ويستغرب البعض الآن لما حدث من إهانة وتدنيس للمصحف الشريف على يد نجسة من عبّاد الصليب، فبدلاً من أن يؤمنوا بهذا الحق ويتدبروا فيه ويسلموا به، تراهم يصدون عنه ويستهزئون به، بل والعياذ بالله وصل بهم الأمر إلى أن يدنسونه ويهينونه، فلا عجب ولا استغراب أبداً؛ فهذا أولاً من هوانهم على الله، والله تعالى يقول {
وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } [الحج:18]؛ فقد حُرموا منّة الهداية فلا يكادون يفقهون القرآن أو يشعرون بلذّته ولا يقّرون بعظمته، مع أنه جاء بالأخبار الصادقة والحقائق الغائبة والأحكام المصلحة العادلة، وأحتوى صوراً عظيماً من الإعجاز، ولكنهم لا يدركون. ويصدق فيهم قول الله تبارك وتعالى: {
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } [محمد:24]، لأن عليها أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون..
كما ذكر القرطبي رحمه الله. إن الله سبحانه وتعالى يُمهل أهل الظلم والعدوان ولا يهملهم سبحانه، قال جل جلاله: {
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } [القلم:45]، قال القرطبي: "أمهلهم وأملي لهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله يعني بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين". .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ ثُمَّ قَرَأَ {
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } » رواه البخاري.
روى الترمذي من طريق سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:«
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ».
هُوَ مَثَلٌ لِلْقِلَّةِ وَالْحَقَارَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا أَدْنَى قَدْرٌ «
مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا » أَيْ مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا «
شَرْبَةَ مَاءٍ » أَيْ يُمَتِّعُ الْكَافِرَ مِنْهَا أَدْنَى تَمَتُّعٍ, فَإِنَّ الْكَافِرَ عَدُوُّ اللَّهِ وَالْعَدُوُّ لا يُعْطَى شَيْئًا مِمَّا لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ الْمُعَطِّي, فَمِنْ حَقَارَتِهَا عِنْدَهُ لا يُعْطِيهَا لأَوْلِيَائِهِ. مختصراً من كلام المبارك فوري في تحفة الأحوذي.
وكما قيل ليس بعد الكفر ذنب، وهذا بداية الفتح؛ فقد أعظم الله منّته على عباده أن جعل على نفسه حقاً بحكم وعده {
وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنين } [الروم:47].
والله ينصرُ حقّاً ناصريه على آل الصليب فتنزاح الضلالاتُ..
إن ما قاموا به كفر يستحقون عليه أعظم عقوبة وأشد عذاب.
إنهم يكرهون القرآن لأنهم يعلمون علم اليقين أن القرآن هو الدستور العظيم والفرقان المبين الذي إن تمسك به المسلمين سادوا وانتصروا وظهروا. وهؤلاء الكفرة يصدق فيهم قول العزيز الحكيم {
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } [آل عمران:118].
يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها: يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم.
ويقول المبشر وليم جيفورد بالكراف: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيداً عن محمد وكتابه.
ويقول المبشر تاكلي: يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، حتى نقضي عليه تماماً، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداً، وأن الجديد فيه ليس صحيحاً.
ولكن هيهات هيهات!! إن القرآن الذي نؤمن به بشّرنا بنصرنا عليهم، لا سيما أنهم طغوا وبغوا وأفسدوا، وسنة الله ماضية في أسلافهم، فإما أن يعاجلهم الله بعقوبة من عنده أو يخزيهم على أيدي عباده المؤمنين، والله يفعل ما يريد وهو على كل شيء قدير.
المفضلات