
حب المراهقين:
الحبُّ، كلمة تذوب معها القلوب وتهيم بها الَّنفوس، وقد تحولت هذه الكلمة بكل أسفٍ إلى شيء آخر بعيدٍ كلَّ البعد عن معناها الرَّاقي، أصبحت نظرات، وخطوات، ولقاءات، وفي النَّهاية ضياع، وعندما دخلت تلك الكلمة عالم المراهقين، ضاع بسببها فتيات خسروا مشاعرهن الرَّقيقة وأشياء أخرى، وتخلَّى بسببها أولادٌ عن أهدافٍ أخرى أجلُّ وأعظم، فتاهوا في غياهبِ الحياة، حصروا الحبَّ في وردةٍ حمراء، ودُمَى ملونة، وقلبين يخترقهما سهم! واختلاس اللقاء، والكلام المعسول، وإهمال الدِّراسة، وضياع المستقبل، فزادت في الآونة الأخيرة، وبصورةٍ ملحوظةٍ العلاقاتُ غير المشروعة بين أولاد المدارس،
وخاصةً الإعدادية والثَّانوية، وهذه دعوة لكلِّ أسرةٍ لديها أبناء وبنات في سن المراهقة، لحمايةِ أولادهم لئلا يندفعوا في عواطفهم وينجرفوا وراء حبٍّ وهمي، تضيع معه أشياء جميلة، لا يفيد النَّدم عليها بعد فوات الأوان.
تؤكد( هدى محمَّد: الأخصائية الاجتماعية بإحدى المدارس الثَّانوية) زيادةَ أعداد تلميذات المدرسة اللاتي يعقدن علاقاتٍ خاطئة مع تلاميذ المدارس الأخرى، وترى أنَّ هذه الظاهرة تفشَّت بصورةٍ مخزيةٍ تستوجب حملةً مكثفةً من الدَّاعيات بالمساجد لاستيعابهنَّ، والأخذ بأيديهنَّ إلى طريق العفة والطَّهارة.
بنت سهلة
هذه قصة حزينة ترويها (رنا: 16 سنة) فتقول: تعرفتُ على فتى من المدرسة الثَّانوية المقابلة لنا، حيث ينتظر الأولادُ البناتِ، وقد حاول أنْ يكلمني أكثر من مرةٍ، ولم أعره أي اهتمامٍ رغم فضولي لسماع كلامه، والتَّحدث معه، ولكنَّ رغبتي في الحفاظ على نفسي ومشاعري كانت أقوى، خاصةً أنَّ معظمَ البنات من حولي يتعذبن بنار الحبِّ، ولوعة الفراق، ولكن للأسف انهارت مقاومتي مع إصراره على التعرف إليَّ، عندما قالت لي إحدى صديقاتي، إنَّه يجب ألا أستمرَّ في هذا العناد حتى لا ينصرف عني، وإنَّه من الطَّبيعي أنْ أتعرف إلى فتيان لكي أعرف كيف يفكرون، ولن تكون العلاقة أكثر من صداقة عادية.
وتضيف (رنا): حدث ما كنتُ أخشاه، ووقعتُ في غرامه حتى أصبحت لا أقوى على فراقه، وكنت أنتظر اليوم الدِّراسي بفارغ الصِّبر،ليس لأنِّي مجتهدة وأحب العلم كما كنت، ولكن لكي أخرج معه، وانزلقتُ في هوةٍ سحيقةٍ من الأخطاءِ والآثامِ، وبعد أنْ فتحت الباب على مصراعيه لحبي ومشاعري وسلمتها له، أفقتُ على صدمةٍ هزَّت كياني بعد أنْ تركني دون أن يُوضِّح لي السَّبب الذي عرفته فيما بعد من أحد أصدقائه، حيث ملَّ من علاقتنا وتساهلي معه، ولا أستطيع أنْ أصف مدى الهوان الذي شعرتُ به، والنَّدم الذي اجتاح كياني ولكن بعد ضياع كلِّ شيء.
