قدسية المقام وحجر إسماعيل
إذا كان المقام هوذاك الحجر الذي كان الخليل يعلوه عند بنائه البيت كلما ارتفع جدار الكعبة، ولم يتمكن من وضع الحجارة على الجدار لارتفاعه حتى إذا تم البناء تركه مكانه إلى جانب آخر جدار تم بناؤه من جدران الكعبة المشرفة، فهوإذا يعتبر كأكبر مساهم في بناء البيت الحرام، وإذا كان الحجر الأسود يكرم لأنه الحجر الأساسي لوضع البيت، فإن المقام ينبغي أن يكرم لأنه حجر تدشين البيت.
وما يدرينا أنا أمرنا بالصلاة خلفه حفظا لمزيته، وإبقاء على شرفه.، فإن البقاع تشرف بحسب العبادة التي تقع فيها. فقد قدم هذا الحجر أكبر خدمة لبناء بيت الله وأعظم مساعدة لنبي الله فاستحق أن يصلى خلفه ليتشرف بأعظم عبادة لله. قال تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [ البقرة].
حقا، لقد اعترف الإسلام بمزية المقام ليرمز بذلك إلى أن مكافأة العاملين المحسنين، وإبرار الصالحين الصادقين من مبادئ هذا الدين.
هذا وإن مما زاد المقام شرفا تطامنه من خشية الله، فلقد ساخت فيه قدما إبراهيم فكان بذلك آية صدق نبوة إبراهيم، وعلامة واضحة على ألوهية رب العالمين، فسبحان من تهبط الحجارة من خشيته، وتلين الصم الجلاميد من هيبته.
ليس بدعا أن نقول: إن أثر قدمي إبراهيم ما زال على المقام إلى اليوم، وقديما قال أبو طالب في لاميته:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل
وما يحمل على الإنكار، وقد قال تعالى في محكم كتابه وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله [ البقرة].
وقال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [ الحشر].
وقد صح أن أحدا اضطرب تحت قدمي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: اسكن يا جبل فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان
ومما يجدر أن نلاحظه هنا أن صلاتنا خلف المقام شبيهة بسجود الملائكة لآدم عليه السلام، طاعة لله وحصول شرف وتكريم لآدم والمقام حيث وقعت دونهما عبادة الله، فزادهما الله بذلك تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما.
حجر إسماعيل
أما حجر إسماعيل فقد اكتسب الشرف من نواح عديدة، فمنها: ملاصقته للبيت ومحاذاته لها. ومنها: أن نحوا من ستة أذرع من أصل البيت هي الآن داخلة فيه ومن مساحته. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فالزقتها بالأرض ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيه ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا نقصتها حين بنت الكعبة الحديث في الصحيح.
وللحجر فضائل وميزات غير ما ذكر، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم : من قام تحت الميزاب فدعا استجيب له، وأن على باب الحجر ملكا يقول لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى رواه الأزرقي عن عطاء.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الطواف داخل الحجر لا يصح، بل من ورائه لأن ستة أذرع منه هي من أصل البيت، والطواف داخل البيت لا يصح كما أن الصلاة المكتوبة داخل الحجر لا تصح كالصلاة داخل البيت للعلة السابقة، وهي أن ستة أذرع من البيت في الحجر الآن، أما النافلة فجائزة في كليهما، بل مستحبة.
وكلمة أخيرة:
أيها الغافلون أمثالي: أرأيتم كيف تقدست الحجارة، وشرفت الأتربة، وعلا شأن البقاع؟ وهل عرفتم بماذا كان قدسهما وحصل شرفهما، وعز شأنهما؟ طبعا ستقولون لا لأنكم غافلون، ولو زالت غفلتكم لعرفتم أن ذلك ما كان إلا بنسبتها إلى الله، فهي إما بيته أو حرمه أو مقام لان من خشيته، أو مكان دفن فيه أنبياؤه أو ساحة أظهرت فيها طاعته، ولو زالت غفلتكم أيضا لعرفتم أنكم بعبادتكم لله وبخشوعكم له وبطاعتكم وطهارة نفوسكم، وبإخلاصكم وكمال توحيدكم أشد قدسا من مكة، وأعظم حرمة من البيت، وأسمى شرفا من المقام، وأعلى مكانة من الحطيم وزمزم، وحجر إسماعيل، وإن كنتم في شك من ذلك فأعيدوا معي سرد هذا الحديث الصحيح.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نظر إلى الكعبة قال: لا إله إلا الله ما أطيبك وأطيب ريحك، وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك، إن الله جعلك حراما، وحرم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظن به ظنا سيئا