أخلاقيات الإسلام تحمي الأسرة من الانهيار
يحرص الإسلام أشد الحرص على سلامة المجتمع وقوة أفراده، لينهض كل فرد بمسؤوليته الملقاة على عاتقه، من أجل النهوض بالحياة والأحياء، وحفظ النسل بوصفه احد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية؛ يعني بصفة عامة المحافظة على النوع الانساني، كما يعني بصفة خاصة المحافظة على الاسرة التي تعد الخلية الأولى في تكوين أي مجتمع إنساني سليم .
ومن هنا يهتم الإسلام بحفظ الأنساب وحمايتها من الاختلاط، ويحرم زواج المحارم؛ وهذا كله يدخل في اطار “جلب المصالح ودرء المفاسد” عن النوع الانساني، فإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى والعنصر الاساسي في تكوين المجتمع فإن الزواج هو السبيل الوحيد لتكوين الاسرة في الإسلام، وحتى تنشأ الاسرة في جو من الطمأنينة والاستقرار جعل الإسلام الزواج يقوم على علاقة المودة والرحمة، قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدةً وَرَحْمَةً” (الروم:21) .
ومن هنا حرم الإسلام الاعتداء على الحياة الزوجية واهتم بحمايتها من كل ما يزعزع كيانها، كما حرم الاعتداء على الأعراض سواء بالقذف أو بالفاحشة، وقرر العقوبات المناسبة لهذه الجرائم حماية للنسل، وحرم الإسلام الممارسات الجنسية خارج إطار العلاقات الزوجية، لما يترتب عليها من أمراض فتاكة .
إن حفظ النسل بوصفه احد مقاصد الشريعة الإسلامية يتجاوز الدائرة الإسلامية ليصب في مصلحة النوع الانساني كله، فأي خلل يصيب أي جزء من اجزاء العالم تتأثر به بشكل أو بآخر اجزاء العالم الاخرى، فالناس جميعا، كما يقرر القرآن، خلقوا من “نفس واحدة” وهذا يعني أن كل فرد في هذا الوجود يعد جزءا منتسبا لهذه النفس الواحدة .
وقد عبر بعض العلماء عن حفظ النسل بحفظ العرض: وهنا يصبح حفظ النسل والعرض صورتين من صور حفظ كرامة الانسان التي انعم الله بها في قوله تعالي: “وَلَقَدْ كَرمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم منَ الطيبَاتِ وَفَضلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً” ( الإسراء:70) .
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: إذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت من حفظ النسل أحد مقاصدها الضرورية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها فكيف يتفق ذلك مع الدعوة إلى تنظيم النسل والحد من تكاثره؟ ألا تمثل هذه الدعوة تحدياً سافراً لمقاصد الشريعة الإسلامية وخروجاً واضحاً عليها؟
ألا تتعارض هذه الدعوة مع الحديث الشريف القائل: “تنكاحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة” .
إن الاجابة عن ذلك كله تتأسس في المقام الاول على مقصدين من مقاصد الشريعة الإسلامية وهما العقل والدين .
وبداية نود أن نقول بصفة عامة إن الكثرة التي يتحدث عنها الحديث النبوي المشار إليه لا يمكن أن تكون هي مجرد الكثرة العددية التي أطلق عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصف (غثاء السيل) في حديثه المعروف: (يوشك أن تتداعى عليكم الامم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن حينئذ؟ قال: لا، فأنتم حينئذ كثير، ولكن كغثاء السيل .
والقرآن الكريم يؤكد الفئة القليلة عددا، القوية إيمانا واستعدادا في قوله تعالى: “كَم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ” (البقرة: 249)، وفي غزوة حنين كانت أعداد المسلمين كثيرة وأعجبتهم هذه الكثرة، وقالوا لن نغلب اليوم عن قلة، ودارت عليهم الدائرة على الرغم من كثرة عددهم، ويصف القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: “وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُم وَليْتُم مدْبِرِينَ” (التوبة:25) .
والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، والمراد هنا القوة البدنية والمعنوية معا .
إن كل هذه الشواهد تبين لنا خطأ فهم حديث “تناكحوا تكاثروا” على انه يعني الكثرة العددية، وفضلا عن ذلك كله فإن هذا الحديث لم يرد في أي من كتب الحديث الستة المعروفة، وهو حديث مرسل غير متصل السند .
والمسلمون اليوم يشكلون أكثر من خُمس سكان العالم، ولكن الآخرين يتحكمون في مصائرهم، فهل يعقل أن يباهي النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكثرة العددية الضعيفة التي تنبأ بأنها مثل غثاء السيل؟
إن الإسلام يرفض رفضا قاطعا تحديد النسل الذي يعني إرغام كل أسرة على ألا يزيد الانجاب فيها على طفل واحد كما تفعل بعض الدول، كما يرفض التعقيم بهدف منع الانجاب كما تفعل دول اخرى، ولكن الإسلام بوصفه دين الوسطية والاعتدال يجيز تنظيم النسل وذلك بتباعد فترات الحمل حتى يأخذ كل طفل حقه الكامل من الرضاعة الطبيعية والرعاية الأسرية







المفضلات