سرقة بسبب الحبِّ
وتحكي (إيمان: 15 سنة) قصتها المريرة من نهايتها وتقول: لقد أصبحتُ أكذب على أهلي كي أتمكَّن من الخروج ومقابلة مَن تعرفتُ عليه، وجمع بيننا الحبُّ، ولم يكن الكذب فقط هو ما أوصلتني إليه تلك العلاقة، بلا جعلتني أمد يدي إلى نقود أمي وإخوتي كي أُعطيها لفتاي، والذي بدأت معرفتي به عند إحدى صديقاتي، فهو صديقٌ لأخيها، تبادلنا نظرات الإعجاب من أول لحظة، وسرعان ما تطوَّر الإعجاب إلى حبٍّ اكتوينا به رغم عدم معرفتنا لمصيره، فهو لم يكمل عامه الثَّامن عشر، وأنا ما زلت في المرحلة الثَّانوية، وزادت لقاءاتنا بعيدًا عن رقابةِ الأهل، وزاد اختفاء الأشياء من المنزل دون أن ينتبه أحدٌ، فكلٌّ له حياته الخاصة، ولا نكاد نرى بعضنا البعض إلا في المناسبات والأعياد، ولا أعرف كيف انحدرت إلى هذه الحفرة العميقة من سوء الأخلاق، ولا أستطيع التَّفكير في كيفيةِ الخلاص من هذا المأزق، خاصةً أننا نحلم بالزَّواج بعد انتهائه من الدِّراسة وتحسن ظروفه المادية وأنا أنتظر!
خطوات الشَّيطان
وللعجب يقدم (ماجد: 17سنة) نصيحة لأخته بأن تُحذِّر من وسائل الفتيان في الوصول إلى أي فتاةٍ، والتي تبدأ بكلامٍ جميلٍ وغزلٍ رقيقٍ، لا يكون إلا مقدمة للاستهتارِ بمشاعر هذه الفتاة والتَّسلية لبعض الوقت، ثمَّ تركها بعد ذللك للألم والعذاب، ويقول: للأسف تساهل البنات ورغبتهن في جذب انتباه الفتيان هو ما يشجعنا على مصاحبتهن.
أمَّا (خالد: 16 سنة) فلكثرةِ البنات التي عرفهنَّ، أصبح لا يثق في أي فتاةٍ، ولا يظن أنَّه سيستطيع الزَّواج في يومٍ من الأيام من فتاةٍ لم تعرف قبله أحدًا، ولا ينكر أنَّ هذا المفهوم الوهمي للحبِّ لا يضر البنات فقط، ويجعل الأولاد في مأمن، بل إنَّه يؤثر سلبيًّا على تفكيرهم واختيارهم لزوجة المستقبل.
صديقة لابنتي
سمر لديها ابنتان في عمر المراهقة (14 سنة، و12 سنة) تؤكد أنَّ صداقةَ الأم لابنتها في تلك المرحلة من أكثر العوامل التي تجعل الفتاة بمنأى عن أي علاقاتٍ خاطئة، وانشغال الأم ليلاً ونهارًا عن أبنائها وهم في هذه السِّنِّ الحرجة هي التي تؤدي بهم إلى الضَّياع، ومن الضَّروري أنْ تتابع الأم سلوك أبنائها لتشجع الصَّحيح وتُقوِّم الخطأ، ومن الخطر الشَّديد أنْ تترك الأم العنان لأبنائها لمشاهدة ما يحلو لهم من أفلامٍ ومسلسلاتٍ، يندسُّ فيها السمُّ في العسل، وتختلط فيها القيم والمفاهيم، وتكون من أسباب ضياع الأبناء.
