الحمد لله رب العالمين ، الذي ميز الهداية عن متاهات الغواية ، وبين محاسن الأخلاق الإيمانية ، وجعلها مدارج صاعدة إلي جنانه ، مفتوحة أمام أولي الهمة من العابدين .
ثم الحمد لله والصلاة والسلام علي نبينا محمد أفضل وأزكي من حرص علي هذه الأخلاق فكان أسرع السالكين
وأول الواصلين ,
منزلة الخشوع كيف ولكن
قال الله تعالي ’ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق’ الحديد 16
وقال الله جل شأنه ’ قد أفلح المؤمنون*الذين هم في صلاتهم خاشعون’المؤمنون 1.2
والخشوع في أصل اللغة :
هي الإنخفاض والذل والسكون
قال تعالي ,وخشعت الأصوات للرحمن’طه 108
أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وإنخفاضها وعدم إرتفاعها بالري والنبات
قال تعالي.. ومن آياته أنك تري الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء أهتزت وربت..فصلت 39
والخشوع ايضاَ :
هو قيام القلب بين يدي الرب بالخشوع والذل والجمعية عليه
وقيل بعض السلف أن الخشوع هو الإنقياد للحق والله اعلي واعلم
وأجمع العارفون علي أن الخشوع محله القلـب
وقيل أن الخشوع هو خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب.
والخشوع والله إنما هو تذلل القلوب لعلام الغيوب .
وقال بعض الصحابة ومنهم حذيفة رضي الله عنه يقول / إياكم وخشوع النفاق فقيل له وما خشوع النفاق
قال أن تري الجسد خاشعاً والقلب بيس بخاشع .
ورأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة فقال. ياصاحب الرقبة ارفع رقبتك
ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.
وقال حذيفة رضي الله عنه أول ما تفقدون من دينكم الخشوع ،وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة
ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا تري فيهم خاشعاً.
لأن من يخشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.
وجماع الخشوع إنما هو التذلل للأمر والإستسلام للحكم والأتضاع لنظر الحق
التذلل للأمر . تلقيه بذلة القبول والإنقياد والأمتثاال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والإفتقار إلي الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل
أما الإستسلام للحكم الشرعي : فبعدم معارضته برأي أو شهوة .
وأما الأتضاع لنظر الحق فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه علي تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في :
قال تعالي .. ولمن خاف مقام ربه جنتان. سورة الرحمن 46
وقوله عز وجل , وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوي.. النازعات 40
وهو مقام الرب علي عبده بالإطلاع والقدرة والربوبية .
فخوفه في هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة
وكلما كان أشد استحضاراً له كان أشد خشوعاً
وإنما يفارق القلب إذا غفل عن إطلاع الله عليه ونظره إليه.
هذه سطور يسيرة لمعرفة الخشوع وكيف نخشع لله سبحانه وتعالي
نفعنا الله واياكم بالعمل والعلم الصالح.
المصدر كتاب تهذيب مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجوزية
وهذبه شيخنا عبد المنعم صالح العلي العزي
ولله الحمد والمنة .