عيد الأضحى ...ذكريات وواجبات
نبارك للمسلمين جميعاً حيثما كانوا فوق هذه الأرض بحلول عيد الأضحى المبارك الذي نسأل الله تعالى أن يكون عيدَ خيرٍ ورحمةٍ وفرجٍ عن الأمة المسلمة في كل مكان .إنه العيد الذي يُظهر عراقة أمتنا ، وامتداد جذورها في التاريخ حيث سطر أبو الأنبياء ورافعُ لواء الإسلام سيدنا إبراهيمُ على نبينا وعليه الصلاة والسلام أروع آيات التضحية والفداء ، في سبيل تنفيذ حكم الله عز وجل والانصياع الكامل لأوامره وإن جاءت على جناح الرؤيا أثناء النوم ( ورؤيا الأنبياء حق ) ، حين اصطحب ابنه الوحيد إسماعيل ـ الشاب الذي تبتسم له الحياة ـ ليذبحه تنفيذاً لما رأى في المنام ، فلم يكن الابن أقلَّ اندفاعاً في تطبيق أمر الله عز وجل ، بل كان موقفه نادراً بين أمثاله من الشباب حين قال لأبيه حاضَّاً له على السرعة في التنفيذ ( يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) ، ولم تكن نتيجة هذه التضحية النادرة وذلك الخضوع والتسليم إلا الفداء العظيم الذي خلَّده ربنا تبارك وتعالى في قرآنه الكريم حين أشار إلى ذلك فقال: ( وفديناه بذبح عظيم ) .
وذهبت هذه القصة مثلاً يستذكره المسلمون كلما حلَّ في ناديهم عيد الأضحى ، ولكن هل وصل المسلمون في عصرنا في تطبيقهم لأوامر الله عز وجل ، وفي التضحية بشيء لا أقول من أنفسهم بل من شهواتهم إلى مرحلة قريبة مما وصل إليه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام ؟!
وقبل أن نعرف الجواب الذي ربما يكون مؤسفاً تعالوا نستعرض بعضاً من السنن والواجبات التي سنها لنا ديننا العظيم الإسلام في هذا العيد المبارك عدا صلاة العيد :
1. سنة الأضحية :
تعريفها : الأضحية لغة : اسم لما يُضحى به ، أو لما يذبح أيام عيد الأضحى . وفقهاً : هي ما يُذبح من النَّعَم ( الإبل والبقر والغنم ) تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر .
وقد شُرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلاة العيدين ، وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب : فقوله تعالى : ( فصلِّ لربك و انحر ) الكوثر , وقوله تعالى: ( والبُدن جعلناها لكم من شعائر الله ) الحج .
وأما السنة فأحاديث منها حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحبَّ إلى الله تعالى من إراقة الدم ، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نفساً ) رواه الحاكم وابن ماجة والترمذي
ومنها حديث أنس قال : ( ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين ، أقرنين ، فرأيته واضعاً قدميه على صِفََاحهما ، يسمي ويُكبِّر ) رواه الجماعة
والحكمة من تشريعها : هو شكر الله على نعمه المتعددة ، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام ، ولتكفير السيئات عنه التي تقع إما بارتكاب المعاصي أو التقصير في المأمورات ، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم ، فلا يجزئ فيها دفع القيمة ، بخلاف صدقة الفطر التي يُقصد منها سد حاجة الفقير .
حكم الأضحية :
اختلف الفقهاء في حكم الأضحية هل هي واجبة أم هي سنة ؟ فقال البعض بالوجوب ( عند أبي حنيفة ) , وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد : إنها سنة مؤكدة ، ويمكن عند الشافعية أن تكون سنة كفاية لكل البيت , ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين سمينين أقرنين أملحين ، أحدهما عن أمته ، والثاني عن نفسه وآله كما روى ذلك ابن ماجة .
ولا يكلف بالأضحية إلا المسلم الحر البالغ العاقل المقيم المستطيع .
ويشترط سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة التي تؤدي عادة إلى نقص اللحم , أو تضر بالصحة كالعيوب الأربعة المتفق على كونها مانعة من الضحية وهي العور البين ، والمرض البين ، والعرج ، والهزال ، وأن يكون قد دخل في السنة الثانية من عمره بالنسبة للغنم ، وفي السنة الثالثة للبقر ، وفي السنة السادسة للإبل .
وقت التضحية :
اتفق الفقهاء على أن أفضل وقت التضحية هو اليوم الأول قبل زوال الشمس وبعد صلاة العيد وفي وقت الضحى ، لأنه هو السُنَّة لحديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النُسك في شيء ) رواه البخاري ومسلم .
ويستمر وقت التضحية إلى آخر أيام التشريق ( أيام العيد ) عند الشافعية للحديث الذي رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عرفة كلها موقف ، وأيام التشريق كلها منحر)
ويستحب لمريد التضحية أن يذبح بنفسه إن قدر عليه لأنه قربة , كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يستطع أناب عنه غيره مسلماً لا كتابياً ويستحب أن يحضر المضحي الذبح ويدعو فيقول : اللهم منك ، ولك صلاتي ، ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لاشريك له وبذلك أُمرت ، وأنا من المسلمين . ثم يقول بسم الله ، والله أكبر ، اللهم تقبل مني .
توزيع الأضحية :
قال جمهور الفقهاء بجواز الأكل من الأضحية لمن ضحى بها متطوعاً ، وقال البعض يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويُهدي ثلثاًً ، والأفضل التصدق بالكل إلا لقماً يتبرك بأكلها .
كما يحرم بيع جلد الأضحية وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها ، ولا يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئاً منها كأجرة للذبح لكن إن أعطي منها على سبيل الهدية فلا بأس .
2. سنة التكبير :
التكبير سنة في العيدين في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت عند الشافعية , وذلك لما روى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير ، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى ) .
ووقت التكبير في عيد الأضحى يبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق عند الحنفية ، وخاصة عقب الصلوات المفروضة ، و أقل صيغ التكبير( الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ( ثنتين ) ولله الحمد ) ويُستحب أن يزيد جمعاً بين أقوال الفقهاء ( الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، مخلصين له الدين ، ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله والله أكبر ، ثم يختم بقوله اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، وعلى أصحاب محمد ، وعلى أزواج محمد ، وسلم تسليماً كثيراً ) .
3. إحياء ليلة العيد
بطاعة الله تعالى من ذكر وصلاة ودعاء وتلاوة قرآن وتسبيح واستغفار , وذلك لقوله صلى الله عليه وسلممن أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسباً ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ) رواه الطبراني في الكبير
4. الغسل والتطيب
والاستياك , ولبس الرجال أحسن الثياب ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتطيب يوم العيد ولو من طيب أهله وكان له بردة حمراء يلبسها يوم العيد كما روى ذلك البيهقي عن ابن عباس .
5 .التوسعة على الأهل
وكثرة الصدقة النافلة بحسب الطاقة زيادة عن عادته ، ليغني الفقراء عن السؤال في أيام العيد .
6. إظهار البشاشة والفرح
في وجه من يلقاه من المؤمنين ، وزيارة الأحياء من الأرحام والأصحاب ، إظهاراً للفرح والسرور ، وتوثيقاً لرابطة الأخوة والمحبة .
وأخيراً كل عام وأنتم وجميع المسلمين بألف خير ، ونسأل الله العلي القدير أن يعيده علينا وقد تحققت الآمال في ديننا ودنيانا والحمد لله رب العالمين.
..................................................





من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسباً ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ) رواه الطبراني في الكبير


المفضلات