تمر الاحداث سريعا ومع اشتعال ثورة الغضب في جمعة الرحيل وزيادة الضغوط الشعبية من اجل تنحي الرئيس مبارك عن الحكم واصرار المتظاهرين الذين يتجاوز عددهم المليون في ميدان التحرير على الاطاحة بالنظام بكل رموزه تنتظر مصر سيناريوهات عديدة خلال الايام القليلة المقبلة.
كما تظهر علي الساحة اربعة اسماء ستلعب دورا رئيسيا ومحوريا ستسلط عليها الاضواء ومن الممكن ان يكون احداها الرئيس المقبل لمصر، بحسب ما نشرته جريدة الجريدة الكويتية.
السيناريو الأول: التغيير المبكر
وهو أن يضطر الرئيس مبارك إلى عدم استكمال ولايته الحالية أو يقبل ذلك مغادراً موقعه خلال أيام أو أسابيع.
وهذا المشهد لن يحدث إلا إذا رأى جنرالات الجيش بصورة نهائية أن استمرار مبارك صار عبئاً عليهم وعلى البلد، وإذا تصاعد الحرج الأمريكي من صور القمع من جانب أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة.
ويظل احتمال وقوع هذا السيناريو قائماً إذا تمكن نائب الرئيس عمر سليمان من إقناع الجميع بأنه بديل آمن، وهي مهمة صعبة لوجود مصالح متعارضة، في ظل تمسك طبقة كبار رجال الأعمال باستمرار مبارك ومخاوفهم على مكاسبهم، ودورهم السياسي والاقتصادي.
السيناريو الثاني: إصلاحات محدودة
وفق الخطة التي أعلنها مبارك في خطابه فمن المفترض الشروع فوراً في إدخال تعديلات على مادتين في الدستور من أجل توسيع فرص الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وتحديد مدد فترات الرئاسة، مع إطلاق موجة لمكافحة الفساد المنتشر، ومحاسبة المسؤولين الأمنيين السابقين، على أن يتم الحوار مع المعارضة لاستكمال هذا البرنامج.
وحسب التجربة السابقة فإن الخيار الأفضل للرئيس المصري سيكون الاكتفاء بتعديلات شكلية أو تفصيل عدد من التغييرات على مقاس النظام، على غرار ما حدث في عام 2005 حين تغيرت المادة 76 من الدستور لتسمح بإجراء انتخابات تعددية، ثم جاءت الصياغة الجديدة لتجهض هذا التطور، وتفجر الغضب الذي أطلق حركات معارضة جديدة.
ومع تغير الموقف الآن فإن المتوقع هو أن المعارضة لن تقبل هذه المرة تكرار هذا السيناريو، وقد تتمسك بمطالب لم يتطرق إليها الرئيس، مثل إلغاء قانون الطوارئ وإعادة الاستقلال إلى القضاء ورفع القيود عن وسائل الإعلام، وإصلاح النظام الانتخابي.
السيناريو الثالث: إصلاح سياسي شامل
التحول إلى الديمقراطية الحقيقية يبدو متعثراً بسبب عدم إيمان النخبة العسكرية الحاكمة أصلاً بأهمية هذه الديمقراطية، أو بأنها شرط حقيقي للتنمية والاستقرار والريادة الإقليمية.
غير أن التغير الذي صنعته 'ثورة الشباب' قد يزيد فرص هذا السيناريو، وخاصة أن انخراط ملايين المصريين في لجان شعبية لمقاومة المجرمين والخارجين على القانون سيزيد – لا شك – نسبة المشاركة السياسية، ويجعل الإصلاح السياسي الحقيقي مطلباً يومياً مثل الخبز.
السيناريو الرابع: انتصار مبارك
الاستماع إلى هتافات أعضاء الحزب الحاكم ومؤيدي الرئيس يكشف بوضوح أن احتمال استمرار مبارك حتى نهاية حياته، ونكوصه عن وعده بعدم خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة سيظلان احتمالاً وارداً، فالتظاهرات المنظمة التي بدأت بشعارات تعبر عن التقدير للرئيس تحولت بعد قليل إلى المطالبة باستمراره ورفض تنحيه عن موقعه.
والواضح أن نهاية المشروع السياسي لنجله جمال، وتفكك الحزب 'الوطني' جعلا من شخص الرئيس الرمز الوحيد المؤهل للحصول على قدر من التأييد يتيح استمرار الجناح الذي حصل على المكاسب طوال ثلاثة عقود.
إلا أن الموقف داخلياً وخارجياً جعل هذا السيناريو صعباً وإن لم يكن مستحيلاً.
