى؛ لأنه باشر ذبحها وتاقت نفسهإليها.

هل يجوز بيع شيء من لحم الأضحية أوجلدها؟

قال الحنابلة: لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا لحمها ولاجلدها، سواء كانت واجبة بالنذر أو كانت تطوعًا. قال الإمام أحمد: لا يبيعها ولايبيع شيئًا منها. وهذا مذهب الشافعي، ورخص الحسن والنخعي في الجلد أن يبيعه ويشتريبه غربالاً ومنخلاً. وروي نحو هذا عن الأوزاعي؛ لأنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرىتفريق اللحم.

وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء من الأضحية ويتصدق بثمنه. ورويهذا عن ابن عمر:

يبيع الجلد ويتصدق بثمنه، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق،إلا أن ابن قدامة الحنبلي لم يجوِّز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها؛ لأنهجعله لله-تعالى-، فلم يجز بيعه، كالوقف، إلا أنه أجاز الانتفاع بجلد الأضحية، وقال: لا خلاف فيه؛ لأنه جزء منها، فجاز له الانتفاع فيه كاللحم. وكان علقمة ومسروقيدبغان جلد أضحيتهما ويصليان عليه.

حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملاًمتقبلاً إن شاء الله تعالى.