؛*؛ ( نـــداء استغاثة ) ؛*؛



* ؛ * ؛ * ؛ *



قصة قصيرة



تجمعت الغيوم فى السماء وتزاحمت فوق بعضها البعض حاجبه أخر شعاع للشمس - قبل اختفاءها عبر الأفق - تحت غياهب السحب المُتكدسة بالسماء ، ومنذره بهطول سيل مُتدفق من الأمطار على تلك المدينة الساحلية الصغيرة...
رغم أن الوقت لم يكن مُتأخراً إلا أن الشوارع كانت شبه خالية من المارة والسيارات مما أضفى على المدينة لمسة من الهدوء والسكينة لم يبدد صفوها سوى صوت أبواق السفن بذلك المرسى القريب ، وصفير الرياح العاتية من حين لأخر...

وعلى رصيف الميناء ، وقفت فتاة فى مُنتصف العشرينات من عمرها ، غير مباليه بذلك الطقس الردئ ، تتأمل السماء الرمادية وذلك الشعاع الذهبى الذى يلح باصرار فى الخروج من سرادق الغيم دون جدوى !
وحينما أحنت رأسها قليلاً سقطت نظراتها مباشرة على مياه البحر الداكنة بأمواجها المُتلاطمة فى شراسة... ولأوّل مرّة فى حياتها يبدو لها البحر عميقاً ومُمتداً بلا نهاية ، وأمواجه التى طالما وقفت تتأملها شاعرة بنشوة كبيرة بدت لها فى تلك اللحظة كأنياب وحشٍ مُفترس تلتهم كل ما يقابلها بلا رحمة !
سرت فى جسدها قشعريرة باردة وودت لو ابتعدت عن الرصيف ، غير أن شيئاً ما كان يجبرها على الوقوف والانتظار...

وبينما كانت فى ذلك أقترب منها رجلاً قصير القامة ، ذقنه مُلتحية بعض الشئ وقد زحف الشيب إلى بعضها فأضفى عليه هيبة ووقاراً...
اتجهت الفتاة بنظراتها إليه وراحت تراقبه فى لهفة وهو يقترب منها بخطواته الهادئة ، وما أن صار أمامها حتى بادرته بالسؤال :
" هل من جديد ؟ "
غير أن نظرة واحدة بوجهه كانت كافية لأن تدرك الجواب !

أطلقت تنهيدة قصيرة غلبها اليأس وأطرقت برأسها أرضاً فى أسى لبعض الوقت ، فأتاها صوته ينتزعها من شرودها :
" أذهبى لتجلسى بالداخل قليلاً... سأعد لكِ القهوة لتستعيدى بعض الدفء . "
هزت رأسها نافية بطريقة لا تقبل الجدل ؛ فما كان منه إلا أن هز كتفيه وعاد فى هدوء من حيث أتى ؛ كان يدرك أن جداله معها لن يأتى ثماره ؛ فهى عنيدة وصعبة المراس ، أضف إلى هذا التوتر والقلق اللذان ينهشان قلبها بلا رحمة فى تلك اللحظة !
راقبته ببصرها وهو يتجه نحو البناية القريبة من المرسى فيما راح الرصيف الخشبى يصدر صريراً خافتاً أشبه بالأنين أسفل خطواته الهادئة !

روادتها رغبة عارمة فى الذهاب خلفه والاحتماء خلف جدران هذه البناية من ذلك البرد القارس الذى ينخر عظامها ،، وتلك الرياح الهوجاء التى تعصف بها وتبعثر وشاحها حول وجهها فى إصرار ، غير أنها لم تلبث أن وأدت رغبتها تلك قبل حتى أن تولد وعادت تحدق فى مياه البحر مجدداً...
لقد وعدته بأن تنتظره لأخر لحظة فى حياتها وهى لن تنكث وعداً قطعته له أبداً... وستظل بمكانها تراقب السفن القادمة لعلها تجد سفينته بينهم...
أفاقت من أفكارها على قطرات المياه التى راحت تتساقط فوق رأسها ، رفعت رأسها إلى السماء كما لو كانت تعاتبها على زخات المطر التى بللت ثيابها ، غير أن تلك القطرات لم تكن سوى تمهيداً لسيل مُتدفق من الأمطار الغزيرة... بدا لها كما لو أن صنابير السماء قد انفتحت ملء عنانها فى تلك اللحظة ، فراحت مياه الأمطار تغمرها وتغرق ملابسها ،، وقطع الثلوج الصغيرة تضرب رأسها بقوة من حين لأخر !