السيناريو الخامس: الفوضى المدمرة
عاد شبح الفوضى المدمرة بعد اشتباكات ميدان التحرير ليخيم كئيباً ثقيلاً فوق أكثر من 80 مليون مصري، مهدداً بتفكك أقدم دولة مركزية عرفها التاريخ.
ومع استمرار تماسك الجيش وتمسكه بثوابته الوطنية يظل هو الضمانة الوحيدة ـ للأسف ـ لإبعاد هذا الشبح المخيف.
غير أن احتمالات انقسام القيادة السياسية وترنح المؤسسة الأمنية ووجود المخاوف من المجرمين والبلطجية الذين استعان بهم الحزب الحاكم في الانتخابات الأخيرة، تفتح الباب أمام تحول اللجان الشعبية التي تشكلت عفوياً لحماية الأحياء السكنية إلى ميليشيات حقيقية تستخدم السلاح للدفاع عن السكان ثم في تصفية بعضها بعضاً.
المرشحون الأربعة:
ومع إعلان الرئيس حسني مبارك اعتزامه عدم الترشح مجدداً لفترة رئاسية جديدة، بدأت الأسئلة عن أهم المرشحين لخلافته.
ورغم أن أغلبية المحللين يعتبرون أنه من المبكر حالياً طرح أسماء قبل انتظار التعديلات الدستورية الجديدة التي قد تؤدي إلى فتح الباب أمام بعض الشخصيات وإغلاقه أمام آخرين، كما أن الفترة المقبلة التي ستشهد تطورات في الحراك السياسي ستحصد منه بعض القوى ثمار 'ثورة الشباب' وستخفق أخرى، فإن قراءة المشهد السياسي الحالي تكشف في كل الأحوال ارتفاع حظوظ أربعة من الرموز السياسية.
1- عمر سليمان:

نائب الرئيس الذي صعد إلى موقعه في محاولة من مبارك لاحتواء غضب المحتجين ضده يظل هو المرشح الأوفر حظاً وفق السوابق التاريخية في مصر منذ ثورة 1952، حيث تم انتقال السلطة مرتين إلى نائب الرئيس.
غير أن التطورات خلال الأسبوع الذي مر منذ تعيينه لم تكن في مصلحته، فقد جاء القرار وقت ذروة الاحتجاجات فاعتبره المتظاهرون 'رجل مبارك' ما دفعهم إلى إعلان رفضهم له.
إلا أن قادة في المعارضة وعلى رأسهم محمد البرادعي طالبوا في اجتماعات مغلقة بنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه، قبل الاستجابة لاقتراح فتح حوار، وهو ما أعطى إشارة إيجابية منهم تجاه الرجل.
وقبل أسابيع قليلة كان المعارضون المصريون يتداولون اسم سليمان باعتباره 'الأمل الوحيد' من داخل جهاز الدولة لوقف سيناريو توريث الحكم إلى جمال مبارك، حيث كان الجميع يتهامسون دون أن يجرؤ أحد على الكتابة - بصراحة - عن معارضة الاستخبارات التي كان يرأسها سليمان والمؤسسة العسكرية كلها لصعود نجل الرئيس.
ومع حساسية موقعه كواحد من أقوى رجال النظام التمس له المعارضون الأعذار لعدم تحديه علانية جمال مبارك وصديقه أحمد عز، خاصة أن اعتقاداً ساد بأن الاستخبارات هي المصدر لتسريبات، كانت تصل بانتظام إلى نواب مستقلين ومعارضين وكذلك لصحفيين وإعلاميين، مثلت السلاح الأقوى في مواجهة الفساد وملاحقة مجموعات رجال الأعمال الذين كانوا يسيطرون على الحكومة.
ويبقى العامل الحاسم في تعزيز فرص سليمان، بالإضافة إلى إثبات قدرته على إدارة الحراك السياسي خلال الشهور المقبلة، هو موقف القوات المسلحة والتي تعتبر الاستخبارات الموالية له جزءاً لا يتجزأ منها، حتى أن محللين اعتبروا أن الأزمة كشفت وجود ثلاثة أقطاب للمؤسسة العسكرية هم: وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان ورئيس الاستخبارات عمر سليمان.
كما لا يمكن تجاهل دور رئيس الحكومة الجديد الفريق أحمد شفيق، وهو قائد سابق لسلاح الطيران وهو معروف بأنه تلميذ مخلص للرئيس مبارك.
2- سامي عنان:

وهو ضابط مشهود له بالانضباط والنزاهة، ويشغل منصب رئيس الأركان.
