أبي ..
إليك حيث أنتْ
إليك في مدينة ,مجهولة السبيلْ ,
مجهوله العنوان والدليلْ
إليك في مدينة الموتى ,إليك حيث أنتْ
أولى رسائلي ,
وإنها رسالة حزينةُ حزينه
بغير حدْ !
لأنها سترتمي أمام هذه المدينه
بغير رد
يا غارقاً في الصمت ,يا مكفناً به إلى الأبدْ
لن تستطيع ان تردْ
فاقرأ رسالتي ولا ترد
وإن أهاجت شوقك القديم للكلامْ
هب لي لقاء في المنامْ !
***
أبي ..
و كان ان ذهبت دون ان أودعك
حملت لحظه الفراق كلها معك
حملت الآم النهايه ,احتبست أدمعك
أخفيت موجعك
فوجهك الحمول ,كان اخر الذي حملته معي
***
يوم افترقنا ,لا يزال مضجعي
يراك ,حينما أراك ,بسمةُ علي الظلام
تنير لي مسالك الأيام
وتفرش الطريق بالسلام ,بالسلام!
***
أبي ..
وكان ان عبرت في الصبا البحورْ
رسوت في مدينة من الزجاج والحجرْ
الصيف فيها خالد ,ما بعده فصول
بحثت فيها عن حديقةٍ فلم أجد لها أثرْ
وأخلها تحت اللهيب والغبار صامتون
ودائما علي سفرْ !
لو كلموك يسألون .. كم تكون ساعتك؟
***
مضيت صامتاً موزع النظرْ
رأيتهم يحترقون وحدهم في الشارع الطويل
حتى إذا صاروا رماداً في نهايته ,
نما سواهم في بدايته ,
وجدّفت ساق الوليد فوق جثةِ الفقيدْ
كأن من مات قضي ولم يلدْ
ومن أتى ,أتي بغير أب
فجعت فيهم يا أبي ,كرهتهم في أول النهارْ
وفي المساء قارب الظلام بين خطونا
رأيتهم .. واروا وراء الليل موتاهمْ ,
وانهمرت دموعهم ,واخضل مبكاهم ,
وامتدت الأيدي , واجهش الطريق بالبكاء
قلت لهم .. يا أصدقاء !
عبرت في الصبا البحور
حملت كأس عمري فارغاً ,
لمن يصبّ فيه قطرتي سرورْ
طُفت بدورْ
طردت مرّة ,وقيل لي تفضّلْ مرتين
مر الزمان .. كل ليله سنهْ
لم اغف فيها غير ساعةٍ ,وغفوة الغريب لا تطول
وفي السهاد يرحل الخيال يعرف الكثيرْ
زماننا بخيلْ !
اوّاه ! نحن لا نريد غير أن نظل
نريد ما يقيم ساقنا لنشهد الحياه
ونعبر البحور خلف حلمنا الضئيل
ونعرف الغربة في الصبا , والخوف أن نجوع في الصباح
لكنما زماننا بخيل !
يبخل حتى بالوداع,حينما يفرّق الطريق بين صاحبين

***

مات أبي يا أصدقاء !
الغرباء ودّعوه ,بينما انا هنا ,
لمحتهم في الضفة الأخرى ظلالا ,في غروب الشمس تنحني,
على القبور ,ما وجدت زورقاً يقّلني ,
لم أستطع وداعه في يومه الأخير !
***
أبي ..
أقول يا أبي شكراً
ما مر يوم دون ان تومي إليّ
ما مر يوم دونما ذكري
تأتي على جناح لحن تائه في الليلْ ,
يقول للمحبوب .. طالت غيبتك !
تأتي إليَّ عبر طفلْ ,
يسير وحده ,
وحينما أضلَ
وتثقل الأحزان روحي ,حينما أتوه ,
أقول يا عين أطلبيه !
ما زلت طفلاً يا أبي ,ما زالت الآلامْ ,
أكبر مني ,ما استطعت أن أنامْ ,
فتستجيب يا أبي ,
ومثلما كنت تعود في اماسيِّ الشتاءْ
تأتي إليَّ
عباءتك
لا تفتأ الرياح تستثيرها ,
تشدها إلى الوراءْ
كأنها شراع مركب يصارع الأنواءْ
ووجهك الحمول يفرش الرضى على العناءْ
وفي يديك من نبات الأرض ما جمعته
وفي اللسان رفرفت تحية المساء !
ومثل غيم في ليالي الصيف ,يترك السماء للقمر
تنقشع الأحزان من روحي و أحضنك
بجفن عيني أحضنك
وأستضيف المساء كله .. حتى السحَرْ !
***
أبي ..
أقول يا أبي عذرا
وقعت في هوى بنيّةٍ هنا
وأنت كم حذرتني من نسوة المدن
لكنني رأيتها كأنها أنا
فقيرةً ,حزينةً ,مات أبوها يا أبي
وتقرأ الشعرا !
أحببتها ,لكن طريقها طويلْ
وكل أحبابي طريقهم طويلْ
زماننا بخيلْ
والله كم اوحشتني .. سنه
مضت عليَّ دون أن أراك
وسوف تنقضي سنه ,
أخرى ,وتنقضي سنين ,
ولا أراكْ
وربما أنساكْ !
***
رسالتي إليك يا أبي حزينةٌ
في البدء و الختامْ
فإن أهاجت شوقك القديم للكلامْ
هبْ لي لقاء في المنامْ !








منقول