صحى من نومه , يتابع التلفاز , يتنقل بين قناةٍ وأُخرى
حتى وصل إلى قناةٍ تنقل واقعةً مؤلمة , شعر بالألم قبل أن تتحدث المذيعة
وهي تقول : والأن ننقل لكم على الهواء مباشرة حريقة مدرسة بجدة

ولم يدري أنها ستنقل له , ألسنةً من النيران تلتهم مدرسةَ إبنته الصغيرة
أضطرب مصاباً بهستيريه , لبسَ عقالهُ بلا شماغه , وخرج يركضُ إلى سيارته
فـ نسي باب شقته مفتوحاً , نسي أنه تلك اللحظة يشعرُ بنفسه
خاف على إبنته الصغيرة , ذات الستة أعوام , إبنته الوحيدة
وهو في طريقه إلى مدرسة إبنته , كان مسرعاً يسابقُ الأقدار إليها
يتمنى أن يصل قبل أن يصل إليها الألم , فوصل بسرعةٍ كبيرة




ناراً كبيرةً عاتية , ذات دُخان أسود , أُناسُ كثيرون
سيارات كثيرة , لم يرى أحداً تلكَ اللحظة سوى أنه يبحثُ وعيناه تدمعان
عن جسدٍ صغير , يحملُ روح تلك المسكينه , يحمل روح " رغد "
نظر من بعيد , وإذا بها رغد تخرج وإمتلأت عيناها بالدموع من الخوف

ركض إليها , فإحتضنها وهي يبكي , ينوح , يردد إبنتي : إشتقتُ لكِ
فقالت : مين أنتَ ؟
فنظرَ إلى عيناها , فكانت تشبه رغد , أو أنه أصبح يرى كل الفتيات الصغيرات رغد
فحضن في ذلك الوقت كثيرات .. عيناه لم تعد تمييز , بل قلبهُ مشتاقاً لرغد
روحه مشتاقةٌ لتلكَ الأحضان , كل شيء فيه مشتاقٌ لرغد

منعه رجال الإطفاء من دخولِ المدرسة , حتى أنه أحتضن أحدهم يحسب أنها رغد
آووه يارغد , آووه ما بالُ أبيكِ قد جُن ..

أخرجي يا رغد أرجوكِ , أرجوكِ فإن الحروف تبكي والمشاهد تنعى أباكِ حياً



خرجت رغد , الفتاة الجميلة , الروح النقية الطاهره , خرجت رغد العفه الطاهره
خرجت ذات الستة سنوات , ولكن

ولكن ( تمنيت أن أكتفي إلى هُنا , ولكن حروفي أبت إلى أن تُكمل )

ولكنها جثةٌ هامدة , إبتلعتها وإمتضغتها جيداً ناراً عاتية
أحرقت جسدها الجميل , أحرقت شعرها الناعم الأسود , حتى إختفى
خرجت رغد في لفافةٍ بيضاء , نصفها أحترق , ونصفها ينزفُ دماً أحمراً نقياً



أحترق قلب رغدٍ الصغير , وأختفت ملامح وجهها
عرفها أبيها , كانت تناديه وهي جثةً هامدة , تقول : أبي , أبي , أحتضني كما
يفعل الأخرون

أقبل عليها الأب المسكين , يحتضن ماتبقى منها قائلاً : لا تخافي بنتي لا تخافي
كله بسيط ألحين أوديك المستشفى
بنتي لا تبكين , بنتي قومي كلميني , رغد كلميني
رغد يلا يا قلبي قولي شيء , رغد يلا زي ماوعدتك الصبح أوديك محل الأسكريم
رغد يلا تكلمي يا رغد والله بعطيك فلوس
رغد تكلمي الله يخليك , رغد والله اعضك يلا نلعب رغد رغد رغد

رررررررررررررررررغــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــد



فإذا به يتفاجأ بصوتٍ من خلفه ممسكاً بكتفه قائلاً :
عظم الله أجرك , هذا قدر الله خليك مؤمن

إيش يعني عظم الله أجرك ؟ لحظة لحظة !!

رغد ماتت !!!!!

رغد والله حيه , والأصوات تختلفُ عليه كل فينه مرددةً وقائلة :
الله يصبركم يارب ويرحمها



سكت طويلاً .. ذلك الأب , منكسراً بل متكسراً , بل متسكراً
ماتت !! وهو بين مصدقٍ وغير مصدق
يضحك في داخله وهو يقول , الله من هالأحلام , توبة أنام الصبح دام هذي الكوابيس
ينتظرُ محتضنها أن يصحو , وهو يقول أخ يارب تصحيني رغد والله
أحضنها إلين بكرة

ولكنه صُدمَ بأنها الحقيقة , صُدم بأنه القدر ليفقد رغد
رحلت عن الحياة رغد , رحلت معها تلك الأحلام , ورحل معها تعب وسهر الليالي
رحلت من بيته الضحكةُ الصغيرة الحانيه , رحلت تلك الشقيه الحنونه المهذبه
رحلت ذلك الجسد الذي يُنسيه أكبرَ همومه رحلَ ذلك الجسد الذي حينما يعودُ
متبعاً من عمله , وحينما تكبلهُ مأسي حياته , تُنسيه تلك الأمور رغد
حينما تجلس في حضنه ويلاعبها وتلاعبه , يحتضنها وتحتضنه
تنام في صدره , وهو يردد قائلاً : ماحد يقدر يأخذ مني , ماحد يارغد

ولكنها أُخذت حين غفلة , ذهبت جميلةً , وعادت في ثيابها ملفوفةً
عادة تلك الجوهرة , سوداءً محترقة ,




قصة حقيقة حصلت في مدينه جده يوم السبت
جراء حريق في مدرسه اهليه
رحم الله من اختاره لجانبه
وعافى كل مصاب



//






منقول