نفسية المراهق
يوضح (د. حاتم آدم: استشاري الصِّحة النَّفسية) أنَّ السبب وراء انتشار هذه العلاقات بين الفتيان والفتيات، هو الضَّجة الإعلامية الفظيعة التي تُثار حول موضوع الحبِّ والعلاقة بين الجنسين، فتصور أنَّ الفتى (لازم يحب بنت) وأنَّ (البنت التي لا تحب هي فتاة معقدة) ويتمُّ تصوير هذه النَّماذج بصورةٍ محببة، تشرح لكلا الطَّرفين كيف يكون اللقاء دون أنْ يراهم أو يسمعهم أحد، لكن للأسف هذا كلام غير صحيح، وخطأ كبير بل جريمة لا تُغتفر في حقِّ الفتيان والفتيات، لأنَّ هذا تضييع للوقت، وتمثيلية هزلية يظهر فيها الفتى بمظهر العاشق الولهان الرُّومانسي، صاحب المشاعر المتدفقة، والبنت الرَّقيقة، الحسَّاسة، الذَّكية التي تعيش قصة حب حالمة، وتساعد وسائل الإعلام بشكلٍ أكبر في إزكاءِ لهيب هذا المفهوم لدى المراهقين والشَّباب بإعداد جيشٍ من الأغاني والأفلام، وكلِّ ما من شأنه إلهاب المشاعر والعواطف، وإذا نظرنا إلى تحليل نفسية المراهق وجدنا أنه سن اندفاع العواطف وأخلاق الفرسان، وقد يقع المراهق في الحبِّ بإخلاصٍ وتفانٍ وعطاءٍ ووفاءٍ للعهد، ولكنه يكون في حيرةٍ من أمره، ولا يدري إلى أين سيصل به هذا الحبُّ!وعلينا أنْ نحترم عواطفِ أبنائنا المراهقين وألاَّ نسخر منها، فهي فطرة، وطبيعة مرحلية لا بدَّ من مرورهم بها، ويجب تهذيبها، وتوجيهها إلى مسارها الصَّحيح؛ حيث تكون لدى المراهق في هذه الفترة طاقة عظيمة لا بدَّ من إخراجها فيما يُفيد، مثل النَّشاط الرِّياضي الذي يُفرِّغ فيه طاقته البدنية، والهواية المفيدة التي تشغل عقله وتفكيره، وكذلك النَّشاط الاجتماعي حيث ينخرط في مجتمعٍ صالح يمارس فيه أنشطة اجتماعية مفيدة، تكسب شخصيته صلابه وقوة.
وينصح (د. حاتم) كلَّ فتاة ألا تُضحي بسمعتها وشرفها من أجل كلماتٍ معسولة، يذهب بريقها بمجرد تسليم قلبها لمَن أراده، ومشاعر الإنسان وعواطفه هي أغلى ما عنده فلا تُعرضيها للبيع بسعرٍ رخيص، وعلى كلِّ فتاةٍ أن تحفظ مشاعرها واحترامها لنفسها، وتصون كنزها الغالي لمَن يستحقه، وأخيرًا لا بدَّ من وجود هدفٍ جيد في حياةِ المراهق يسعى لتحقيقه ويشغل وقت فراغه فيما يفيد، حتى لا تظل رأسه فارغة ويقع في مثل هذه العلاقات الخاطئة.
التَّفكك الأسري
يؤكد ( د. علي ليلة، رئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس) أنَّ نماذج الحبِّ بين المراهقين قد انتشرت بشكلٍ كبيرٍ، فلا نكاد نرى مدرسة إعدادية أو ثانوية ولا يسير أمامها الفتيان مع الفتيات، غير المقابلات الخارجية، والاتصال بالهاتف، والمحادثة عبر الإنترنت وغيرها من المحاذير التي قلبت كيان الأسرة، ومفهوم الأخلاق والتَّربية، وتتزايد هذه العلاقات بسبب تأجج مشاعر المراهقين، وكثرة الضُّغوط والإغراءاتِ التي لا يسلم منها الرَّجل والمرأة النَّاضجين عقليًّا ونفسيًّا،فما بالنا بمراهقٍ ما زال في بدايةِ فهمه للحياة ومعنى الحبِّ والعاطفة!
فالفتى والفتاة في هذه السِّنِّ، في سعي دائم لإشباع حاجات نفسية واجتماعية كثيرة، منها القدرة على إظهار المشاعر، والإحساس بالحبِّ، والقبول من الآخرين، وإذا لم يجد الحبَّ والحنان والاحتواء داخل الأسرة، فمَن المؤكد أنَّه سيبحث عنه خارجها، وسرعان ما تنجرف الفتاة بشكلٍ خاصٍّ إلى سماع كلماتِ الحبِّ، وعباراتِ الشَّوق والهيام، من أول شخصٍ يُقدمها لها، ويُكثر الفتى من مغازلةِ البنات، والتعرُّض لهنَّ لعدم تمسكه بقيمٍ أو مثل، ممَّا يدل على تفكك الأسرة، ورغبة في البحث عن بديل آخر يستمع إليه، ويحنو عليه، ويحبه، ويكون مصدرًا للعطف والحنان، وكذلك فإنَّ المجتمعَ ساعد كثيرًا على دخول المراهقين في هذه العلاقات، ما بين مدرسةٍ لا تقوم إلا بعمليةٍ تعليميةٍ بحتة خالية من أي أسس تربوية سليمة، ووسائل إعلام هدَّامة تقدم كلَّ ما لذَّ وطاب من أفلامٍ، وأغانٍ، ومسلسلاتٍ تتضمن للأسف مفاهيم خاطئة، وتبث قيمًا زائفةً عن الصَّداقة، والحبِّ، والاختلاط بين الفتى والفتاة، حتى أصبح الشُّغل الشَّاغل لكلِّ فتى أن يُعاكس فتاة أو يصاحبها، والشُّغل الشَّاغل لكلِّ بنتٍ أنْ تهيم في قصةِ حبٍّ رومانسية، وهي تسمع أغاني العشق والغرام.
