فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
في حقبة من حقب الزمان،
على أرض بلاد عريقة اسمها مصر ،
يشق أراضيها نهرٌ من أعذب الأنهار ماء
فيُقَسّم صحاريها الجرداء إلى شرقية وغربية،
ويلقي على جانبيه بإذن ربه طميا خصبا
فيستقر أهلها في وديانه يزرعون ويأكلون من رزق ربهم الكريم،
فهل يشكر الناس النعمة؟
تولى أمر هذه البلاد ملكا جبارا متكبرا يلقب بــ (فرعون)
استكبر في الأرض ودعا الناس لعبادته
باعتبار أنه هو الرب الخالق!
وكيف يخلق البشرَ إنسانٌ مثلهم ؟
وكيف يخلق ويرزق من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟
وكيف يخلق وهو فقير ضعيف إن ابتلاه الله العظيم بمرض لأقعده عن الحراك ،
ولئن قضى الله المتعال عليه الموت ليدفنن تحت التراب؟
فكيف يطلب مخلوق ضعيف من المخلوقات أن تعبده؟
وكان في هذه البلاد يسكن بنو إسرائيل الذين دخلوا مصر في عهد نبي الله يوسف عليه السلام،
واستقروا فيها،
ولما حكم فرعون هذه البلاد عاث فيها الفساد وعذب بني إسرائيل وجعلهم مسخرين يخدمونه في ذلة وصغار.
وفي أحد الأيام ،
أخبر بعض العرافين هذا الفرعون المتكبر أنه يولد في بني إسرائيل غلاما يهلك على يديه هذا الفرعون المتكبر ..
ثار الفرعون الظالم فبماذا أمر؟
أمر بقتل كل طفل يولد لبني إسرائيل!
وفي هذا الزمان المخيف شاء الله أن يولد نبيه موسى عليه السلام!
ولدته أمه وهي ترتجف خوفا ،
ماذا تفعل لكي ينجو ولدها ،
هل هناك شيئا أغلى على الأم من أولادها؟
ماذا تفعل إذن؟
جاءها وحي من الله أن ترضع موسى عليه السلام ثم تضعه في صندوق صغير وتلقيه في النهر الذي تحدثنا عنه من قبل (نهر النيل)،
كيف تفعل هذا بولدها ؟
تلقيه في النهر وهو رضيع مسكين ؟
تلقيه في النهر والنهر معروف بتياراته السريعة القوية ؟؟
تلقيه في النهر وقد كان آنذاك يعيش فيه التماسيح القوية الشرسة؟
لكن هذا هو حال المؤمن إذا خالطت بشاشة الإيمان قلبه ،
فسكن لربه واطمأن له ،
وعلم أن في أمر الله كل الخير وكل النجاة وأن الله الذي بيده كل شيء لا يضيع من والاه وأطاعه أبدا فإن في الطاعة النجاة وفي المعصية الهلاك وإن بدا غير ذلك لمن لم يعرف قدر مولاه.
فامتثلت أم موسى لأمر ربها ووحيه ،
ووضعت رضيعها ومهجة قلبها في الصندوق بعد أن أرضعته،
وسار الصندوق بأمر الله وحده تحركه التيارات بأمر الله في خضوع إلى أن وصل إلى ..إلى أين يا أولادي؟
إلى قصر فرعون عدو الله وعدو موسى نبي الله ،
قال تعالى :" فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ"
كيف يكون عدو موسى وهو رضيع صغير ؟
ألم يرد فرعون قتله ؟ فهو عدوه أيضا.
ما أن رآه فرعون الظالم حتى هم بقتله ولكن الله تعالى ألقى محبته في قلب فرعون وزوجته فلم يستطع أن يأمر هذا الأمر الظالم.
والقلوب بيد الرحمن ،
فمن شاء الله جعل له القبول في الأرض ومن شاء ألقى بغضه في قلوب الخلق،
فلو عرف المؤمن هذا ووعاه قلبه ،
امتثل أمر الله وابتغى رضاه لا يخشى في الله لوم اللائمين ولا يطلب رضا الناس بسخط الله
أين تربى موسى؟
في قصر عدو الله !!
فسبحان الله اللطيف الخبير !
ادعى فرعون أنه إله وأنه هو الخالق ،
فجعل الله عز وجل سبب هلاكه ينشأ ويأكل ويشرب في بيته !
فلو كان فرعون خالقا ومستحقا للعبادة كيف يجهل هذا ؟
هكذا يمكر ربنا بالماكرين ويستهزئ بالمشركين المتكبرين.
نعود لأم موسى التي ظلت في بيتها بعد أن امتثلت أمر ربها ،
يرتجف قلبها ويتشوق لضم ولدها،
فقالت لأخته:
تتبعي الصندوق وأخبريني أين حط رحاله ،
فامتثلت الابنة أمر أمها وتتبعت أثر أخيها الحبيب فوجدته بين يدي فرعون وجنوده ،
فما كادت تشعر بالخوف حتى استحال خوفها عَجَبًا من هذا الترحاب والمحبة التي ألقيت على قلوب هؤلاء الرجال القساة تجاة موسى عليه السلام.
وهكذا صار موسى نزيلا في القصر الفرعوني!
وكانت الفتاة تعمل في القصر،
فظلت تتابع الأحداث بذكاء لا تتدخل كي لا ينكشف الأمر،
فوجدتهم (يا للعجب) يجتهدون في البحث عن مرضعة يطعمون بها الطفل الصغير الذي لو ترك بين أحضان أمه لقتلوه بقسوة!
فسبحان الذي قلّب قلوب القساة فجعلها حانية رحيمة!
إن الله لطيف لما يشاء
وثم قامت الأخت بذكاء بطرح اقتراحا بأن تدلهم على مرضعة يتربى عندها ،
فمن تظنون هذه المرضعة؟
إنها أم موسى عليه السلام.
يا الله !
هذه المرأة صبرت وامتثلت لأمر الله فأعاد الله إليها ولدها بأمر فرعون!
كانت خائفة فأبدلها الله طمأنينة،
كانت مشتاقة لنظرة لولدها فأعاده الله إلى أحضانها،
كانت فقيرة مسكينة سترضع ولدها بلا مقابل فأعاد الله لها ولدها تستمتع بإرضاعه وتحصل على مقابل مادي فهي مرضعة في قصر الفرعون.
فسبحان الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهكذا درج موسى في بيت أمه فعرف من هو وكيف لطف الله به ،
ويحصل على مميزات لا يحصل عليها طفل مثله.
وكذا كانت أول محنة في حياة موسى عليه السلام
لال اله الا الله
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
المصدر : صيد الفوائد
بقلم : سارة بنت محمد حسن








المفضلات