وإذ كان عنان في واشنطن أثناء اندلاع الأحداث وقطع زيارته عائداً الى القاهرة، فإن عدداً من المحللين اعتبروه وثيق الصلة بدوائر صنع القرار الدولية، لكن صورة الضابط المحترف عادت لتطغى على اي انطباعات أخرى عنه.
ويسود اعتقاد واسع بأن علاقة عنان مع وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي ليست على اكمل وجه غير ان ذلك لن يؤثر على وحدة المؤسسة العسكرية.
ويرى مراقبون ان التطورات السياسية قد تقود الى خيار امساك رجل عسكري مثل عنان بدفة البلاد إذا ذهب الاتجاه نحو تسوية تحفظ حقوق الجميع معارضة ونظاماً وجيشاً حارساً للدولة.
3- عمرو موسى:

صاحب الشعبية الجارفة والذي سيترك موقعه كأمين عام لجامعة الدول العربية الشهر المقبل لينخرط فوراً في الحراك السياسي الداخلي، وهو سبق قبل عام كامل أن عبر رغم تحفظه الدبلوماسي المعتاد عن استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية مستقلاً عن كل الأحزاب 'إذا قرر الرئيس مبارك عدم الترشح' في تلميح - فهم المصريون عندئذ - أنه يعارض خطة توريث الحكم للابن الأصغر للرئيس.
وأدلى موسى بعدد من التصريحات بعد اندلاع 'ثورة الشباب' عبرت عن استعداده للعب دور سياسي وتضمنت توجيه انتقادات حادة للأخطاء في المرحلة الماضية.
وكشفت تعليقات الشارع المصري عن استمرار شعبية موسى رغم إبعاده عشر سنوات إلى براد الجامعة العربية الذي بث فيه دفئاً، ليخيب ظنون الذين رأوا أن ارتفاع رصيده لدى المواطن المصري، وهو في موقعه السابق كوزير للخارجية، يمثل 'خطراً محتملاً يجب التخلص منه'.
ولا يحظى موسى بدعم قطاع عريض من الشارع المصري فقط، لكنه يتمتع أيضاً بثقة عربية اكتسبها طوال عمله الدبلوماسي، إلا أن فترة عمله في الجامعة التي منحته أصدقاء أكسبته أيضاً خصومات مع حكومات وأطراف بالمنطقة.
4- محمد البرادعي:

رمز ' الجمعية الوطنية للتغيير' الذي التف حوله المعارضون عند عودته إلى القاهرة قبل عام كامل فتحول فجأة من موظف دولي مرموق يقود 'الوكالة الدولية للطاقة' وحاصل على جائزة نوبل للسلام إلى قائد محتمل لجبهة واسعة تضم معارضين من مختلف القوى السياسية، بما فيها اليسار و'الإخوان المسلمين' رغم ليبراليته التي قد يظهر انها صورة خادعة عنه.
ورغم أن هذا الالتفاف حول البرادعي انفض تدريجياً ودبت الخلافات بين أنصاره بسبب عدم تفرغه للعمل السياسي وقضائه أغلب وقته خارج البلاد وعدم قدرته على إدارة التناقضات في صفوف المعارضين، فإن عوامل قوته القائمة تمنحه بعض الرصيد.
ويتمثل أول عناصر قوة البرادعي في علاقاته الدولية الواسعة وسمعته التي منحته ما يشبه الحصانة أمام محاولات الإساءة إليه أو التهديدات بالبطش به وفق الطريقة التقليدية التي تستخدمها أجهزة الأمن في مصر.
ويشكك كثيرون في حقيقة ولاء قطاعات الشباب الثائر للبرادعي أو اعتباره قائداً حقيقياً لثورتهم، إلا أن الاستجابة لدعوته الثلاثاء لإلغاء المسيرة إلى قصر الرئاسة أثبتت مصداقيته لديهم، وهو ما قد يدفع ثمنه بعد ذلك، إذ يتوقع كثيرون أن يصار إلى اتهامه بالتخاذل وإضاعة فرصة الانتصار.
وتعتبر بعض الأوساط ان البرادعي هو الورقة المخفية لدى الاخوان المسلمين الذين يرفضون دعم اي مرشح عسكري للرئاسة مثلما يعارضون اي ليبرالي مثل عمرو موسى، وسيجدون في البرادعي ضالتهم، فيدعمونه للرئاسة وينصبونه واجهة يحكمون بها او يتحكمون عبرها بالحياة السياسية في مصر في سياسة 'قضم وهضم' تقودهم في النهاية الى السلطة مهما طال الزمن.