جرى اللقاء والحوار والتصوير: دعاء الشبيني - آية سليمان

"أنا عايزه أوجّه نداءان.. الأول لكل اللي كانوا مع أحمد يوم ما اتصاب، عايزة أشكرهم كلهم، أنا ماعرفش مين كان معاه، ومش عارفة أوصل لهم صوتي، ولكنهم أنقذوا حياة ابني عندما نقلوه مستشفى الهلال، وعايزة أطلب منهم لو حد عنده أي معلومات عن الضابط اللي عمل كده في أحمد يبلّغنا.. أما التاني فشكر لكل أهل الخير اللي ساعدوا في تجميع مبلغ سفر أحمد للخارج، وإجراء العمليات اللي محتاجها.. حقيقي شعب مصر كان عليه تراب ولما أنزاح بان معدنه".

هكذا استقبلتنا والدة د. أحمد غريب عندما ذهبنا لزيارته في مستشفى كيلوباترا؛ لإجراء حوار معه وأسرته لمعرفة ما حدث..

الطبيب المهندس الذي واجه مدرعة ليحمي زملاءه
د. أحمد غريب.. طبيب نفسي عشق التكنولوجيا؛ فقرر بعد 7 سنوات في كلية الطب أن يصبح "طبيب مهندس"، درس في معهد ITI الشهير، وحصل على شهادة رفيعة، وعمل في مجال متميّز تتخاطف العامل به أيدي الشركات الدولية ليصبح....، وحصل على عدة عروض بالسفر للخارج ليعمل هناك إلا أنه رفضها.

أحمد يقطن في مدينة نصر ومن أسرة متيسّرة الحال، وله 6 إخوة وأخوات؛ إما أطباء أو مهندسون..

أحمد غريب إذن شاب يمكنه أن "يكبّر دماغه" بلغة الشباب، ويعيش حياته بلا مشاكل، ولكنه قرر أنه يريد ما هو أفضل لمصر.. كان مؤمنا بأن مصر تستحق الكثير..

ولذلك في يوم 25 يناير خرج أحمد مع الثورة -من قبل أن يُعرف أنها ثورة- واستمرّ أيام 26 و 27 حتى 28.. جمعة الغضب.

وفي نهاية اليوم تجمّع الثوار في ميدان التحرير يحيط بهم عناصر من الشرطة والأمن المركزي، فقام أحمد ومجموعة من الشباب باستخدام الحديد المتواجد في مبنى تحت الإنشاء لسد المدخل من جهة مجمع التحرير، حتى لا يستطيع أحد أن يصيب الشباب.. في هذا الوقت أصيب أحمد برصاصتين معدنيتين في جبهته، فقام بربطها ومواصلة عمله.

ومن هناك حاولت مدرّعة الدخول، المدرعة تحمل ذخيرة للشرطة المتواجدة التي بدأت ذخيرتها في النفاذ بعد أن فرغتها في المتظاهرين.

وقد أصرّ الشباب رفض دخولها، وقال أحمد عندما سئل عن السبب "الشباب بتتعور وتموت والشرطة بتضرب رصاص وقنابل والعربات تدور لتدوس الناس، ورغم ذلك لم يهرب الشباب"..

بل ربما من أجل ذلك لم يهرب الشباب ووقفوا أمام قائد المدرعة رافضين رفع الحديد لتمر..

الضابط: إنتم لازم تاخدوا بالجزم.. أنا مع مبارك
صمم الضابط على رفع الحديد فذهب أحمد للحديث معه مؤكداً أنه حاول إقناع الضابط بأن ما يحدث الآن في صالح الجميع، بعد انتشار الفساد والرشوة والحسوبية، فأجبه الضابط.: "أنتوا لازم تاخدوا بالجزم أنا مع حسني مبارك".

فطلب منه أحمد أن يبقى على الحياد إذن، أن يعود لقوادة ويخبرهم أنه لم يستطيع الدخول .. فرد عليه الضابط بأن يزيل الحديد.. وعندما قرر أحمد رفضه وأخبره أنه لن يفعل ليتركه يمر بذخيرة تقتل باقي الشباب كان رد الضابط بليغ للغاية..

"والله لأقتلك يا ........"

ولم يحنث الضابط بقسمة.. فصدم أحمد بمدرعته ومر على جسدة ليدخل الميدان..



كان في حاجة اسمها صلاة ووضوء بيتم إزاي؟!
غاب أحمد عن الوعي ودخل في غيبوبة لمدة 8 أيام حتى 5 فبراير.. وعندما أفاق كان وعيه بأكمله متأثر وذاكرته لم تعد بعد وتحكي والدته قائلة: "بعد ما فاق أحمد بقى يسألنا كان في حاجة أسمها صلاة كنا بنعملها أزاي؟!، كان في وضوء طيب اتوضأ ازاي، وعندما كان يسمع والده يقرأ له القرآن كان يتسائل عن هذا الكلام الحلو ويحاول أن يتذكر اسمه".

