تأملات ساخرة "13": مشجع الراسينج القاتل، والشغف الذي لا ينتهي
جريمة قتل يتم التحقيق فيها بالأرجنتين، تم البحث فيها في إحدى مكاتب وزارة العدل عن أي سر أو دليل يقود للجاني فتم الفشل بجميع الأشكال في العثور على طريق له.
بحث أحد الموظفين عن صور سابقة للضحية فوجد شخص دوماً ما كان ينظر لها في الصور وعرف بعدها أنه كان يعرفها منذ أيام الطفولة، شك الموظف في أن يكون هو القاتل ولكن تم الاكتشاف أنه غير محل سكنه، ولم يفيد أحد فريق التحقيقات بأي شيء عن مكانه وحتى الرسائل التي تم العثور عليها بين القاتل و والدته لم تكن تشير لأي شيء.
وبعد فترة طويلة من البحث المضني وجد الموظف صديقه بالمكتب يعنف نفسه وزميله على الفشل في الوصول لتفصيلة بسيطة يمكن أن تقودهم لمكانه فقال له أنه يوجد بالرسائل ما يشير إلى أن القاتل يشجع فريق راسينج كلوب في الأرجنتين.
عبر صديقه وزميله بالمكتب عن النقطة التي غابت عن أذهانهم: " إن الرجل في عرضة للتغير بأي شيء ..إلا أمر واحد لا يمكن أن يتغير فيه فهو الشغف، عندما تتعلق بأمر ما لا يمكن أن تبتعد عنه مهما تغيرت وظيفتك أو حياتك ودخلت فيها أموراً جديدة، التردد على مكان ما، هواية تفعلها كل يوم، اللقاء بأصدقاء".
ولكي يوضح أكثر قال: " الرجل يستطيع أن يغير أي شيء في حياته: شكله، منزله، عائلته، صاحبته، دينه، ربه لكن هناك شيء واحد لا يستطيع تغيير، إنه ما يعشقه، إنه الشغف".
ولذلك تمت ملاحقة جميع مباريات نادي الراسينج كلوب في الأرجنتين لعل وعسى يتم رؤية القاتل في إحدى هذه المباريات، وبالفعل تم إيجاده هناك فرغم تورطه في عصابات قتل ومخدرات بالأرجنتين لكنه فشل رغم كل هذا في أن يبتعد عن هوايته في التردد على ملعب الفريق الذي يشجعه ليدعمه خاص إذا كانت المباراة أما الإنديبدينتي الغريم التقليدي.
" لم يفز راسينج بأي شيء منذ 9 سنوات، لكن الشغف هو الشغف وليس بيدي أن أغيره".. وتعتبر العداوة والتنافس بين الإنديبدينتي والراسينج هى الأكثر قوة في الأرجنتين بعد العداوة الشهيرة بين الريفير بليت والبوكا جونيورز، ويتم إطلاق اسم "الأفيلانديا ديربي" على المباراة بينهما، ويعتبر الراسينج صاحب ثالث أكثر شعبية بالبلاد والإنديبدينتي رابعاً.
والغريب أن كل فريق منهما يملك ملعباً في نفس المدينة، والفارق بين كلاً من الملعبين 100 متر فقط لا غير يلعب كل فريق على ملعبه ولا يقبل بالآخر.
فكرة مثيرة للتأمل، أنه إذا ما فكر شخصاً ما أن يرتبط بشغفه وهو عند مشجعين كرة القدم الفريق الذي يشجعه، ولا يستطع مهما تبدلت حياته وتبدل هو شخصياً ومن حوله أن يمتنع عن شغقه الخاص بمشاهدة فريقه كل أحد مثلاً.
وهنا نرى أن هذا الشغف عند مشجعين كرة القدم لا يرتبط بعقد أو بأي تبادل مادي نفعي أو غيره من أنواع التبادل المختلفة بين طرفين، فهو لا يستطيع أن ينهيه ولا يحصل على فائدة مادية ملموسة من هذه العلاقة، لذلك بقت هى دوماً الشيء الثابت في حياته والتي تتخلص فيها من كل العلاقات النفعية وأمور الحياة اليومية التقليدية التي تؤمن فقط بـ: " خد وهات"، "خذ وأعطي".
وتبقى بالنسبة لك هى الحديث المفضل حتى في وقت العمل أو أثناء السفر والارتحال والحديث مع الأصدقاء والأقارب، وعندها أيضاً تتخلص من موضعيتك وحياديتك ونرى وجهاً مختلفاً يتعصب لفريقه ولاعبين فريقه بشكل مفاجيء وعجيب لا يعكس صورتك الحقيقية مهما كانت راقية، إنه فقط الشغب وحسب!.
*قصة مشجع الراسينج مقتبسة من أحداث الفيلم الأرجنتيني" السر في عيونهم"، أعتذر لسهوي عن عدم ذكر ذلك بالبداية وعدم إعطاء اهتماماً كبيراً بالأمر، وهو من كتابة وإخراج جوزيه كامبانيلا، عمل رائع ويستحق المشاهدة.








المفضلات