والمراهق من طبعه الميل إلى التَّقليد، ومع تكرار تلك الصُّور بشكلٍ مستفز، فإنَّ المراهق للأسف لا يسلم منها، ويميل إلى تقليدها، وعلى الأسرة أنْ تحافظ على أبنائها، وأنْ تتفهم حاجاتهم ومشاعرهم في تلك المرحلة الخطرة، وعلى كلِّأمٍّ أنْ تحتوي أبناءها، وعلى كلِّ أبٍّ أنْ يتقرب من أولاده، ويكون كلٌّ منهما الحضن الدَّافئ، ومصدر الرَّاحة والأمان، فضلاً عن إظهار مشاعر الحبٍّ بكلمات وأفعال، بحيث لا يحتاج المراهق إلى البحث عن مصدرٍ آخر للحبِّ قد يكون فيه ضياعه.
الإيمان والحب
ويبين (د. أحمد الشَّحات موسى، أستاذ علوم القرآن بجامعة الأزهر) أنَّ الحبَّ قيمة اجتماعية، وخلقية كبيرة، لا يمكن لأحد أنْ ينكرها، فالحبُّ ضدُّ الكره، والكره منفر ومكروه، ولكن أي حبٍّ نتحدث عنه؟ الحبُّ الذي نريده هو ما أشار إليه القرآن الكريم والسُّنة النبوية المشرفة حيث قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [31: آل عمران] وقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما).
فاللفظ والمفهوم يدعوان إلى شيء طيب وقيمة عظيمة، ولكن للأسف تشوَّهت هذه القيمة للأننا سمينا الأشياء بغير أسمائها، فأصبح اللفظ (حبٌّ) ولكن المفهوم من ورائه شيء آخر، قد نُطلق عليه إفساد للأخلاق، نزوة، أو شهوة، أو أي شيء إذا جُرِّد يكون قبيحًا ومكروهًا.
والحبُّ بين المراهقين بمفهومه الماديِّ الحسيِّ فقط، مفهوم وفكر دخيل على البيئة الإسلامية، فباسم هذا الحبِّ تُرتكب الموبقات والآثام بين الشَّبابِ والمراهقين، بل والمتزوجين أيضًا، وباسم الفنِّ الذي يُقدَّم هذه النَّماذج العبثية تُهدم الأخلاق ويتزعزع الكيان الدِّيني والخلقي للأسرة والمجتمع، ومن المؤسف أنَّنا أصبحنا نقبلُ كلَّ ما يرد إلينا من مفاهيم وأفكار ونعتبرها راقية، ولا نستطيع الاستغناء عنها، وهي تصدر إلينا من ناسٍ لا يقدسون دينًا أو خلقًا،وإنَّما هم عبدة لأهوائهم وشهواتهم، ولا يمكن أنْ تستقيم مفاهيم غربية مستوردة مع قيمٍ دينيةٍ أصيلة، لو لم يأتِ بها الشَّرع لأوجبها العقل الذي يُقدس العفةَ، والكرامةَ، واحترام الآخرين، فضلاً عن تدنيس سمعتهم والإلقاءِ بها إلى الحضيض، وما وصل أبناؤنا إلى هذا التَّدني وهم في سنٍّ مبكرةٍ إلاَّ بسبب هذه العوامل، وكذلك إهمال الأسرة لقيم دينها، فمن واجب الأسرة المسلمة أنْ تهتم بدينها، وخلقها، وقيمها وتراثها، وأنْ تفهم الأمور كما ينبغي، وتبينها لأبنائها، وتوضح لهم الصَّواب من الخطأ حتى تصل بهم إلى برِّ الأمان.
أسباب حبِّ المراهقين:
1. الفراغ الدِّيني والخُلقي (قلة الوازع الدِّيني).
2. الفراغ النَّفسي.
3. الفراغ العاطفي.
4. الفراغ الفكري (العقلي).
5. وقت الفراغ.
6. التَّربية.
7. الاعلام
اعزروني علي الاستطاله نظرا لاهميه الموضوع
المفضلات