7 كسور بالجمجمة.. وقطع في غشاء المخ وما خفي كان أعظم
وبدأ الوعي يعود لأحمد شيئاً فشيء، وعندما أخبرته والدته بتنحّي مبارك قال: "شعرت بأن مجهود ودماء الناس لم يضع هدراً".

شعر أحمد بأن تضحيته لم تضِع هباء.. وأن ما أصابه كان له معنى الآن.. وهذا يدفعنا لنتساءل: ماذا أصاب الدكتور الواعد أحمد غريب؟؟

- 7 كسور بالجمجمة.
- قطع وتجلّط في شريان المخ
- تهتّك وقطع في غشاء المخ
- كسر في الضلوع
- دم على الرئة
- قطع بمنطقة الفخذ
- تكسّر كامل في الأذن الخارجية والوسطى اليسرى
- تمزّق في العصب السمعي
- تمزّق في العصب السابع


يحتاج أحمد ليتعافى لإجراء 4 عمليات جراحية، لإيصال شريان المخ، وتفتيت التجمع الدموي حوله وترقيع غشاء المخ، ووضع شبكة معدنية حول المخ لدعم العظام المسكورة، توصيل الأعصاب الخاصة بالوجهة من الداخل والخارج، ثم تركيب إذن بديلة وتوصيل العصب السمعي بما يعيد قدرته السمعية بنسبة 50% وهي العملية التي لا يجريها سوى فريق ألماني فقط في العالم.

هذا بجوار قضاء فترة من 3 أشهر إلى عام كامل للعلاج الطبيعي بعد إجراء كل الجراحات.

بعد أن تمّ تجميع المبلغ بالفعل.. عرضت الدولة علاجه
تكلفة هذه العمليات تقريبا نصف مليون جنيه، لا تملكها الأسرة، وبعد دورة على جمعيات كمصر الخير وغيرها وعدم الوصول لشيء، قرر أهل الخير من الأصدقاء والمعارف أن يبدأوا حملة تبرع ليصلوا لمبلغ النصف مليون.. وقتها فقط (يوم الخميس الماضي) وبعد أن كتب بلال فضل عن أحمد أتصل بهم من يعرض عليهم العلاج على نفقة الدولة، وكان إجابة والدة أحمد "أحنا ناس مش طماعين ومبلغ علاج أحمد أتجمع، أدوا الفلوس لمصاب تاني يكون محتاج".

وقد تقرر سفر أحمد بالفعل صباح اليوم (الإثنين)..




أحمد كان زعلان علشان الانتخابات وأحمد عز وخالد سعيد
سيسافر أحمد ويعود -بإذن الله- وقد تعافى، وهو ما زال متفائلاً، فعندما سألناه عن رأيه فيما يحدث في البلد الآن أجاب: "أنا طول عمري متفائل، وبما أن ربنا نصر الشباب فربنا كاتب لمصر الخير، وكل اللي محتاجينه دلوقت وقت نبني نظام جميل".

قال أحمد إنه قد خرج يوم 25 يناير لأنه كان زعلان.. كان زعلان من اللي بيحصل في مصر من أن دولة قادت العالم يوما تبقى في ذيل الأمم من انتشار الرشوة والسرقة والعشوائية والفساد، من أن أحمد عز يحتكر الحديد، من أن الأنتخابات الأخيرة تتزور، من أن خالد سعيد يموت ويطلعوا يقولوا عليه كان بياخد بانجو والطب الشرعي يكذب، من أن الشعب يزيد فقر وهما بيسرقوا..

الحرية ثمنها الدم.. لذا فهي غالية
تركنا أحمد ليرتاح بعد ان ارهقناه بأسئلتنا، وسألنا والده، عن موافقته على نزول أحمد منذ يوم 25 فأكد أن لديه 6 أبناء ثلاثة منهم كانوا في التحرير أحمد، حتى بعد إصابة أحمد بقي أخواه هناك ليؤكدا على ما أصيب أخاهم وهو يدافع عنه.

وعندما سألناه لو واجه الضابط الذي فعل هذا بأحمد ماذا سيقول له، انطلقت من فهم الأب المكلوم جملة "حسبي الله ونعم الوكيل" وتساءل عم أحمد وابن عمه، هل فكر هذا الضابط في إمكانية حدوث ذلك بأبنه؟؟ ماذا سيفعل وقتها..

وأكد والده أن ما اكتسبته مصر لم يكن سهلاً وأن الحرية ثمنها الدم لذا هي غالية للغاية ولا يمكن التفريط بها..

أما أحمد نفسه فقد أنهى كلامة برسالة لشباب قائلاً

ماينفعش نبقى سلبيين خلاص

لازم نبقى مفكريين

من أجل بناء الوطن..