حرمة تجسس المحتسب على فاعل المنكر


الحمد لله القائل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) ، وأشهد ألا وأشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه اجمعين وبعد : فإن المحتسب وهو الذي يقوم بالأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحرم عليه أن يتجسس على الناس في بيوتهم ومكان اجتماعهم ، وذلك أن التجسس عمل نهت عنه الشريعة ، وهو عمل قبيح مذموم ، والتجسس ليس من الأعمال المرضية يكرهه كل من سلمت فطرته .


ورجل الحسبة ينبغي أن يترفع عن مثل هذا العمل ، ويلتزم ما دلت عليه نصوص الشريعة المطهرة فلا ينكر إلا منكرا ظاهرا ، والظهور أمر معروف لا يحصل معه لبس ولا حسن ظن ..


ومن تأمل تعريف الاحتساب في الشريعة عرف أنه لا ينبغي لمن أراد الإنكار أن يتجسس على الناس ، لأن الاحتساب هو : أمر بمعروف ظهر تركه ، ونهي عن منكر ظهر فعله ، وقد ناقش الفقهاء هذه المسألة منهم الإمام ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعة ..، كما ناقشها الإمام عبدالرحمن الصالحي الدمشقي في كتابه الكنز الأكبر ..


فقد ذكر العلماء أن من شروط إنكار المنكر أن يكون ظاهراً من غير تجسس ما لم يكن مجاهراً، وذلك أن الإسلام ضمن للإنسان أن يعيش في المجتمع آمنا مطمئنا محترما موقرا طالما أنه سلك الطريق الصحيح المستقيم ، أما إذا حاد عن الطريق فإن الإسلام جعل لكل أمر معوج ما يناسبه من الإصلاح والتقويم .


ومن الأمور التي شرعها الإسلام لاحترام الإنسان وأمنه النهي عن التجسس عليه ، فلا يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسور الجدران أو يكسر الأبواب ليطلع على بيوت الناس ويتجسس عليهم ما لم يظهر شيء من ذلك ، لأن الله تعالى نهانا أن ندخل البيوت إلا بأذن من أصحابها ، والأصل في هذا قول الله تعالى : ( يَا أَيُهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَرُونَ ) .


والإسلام حرم النظر إلى داخل البيوت من أحد الثقوب أو الفتحات ، وأسقط الشارع الحكيم حد القصاص والدّية عمن فعل ذلك ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو القاسم : ( لو أنَّ امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ) .


أما إذا جاهر الشخص بمعصيته سواء كانت مرئية كأن يخرج عند بابه ويضع الفيديو إلى جواره وفيه أفلام خليعة .. أو كانت مسموعة كأن يضع بآلة التسجيل شريطا به غناء ماجن أو موسيقى وغيرذلك ، أو كانت مشمومة كأن تظهر رائحة الخمر والمسكر بحيث يشمها من هو خارج المنزل أو قريباً منه ، ويتكلم معه ، فإنه إذا فعل ذلك يكون قد أضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له ، ويكون بذلك قد عرض نفسه للإهانة والردع .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله حيث يقول : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) .
وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله ، فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه ) .
قال ابن بطال : ( في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبصالحي المؤمنين ، وفيه ضرب من العناد لهم ) .


ومن خلال ما تقدم يظهر جليا أن الأدلة الواردة في النهي عن التجسس إنما هي خاصة بمن لم يجاهر بالمعصية ، أما من يعلن معصيته ويجاهر بها ، فإنه يشرع للمحتسب الاحتساب عليه ، وذلك لردعه وكف شره ، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصاب من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله ، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ( إنا قد نُهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به ) .
وهناك أحاديث نبوية شريفة تدل على حرمة التجسس منها :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولاتجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ً).
وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ،ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتَبّع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ) .
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم ) .