سيسأل الفؤاد والقلب عما وعاه من اعتقاد ، هل امتلأ القلب بحب اللـه وبحب رسول اللـه والمؤمنين وامتلأ فى الوقت ذاته ببغض الشرك والمشركين والباطل والمبطلين ؟! سيسأل السمع عن كل ما سمع سيسأل البصر عن كل ما رأى ، فهل يا ترى لا يسأل العبد بين يدى الرب سبحانه إلا عن هذه
الجوارح فحسب ..؟ كلا بل سيسأل الإنسان عن جسمه كله.
سيشهد هذا الجسم كله بما قدم وبما صنع وبما فعل سيشهد السمع والبصر والفؤاء ستشهد الرجل واليد والجوارح عامة قال تعالى :
{ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }
[ يس : 65 ] .
وقال اللـه جل وعلا
{ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19)حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(20)وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
[ فصلت : 19 - 21] .
سيشهد عليك بدنك كله وسوف تسأل عن هذا البدن وعن هذا الجسم فيما أبليته ، هل أبليت جسمك فى عمل الدنيا والآخرة أم فى عمل الدنيا فحسب ؟
فلا حرج أن يبلى الإنسان جسمه فى عمل الدنيا وفى عمل الآخرة, والخطأ والحرج أن يفنى وأن يبلى جسمه كله وحياته كلها فى عمل الدنيا ليضيع بذلك حق اللـه وعمل الآخرة ، ياأخى فى اللـه ويا أختي في الله تاجر وعَمَّر وابنى واجمع المال من الحلال لكن لا تنسى حق الكبير المتعال لا تنسى
الآخرة . اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ، فلا حرج أن تجمع بين الأمرين . قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ((اللـهم اصلح لى دينى الذى هو عصمت أمرى وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى)) ([7]) .
فلا تجعل عمرك جله للدنيا وتنسى الآخرة ، ستتمنى يوم القيامة الرجعة والعودة إلى الدنيا لا لتعمل للدنيا مرة أخرى بل لتعمل للآخرة ، قال تعالى :
{ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97)وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ
يَحْضُرُونِ(98)حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْوَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 97 - 100 ] .
كلا .. فاعمل الآن للدنيا وللآخرة قبل أن تتمنى الرجعة والعودة فيقال لك : { كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } [ المؤمنون : 100 ] .
لا يسمعها اللـه ولا يجيبها اللـه ، واعلم يقيناً أنه واللـه لو أفنيت جسمك كله ليلاً ونهاراً من أجل الدنيا ونسيت عمل الآخرة واللـه لن تحصل من الدنيا إلا ما قدره الرزاق لك ، تدبر هذا الحديث الجميل الذى رواه الترمذى وغيره وصحح الحديث الشيخ الألبانى فى صحيح الجامع أنه صلى اللـه عليه وسلم قال :
((من كانت الآخرة همه جعل اللـه غناه فى قلبه وجمع عليه شملهوأتته الدنيا وهى راغبة ، ومن كانت الدنيا همه جعل اللـه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر اللـه له))
([8]) .
أخى أختي سل نفسك الآن فيما أبليت جسمك فى عمل الدنيا والآخرة أم فى عمل الدنيا ؟
هل أبليت جسمك فى طاعة اللـه ورسوله أم فى معصية اللـه ورسوله؟
سل نفسك الآن فيما مضى من عمرك هل سَخَّرت جسمك فى طاعة اللـه ورسوله أم سخرته فى معصية اللـه ورسوله ؟
هل أعطاك اللـه نعمة هذا الجسم لنعصى اللـه بها أم لتطيع اللـه بها ؟
واعلم يقيناً أن المعصية سبب لكل شقاء وضنك وبلاء فى الدنيا والآخرة
والطاعة سبب لكل فلاح وفوز وخير فى الدنيا والآخرة .
قال ابن عباس : " إن للطاعة نوراً فى الوجه ونوراً فى القلب وسعة فى الرزق
وقوة فى البدن ومحبة فى قلوب الخلق ، وإن للمعصية سواد فى الوجه وظلمة فى القلب وضيق فى الرزق وضعف فى البدن وبغضاً فى القلوب " .
وذهب رجل إلى إبراهيم بن أدهم طيب اللـه ثراه فقال له يا إبراهيم :
ساعدنى فى البعد عن معصية اللـه ،كيف أترك معصية اللـه جل وعلا ؟
فقال له إبراهيم تذكر خمسا فإن عملت بها لن تقع فى معصية اللـه وإن زلت
قدمك سرعان ما ستتوب إلى اللـه جل وعلا ، قال : هاتيها يا إبراهيم قال
إبراهيم : أما الأولى إن أردت أن تعصى اللـه جل وعلا فلا تأكل من رزق اللـه .
قال : كيف ذلك والأرزاق كلها بيد اللـه؟
قال : فهل يجدر بك أن تعصى اللـه وأنت تأكل من رزقه .
قال يرحمك اللـه يا إبراهيم : هات الثانية .
قال إبراهيم : أما الثانية إن أردت أن تعصى اللـه جل وعلا فابحث عن مكان ليس فى ملك اللـه واعصى اللـه عليه .
قال : كيف ذلك والملك ملكه والأرض ملكه والسماء ملكه ؟!
قال : ألا تستحى أن تعصى الملك فى ملكه .
قال يرحمك اللـه هات الثالثة .
قال : أما الثالثة إن أردت أن تعصى اللـه جل وعلا فابحث عن مكان لا يراك اللـه فيه .
قال : وكيف ذلك واللـه يسمع ويرى ؟!
قال ألا تستحى أن تعصى اللـه وأنت على يقين أن يراك اللـه .
قال : يرحمك اللـه هات الرابعة .
قال : إذا جاءك ملك الموت فقل له أجلنى ساعة حتى أتوب إلى اللـه وأدخل فى طاعته .
قال : كيف ذلك يا إبراهيم ؟!
واللـه جل وعلا يقـــول : { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [ الأعراف : 34 ] .
قال : فهل يجدر بك وأنت تعلم ذلك أن تسوف التوبة وعمل الطاعات
قال : يرحمك اللـه هات الخامسة .
قال : أما الخامسة إذا جاءتك زبانية جهنم لتأخذك إلى جهنم فإياك أن تذهب معهم ، فبكى الرجل وعاهد اللـه عز وجل على الطاعة .
أيها المسلم فكر فى هذه الخمس جيدا قبل أن تعصى اللـه ، واعلم يقينا أنك بشر فإن زلت قدمك فى معصية اللـه جدد الأوبة والتوبة إلى اللـه واعلم جيداً أن اللـه يحب التوابين والمتطهرين وما من ليلة إلا والملك ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بكماله وجلاله كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وينادى الحق سبحانه وتعالى ويقول :
((أنا الملك ، أنا الملك ، من ذا الذى يدعونى فأستجيب له ، من ذا الذى يسألنى فأعطيه ، من ذا الذى يستغفرنى فاغفر له ، فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر))
([9]) .
فهيا أخى وهيا أختي عُد إلى اللـه وتب إلى اللـه واستعد للجواب عن هذه الأسئلة الأربعة ، واعلم علم اليقين أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟ وعن ماله من
أين اكتسبه وفيما أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟!
أسأل اللـه العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا . إنه ولى ذلك والقادر عليه .
المفضلات