فى الطفولة أتذكر أنه كان لدينا أريكة خشبية يمتد طولها إلى حد سمح لنا بأن نستقلها ركوباً على ظهرها جميعنا
كُلنا ...أنا و أطفال الحى كنا نصعد فوق ظهرها وتعلو ضحكاتنا فنحن عما قليل سوف نستمتع بأحلى رحلات الطفولة البريئة
أقول سمح لنا طولها بأن نتخيلها قطاراً كبيراً ملوناً .. يأخذنا فى رحلة لا قيمة للزمن فيها ولا للوقت الراهن
ولا للحظة التى تمر أدنى معنى أو أقل تقدير
فقط إستمتاع .. إستمتاع بلا حدود
بلا هيئة محددة .. بلا إحساس موصوف
إحساس تتمرد فيه المرادفات على الأوصاف فتأبى أن تُعطى تعبيراً دقيقاً يصفها
وليس للأرض فيها حق الجاذبية .. ولا حق السيطرة
فضاء مطلق .. حرية مطلقة
منحنا القطار الخشبى حق الصعود نحو السماء ..
وإنزلقنا به على طريق الألوان إرتفاعاً فى يوم شاتى معتدل
فشربنا رذاذ المطر من بين أشعة الشمس ..
ظل يصعد بنا القطار إلى القاع !!
نعم إلى القاع فلم نكن نمكث فيه بقدر إحساسنا بالهبوط ولكن بقدر إستمتاعنا بالصعود بسرعة البرق لأعلى ..
صعد بنا إلى قمة غاياتنا الجميلة وقد كنا على علم مسبق بما سيحدث فأحضرنا معنا فى رحلتنا تلك قطعة من حصير بالية
رفعناها فوق راحات أيدينا الصغيرة للأعلى فجعلنا منها مظلة كبيرة تحمينا من أشعة الشمس ورذاذ المطر ..
ولكنها كبرت وكبرت وكبرت حتى صارت شجرة
شجرة وارفة الأوراق مهيبة الجذع والفروع .. متسعة الظل
جلسنا تحتها نمارس أعمالنا الدرامية التى نسجناها بخيالنا الثرى سيناريوهاتها مرتجلة تتأرجح بين السعادة تارة والحزن تارة واللاشيئ تارة أخرى .
إنهمكنا فى تفاصيل هى أقاصى إدراكنا كأطفال ..
أقاصى إدراكاتنا الأولى للحياة ..
لمسنا القمر .. إحتضنا السحاب .. تنسمنا الهواء البارد النّدى
قطفنا الزهر .. راينا يومها ما حدث فى ذلك اليوم متجمعاً دفعة واحدة
إستشرفنا ما سيحدث غداً على مراحل عدة
إستشراف الغد ليس بالشيئ الصعب فدائماً المقدمات الجيدة تصنع أحداثاً جيدة
تنبأنا فى ذاك اليوم ببسماتنا .. آهاتنا .. وبإعترافاتنا المخجلة .. والمؤسفة
تغير الطقس فجأة .. من البرودة إلى الحرارة ..
أصبح حاراً فى تلك الغابة الزمانية الخيالية
حتى أننا إضطررنا مع لفحات نسماتها الحارة إلى شراء المرطبات من الشمس !!
بينما كانت دنيا الكبار تأذن بعواصف ثلجية وروزنامتهم تشير إلى بداية فصل الشتاء .
ساعات طوال ودقائق أطول وثوان طالت مدتها إلى حد قاتل
إستنفذت فهمنا .. طاقاتنا .. خيالاتنا .. وأصواتنا
وأيضاً أحلامنا ..
لم تترك لنا إلا بعضاً من حُزن وبكاء بلل أهداب عيوننا حتى هام كل منا فى دنيا خاصة به
وكل منا يبكى على ليلاه
حتى تعبنا فنمنا ..
ثم ذات صباح .. طلع الصباح .. فإستيقظنا
فإذا بنا كبار ..!!
لم يبق من طفولتنا سوى دمى قديمة وقطع خشبية لم نمطيها
لم تعد تعتلى قوس الألوان ..
وإذا بنا نحتمى بألواح الثلج ببرد الشتاء القارص ونخشى العواصف الثلجية
والأمراض الشتائية وأشياء أخرى ..!
وفى طوايا نفوسنا المتعبة
نفوسنا المنهكة تراكمت من خبراتنا مركبة صارت مع السنون مسلمات لا نحكم إلا بها ولها ولا تؤمن إلا بها ونأمن عليها
من تقلبات الزمن الغادر
الزمن الفانى والخادع
أما الخيال ..
والحلم فلم تعد تتولاه حاسة معينة
بل لم تعتد تحتمله حاسة بعينها
يمضى العمر ونحن ننسى ذلك الطفل الجميل الذى غاب فى وديان أنفسنا .. ننسى أن الإبداع والخيال المطلق الذى أسس كل بداية براءة إختراع لدى الكبار
هو أساس الطفولة ومحورها !!
يمضى العمر ويشيب الشعر ونحن نجتر ذكرى أذى صدر من صديق .. من حبيب .. من قريب
بينما طفلنا يعود يضحك مع قرينه والدموع لا تزال فى العيون
يروح النشاط وأوقات الهمة ونحن لا نمتلك أدنى مهارات الطفل فى العمل الجماعى الذى يؤديه الطفل حريصاً على نجاح العمل لإنجاح إسمه .
الطفل مخلص جداً فى عمله واضح جداً فى رؤيته
الطفل مبدع على الإطلاق وليس هناك طفل غير مبدع لأنه على الأقل ليس هناك طفل لا يرسم
لا يرسم غد .. لا يرسم يوم
ليس هناك طفل لم يأخذ دوراً يمثله فى لعبة !!
فلنتصفح جميعاً ما يدركه الطفل وكيف يعرف ما يريد ويرسم ما يريد .. ويقول ما يريد بالطريقة التى يريد
فلا نجعل حواسنا تملك زمام إدراكنا ..
بل نُسلم القيادة لعقولنا وخيالاتنا
بل وأحلامنا ولنبق طفوليي القلب والأسئلة والفضول حتى لو زارت رؤسنا مراعى الشيب .






المفضلات