من كان يصدّق أن العرب الذين كانوا مجرّد قبائل متناحرة ،
ليس لهم كيانٌ يُذكر ،
ولا أيّ قدرةٍ على مواجهة الأخطار الخارجيّة ، سيأتي عليهم يومٌ يتوّحدون فيه ،
وتكون لهم دولة مستقلّة ،
ويجابهون أعظم قوّةٍ في ذلك الزمان ،
ويغزونها في عقر دارها ؟ .
إنّ ذلك لم يكن ليتحقّق إلا في ظلّ رسالة الإسلام ،
والتي أصبح المسلمون من خلالها قوةً يحسب لها الآخرون ألف حساب ،
حتى استطاعوا أن يعودوا إلى مكّة فاتحين خلال ثمان سنين من هجرتهم ،
ليستقبلوا أفواج الناس التي أقبلت للدخول في دين الله .
فبعد استقرار الوضع الداخليّ في مكّة ،
توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم –
بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمّة الدعوة والبلاغ ، خصوصاً وأنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الروم بدأت بحشد قوّاتها لغزو المسلمين ،
فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم – أن يبادرهم بالخروج إليهم ،
في غزوة عرفها التاريخ باسم " غزوة تبوك " .
بعد فتح مكة ودخول الحجاز كلها في الإسلام ،
خشي العرب التابعون للروم من المسلمين في بلاد الشام من قوة الإسلام .
فقرر الروم غزو المسلمين .
وجهزوا جيشاً كبيراً عسكروا جنوب بلاد الشام .
وصلت الأخبار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فدعا إلى تجهيز جيش قوي يصد غزو الروم .
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الظروف التي يمر بها صعبة ،
وأن الأيام أيام قيظٍ وقحط .
فبعث الرجال يحثون القبائل على الاشتراك في الجيش ، وحث الأغنياء على أن يجودوا بمالهم ، فتبرع عثمان بن عفان بعشرة آلاف دينار وتسعمائة بعيرٍ ،
ومائة فرس.كما تبرع أبو بكرٍ الصديق بكل ماله . وتبرع عبد الرحمن بن عوف بأربعين ألف دينار . وتبرعت النساء بحليهن وزينتهن من الذهب .
و تحرك جيش المسلمين إلى تبوك في شهر رجب من العام التاسع بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم ،
وكان عددهم ثلاثين ألفاً تقريباً .
و أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم اللواء لأبي بكرٍ الصديق .
وعسكر النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه في ثنية الوداع .
وكان الحر شديداً للغاية ،
وعانى المسلمون من عسرة الماء والزاد ،
حتى اضطروا لذبح إبلهم وإخراج ما في كروشها فيعصرونه ويشربونه .
لذلك سميت الغزوة بغزوة العسرة .
وعندما وصل الجيش إلى تبوك ،
لم يجدوا أثراً للروم أو القبائل الموالية ،
فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -
سريّةً بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل ،
وغنموا عدداً كبيراً من المتاع والأنعام ،
واستطاعوا أن يأسروا ملكها
" أكيدر بن كندة " ،
وأتوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
فصالحه على دفع الجزية ،
ثم أطلق سراحه .
ومكث النبي - صلى الله عليه وسلم -
في تبوك عشرين يوماً ،
يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية
من أهل " جرباء وأذرح "وغيرهما ،
وكان منهم وفد ملك " أيلة "
الذي بعث بهديّةٍ من كساء وبغلة بيضاء ،
فقبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وبعد أن تحقّق المقصود من الغزو ،
عاد الجيش الإسلاميّ إلى المدينة ،
فلما اقترب منها خرجت جموع النساء والأطفال لاستقبال النبي
- صلى الله عليه وسلم -
والاطمئنان على سلامته ،
ثم توجّه النبي - صلى الله عليه وسلم -
إلى مسجده وصلّى فيه ركعتين ،
ثم جلس مع الناس ،
وجاءه المنافقون يعتذرون إليه ،
فقبل أعذارهم وأوكل سرائرهم إلى الله ،
وحضر إليه الثلاثة الذين خُلّفوا عن المعركة فلم يقبل أعذارهم ،
ونهى الناس عن مخالطتهم والكلام معهم ،
حتى أنزل الله توبتهم .
هذه هي أحداث آخر غزوة
للنبي - صلى الله عليه وسلم - ،
استطاع من خلالها إسقاط هيبة الروم ،
وتوطيد سلطان الإسلام في الجزيرة ،
وإيصال رسالة إلى قبائل العرب بمقدار القوّة التي بلغها المسلمون ،
الأمر الذي كان له أعظم الأثر في استجابتهم لدعوة الحق وقبولهم للإسلام بعد ذلك .
منقول






المفضلات