سقطتْ آخرُ جدرانِ الحياءْ
وتباركنا بتوقيعِ سلامِ الجبناءْ
فقد يبستْ فينا عروقُ الكبرياءْ
سقطتْ ، للمرةِ الخمسينِ عذريّتنا
ووقفنا بالطوابيرِ، كأغنامٍ أمامَ المقصلهْ
وتسابقنا لتقبيلِ حذاءِ القتلهْ
جوَّعوا أطفالنا خمسينَ عاماً
ورمَوا في آخرِ الصومِ إلينا
للمرّةِ الخمسينَ ، من أيدي العربْ
سقطَ التاريخُ من أيدي العربْ
سقطتْ أعمدةُ الروحِ ، وأفخاذُ القبيلهْ
سقطتْ كلُّ مواويلِ البطولهْ
سقطتْ حطّينُ من غيرِ قتالٍ
سقطتْ مريمُ في أيدي الميليشياتِ
فما من رجلٍ ينقذُ الرمزَ السماويَّ
لم يعدْ في يدنا أندلسٌ واحدةٌ نملكها
سرقوا الأبوابَ ، والحيطانَ ، والزوجاتِ ، والأولادَ
والزيتونَ ، والزيتَ ، وأحجارَ الشوارعْ
تركوا علبةَ سردينٍ بأيدينا
تركونا جسداً دونَ عظامٍ
ويداً دونَ أصابعْ
بعدَ هذا الغزلِ السريِّ في أوسلو
وهبونا وطناً أصغرَ من حبّةِ قمحٍ
لم يعدْ ثمةَ أطلالٌ لكي نبكي عليها
نجلسُ الآنَ على الأرضِ الخرابْ
ما وجدنا وطناً نسكنهُ إلا السرابْ
ليسَ صُلحاً
ذلكَ الصلحُ الذي أُدخلَ كالخنجرِ فينا
عندما يبقى ضميرُ الشعبِ حياً
لن تساوي كلُّ توقيعاتِ أوسلو
وببحرٍ أزرقَ وقلوعٍ مرسلهْ
ووجدنا فجأةً أنفسنا في مزبلهْ!!
من تُرى يسألهم عن سلامِ الجبناءْ ؟
لا سلامِ الأقوياءِ القادرينْ
من تُرى يسألهم عن سلامِ البيعِ بالتقسيطِ ؟
والتأجيرِ بالتقسيطِ والصفقاتِ
وتُرى يسألهم عن سلامِ الميتينْ؟
أسكتوا الشارعَ
واغتالوا جميعَ الأسئلهْ
من الأنثى التي ذاتَ يومٍ أكلتْ أولادنا
واستعَدنا كلَّ ما نحفظُ من شعرِ الغزلْ
ثمَّ أنجبنا ، لسوءِ الحظِّ ، أولاداً معاقينَ
وتشرّدنا على أرصفةِ الحزنِ
لم يكُن في العرسِ رقصٌ عربيٌّ
فلقد غابَ عن الزفّةِ أولادُ البلدْ
كانَ نصفُ المهرِ بالدولارِ
كانَ الخاتمُ الماسيُّ بالدولارِ
كانتْ أجرةُ المأذونِ بالدولارِ
والكعكةُ كانتْ هبةً من أمريكا
وغطاءُ العرسِ ، والأزهارُ ، والشمعُ
كلُّها قد صنعتْ في أمريكا!!
بلْ رأت صورتها مبثوثةً عبرَ كلِّ الأقنيهْ
ورأتْ دمعتها تعبرُ أمواجَ المحيطْ
نحوَ شيكاغو ، وجيرسي ، وميامي
وهيَ مثلَ الطائرِ المذبوحِ تصرخْ :
أبداً يا أمريكا
نزار قبانى
المفضلات