استسلمت أخيراً وتوجهت إلى داخل البناية بخطوات سريعة فيما ظلت تفكيرها مربوطاً عند رصيف الميناء !
كان ينتظرها نفس الرجل بالداخل حاملاً معطفه الثقيل وما أن دلفت إلى الغرفة حتى لفه حولها ثم أنصرف عازماً إعداد القهوة لها لعلها تساهم ولو بقدر ضئيل فى بث الدفء إلى أطرافها الباردة !
توجهت ببطئ إلى أقرب مقعد وثير إليها وألقت بجسدها عليه فغاصب بداخله ونظراتها مُثبته على الباب الذى عبره الرجل منذ لحظات...
وبدون أن تشعر تدفقت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة ، وراحت تسبح فى بحرٍ عميق من الأفكار اللانهائية... فتراءت لها بعض الصور مشوشة غير واضحة المعالم...

كانت تجمع ثيابه الثقيلة فى تلك الحقيبة الصغيرة التى بالكاد لبعض قطع الثياب القليلة ودموعها تكاد تحجب الرؤية أمامها من غزارتها... فإذا به يقبل إليها ويضمها إلى صدره فى عطف ويهمس بأذنها ببعض عبارات المواساة والتشجيع والتى لم تكن لتساهم ولو لواحد بالمائة فى تحسين حالتها !
تتجه بعد لتودعه عند الباب ثم تغلق الباب خلفه وتتجه إلى النافذة لتراقبه وهو يتجه نحو الميناء بخطوات واسعة حاملاً معه حقيبته الصغيرة ، فتختلط نظراتها إليه بالعبرات المريرة حتى يغيب ويتوارى عن بصرها نهائياً...
تلاشت تلك الصورة وسط الضباب وأحتلت مكانها صورة أخرى أكثر بؤساً...

كانت تتقلب فى فراشها دون أن يعرف النوم طريقه إلى مقلتيها حينما أرتفع رنين الهاتف لتهرع إليه وتلتقط سماعته وتضعها على أذنها ، فيأتيها صوت الطرف الأخر والذى لم يكن سوى إحدى العاملين بالميناء يخبرها بأن السفينة التى سافر على متنها أنقطع الأتصال بها وصارت مفقودة !
وأنهارت أحلامها دفعة واحدة مع صوته...
كانت تعلم أن تلك اللحظة آتية لا محال ، غير أنها لم تتوقع أن يكون أثرها غائراً وعميق بقلبها هكذا !
طالما عارضت عمله على متن تلك السفينة ، غير أنه كان يعشق البحر ويرفض التخلى عن عمله برغم ما يتعرض له من مخاطر خلاله...
ورغم كل شئ قبلت به وتزوجته على أمل أن يغير رأيه ذات يوم... غير أنه لم يغير رأيه ، بل ولم يبد عازماً على ذلك...
وها قد حدث ما كانت تخشاه... وصار فى وسط البحر مفقوداً... والله وحده يعلم ماذا حدث له ؟! وأى خطر يواجه فى تلك اللحظة ؟

ومرت الأيام والأسابيع وفقد الجميع الأمل فى عودة السفينة ذات يوم أو تلقى منها أى أتصال ، غير أنها لم تفقد الأمل فى عودته ، كانت واثقة أنه سيعود إليها ذات يوم... لقد وعدها بأن يعود ، وهى تثق فى وعده ثقة كاملة !
أفاقت من أفكارها على ضوء البرق فتسللت بنظراتها إلى النافذة الزجاجية وراحت تراقب ضوء البرق الخاطف وتستمع إلى دوى الرعد فى ثبات دون أن يطرف لها جفن ، حتى بدأ النوم يتسلل إلى مقلتيها من شدّة الأرهاق ؛ فلم تلبث جفونها أن تراخت وانسدلت فوق عينيها رغماً عنها واستغرقت فى نومٍ عميق !

فى تلك اللحظة عاد الرجل حاملاً معه فنجان القهوة الساخن فراحت الأبخرة تتصاعد منه حاملة معها رائحة القهوة التركية المميزة !
فتح الرجل فمه وهم بقول شئ ما غير أنه لم يلبث أن أطبق على شفتيه وتوقف بمكانه وراح يتأملها فى عطف بينما كانت تغط فى سُباتٍ عميق...
وبينما كان فى ذلك إذا برئيسه يستدعيه قاطعاً عليه تأملاته ، فما كان منه إلا وضع القهوة فوق طاولة قريبة ثم أتجه مُغادراً الغرفة بخطواته الهادئة وحذائه يصدر صوتاً رتيباً على الأرضية الملساء ويخفت تدريجياً كلما ابتعد عن الغرفة حتى تلاشى صوت خطواته تماماً وساد السكون للحظة قصيرة قبل أن يقطعه ذلك الصوت الأتى من ركنٍ ما بالغرفة...
أو بالأدق من جهاز استقبال صغير فوق المكتب...
كان ذلك الصوت هو صوت نداء الاستغاثة المُتعارف عليه ،، وكان صادراً من إحدى السفن بعرض البحر... أو تحديداً... من السفينة المفقودة !


* ؛ * ؛ * ؛ *



تمـــــــت