يمكن فهم مصر تماما من خلال المرور أو زحمة طابور رغيف العيش أو خلافه , يمكن معرفة ليه المسلمين مش طايقين المسيحيين رغم كل الكلام المزوق عن الوحدة الوطنية , وأن الأقباط محتقنون ومخنوقون من المسلمين رغم كل المزاعم عن وحدة النسيج الوطني , وكي تعرف لماذا صار ملايين المصريين لا يتحملون ألفي بهائي في بلدهم من جنسهم وجنسيتهم وعايزين يحرقوهم بالنار , ولتعرف لماذا صار المصريين فجأة لا يطيقون المذهب الشيعي ولا الشيعة الذين كانوا أقرب المسلمين اليهم , كي تفهم كيف تحولت المرأة التي تقتقل زوجها في الماضي من مجرد زوجة تدس السم لزوجها الى زوجة هذا العصر التي تقتل زوجها ثم تسلخه ثم تقطع لحمه حتتا ثم ترميه للكلاب , كي تدرك لماذا صارت حوادث الثأر جرائم باستخدام مئات من طلقات الرصاص في مذابح جماعية , كي تتأكد , أن مصر التي كنا نعرفها تتغير وتتبدل وتتبدد , تأمل معي هذا المشهد عندما يتم حشر الناس في أتوبيس مزدحم خانق ساعة زمن فانهم يتشاجرون مع بعضهم البعض ويتحرشون بغيرهم ويمسكون في خناق بعضهم البعض عندما نقف جميعا في زحمة مرور وفي طرق بلا معايير ولا ضوابط فكل منا يحاول أن ينجو بنفسه من الاشارة المشلولة ونكسر القواعد ويلعن بعضنا بعضا ونكسر على السواق المجاور ونسب بأوقح الألفاظ السيارات المتنافسة معنا على الخلاص من الخنقة .. مصر اذن تعوم على بحر من الكراهية بسبب ما حصل في السنوات الأخيرة من ضغط أقتصادي وتغييب للعدالة , في مصر ستون ألف قانونا لكن لا توجدعدالة على الاطلاق , اذهب الى قاعة أي محمة جنح في أي بقعة في البلد وتأمل فوضى زحام القاعة وناسها ومئات القضايا أمام القاضي وقذارة البلاط والدكك المتهالكة والاضاءة الباهتة المعتمة , وقل لي اذا كنت ستشعر بالامان أو برائحة العدل أم لا , ان أخر ما تنتظره في واقعنا من المحاكم العدل , ثم ادخل قسم شرطة في أي مكان في مصر وتأمل المعاملة المهملة والفظة والأيادي الممدودة للحصول على مصلحة ( عارف انت طبعا يعني ايه مصلحة ) والعساكر الضحايا الذين يفترسون زبائن القسم وأمناء الشرطة القادرين على تلبيس الحق بالباطل والضباط اللي مش فاضيين لأهلك وكلم عصبية وتوتر وعدوانية .. والوجوه التي احترفت التعذيب وكهربة الأعضاء التاناسلية والرمي في الحجز وتظبيط المحاضر , وقل لي : هل تشعر بالامان عندما تدخل قسم شرطة ؟ .. للأسف أخر ما تتوقعه من الشرطة الأمن , ضاقت الأرزاق وانتشر نفاق سياسي بسبب القهر والقمع الذي يعيشه المصريون , ونفاق ديني من أثر الفساد الذي صار قاعدة التعامل والتعايش في البلد من رشاوي واحلال للمال الحرام وسحت ومال منتزع بالغصب والتربح فكان ولا بد أن يداري الناس كسوفهم من أنفسهم بمزيد من التدين القشري الشكلي , غضب المصريين المكتوم وصراعهم النفسي الهادر وتنازعهم بين حلال يتمنونه وكرامة يحلمون بها وواقع يفترض عليك أن تكون فهلويا ومنافقا وقاسيا وأنانيا ولصا , وكل لص كما كل برغوت على قد دمه , هل تسمح لي وسط هذا كله أن أؤكد لك أن كل هذه المصائب ليست حزءا من شخصيتنا , ولا لها وجود في دمنا , ولم تصل الى موتور العربية الذي لا يزال بخيره وبطاقته وكل هذه الخبطات في الصاج فقط , ولا يزال داخل كل مصري جوهرة من آلالف السنين تراكم فوقها الزفت والقطران والطين والتراب , لكنها مازالت موجودة .. وأكثر ما يزعج السلطة الغاشمة أو العدو الاسرائيلي أننا يمكن في لحظة أن ننفض كل هذا الهباب عن الجوهرة ونبرق ونشعر بقيمة نفسنا فنتمطع حتة تمطيعة تهز الوجود هزا






رد مع اقتباس


المفضلات