سُئل سيدنا رسول الله صلى اله عليه وسلم :
أيكون المؤمن جباناً ؟
قال :
نعم
قيل له :
أيكون المؤمن بخيلاً ؟
قال :
نعم
قيل له :
أيكون المؤمن كذاباً ؟
قال :
لا
هذه الإجابات الجازمة القاطعة من رسولنا صلى الله عليه وسلم على تلك الأسئلة الصريحة تنفى الإيمان عن الكذّاب وتُبعده عن الدين وذلك لأن الكذب رذيلة من أخس الرذائل وأفحشها سوءاً لأنها تنبئ عن تغلغل الفساد والسوء فى نفس صاحبها وعن سلوك يُنشئ الشر فى المجتمع إنشاءً ويهدم لفضائل والأخلاق هدماً ويدفع إلى إرتكاب الإثم والمنكر ويفُقد الثقة فى معاملات الناس بعضهم مع بعض .
ومع أن الجُبن والبخل صفتان مذمومتان فى الإسلام ينفر منهما أصحاب القلوب الصادقة والنفوس الكريمة ويتبرأ منهما أصحاب الهمم العالية مع ذلك لم يُخرج النبى الكريم صلوات الله وتسليمه عليه من يتّصف بهما أو بأحداهما من دائرة الإيمان وإنما أخرج الكذاب .
وهذا لا يعنى أبداً تهوين الجُبن أو تسويغ البُخل .. كيف ذلك ؟
ومنع الزكاة وترك الجهاد بابان إلى الكُفر !!
وإنما القصد تجسيم جريمة الكذب وبيان ضررها على الناس وعلى المجتمع كما قال صلى الله عليه وسلم :
يُطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب
ويقول الله تعالى :
إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله أولئِك هم الكاذبون
إى .. إن إفتراء الكذب وإختلاقه وإختراعه لا يصدر عن المؤمنين وفى ذلك دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش وكلما إتسع نطاق الضرر على الناس وعلى المجتمع إثر كذبة يشيعها آفاك أثيم ويعلنها كذاب أشر كان الوزر عند الله أعظم والعقاب عند الله أشد كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لإتساع نطاق ضرر كذبهم وسوء عاقبة فعلهم وعُمق الجراح وشدة الأذى الذى يلحق بالمتضررين من هذا الكذب ..
وفى الحديث الشريف :
ثلاثة لا يدخلون الجنة :
الشيخ الزانى .. والإمام الكذاب .. والعائل المزهو .
فقد حّرم رسول الله صلى اله عليه وسلم الجنة على الإمام الكذاب أياً ما كان موقعه .
ومن هذا القبيل كان كذب الحًكام على الشعوب وكذب أدعياء العلم على دين الله ونسبتهم أشياء من الدين ليست منه وكتمانهم شهادة الحق .
وقد حرص الإسلام على أن يبنى المجتمع الإسلامى على أسس سليمة وعلى مبادئ واضحة قويمة وعلى أخلاق فاضلة وعلى علاقات بين الناس واضحة جلّية مبنية على الصدق قائمة على الحق لذلك طلب الإسلام من الناس أن يبنوا حياتهم على الحق فلا يقولوا إلا حقاً ولا يعملوا إلا حقاً ولا يشهدوا إلا حقاً .
ومن هنا كان الإستمساك بالصدق فى كل شأن من شئون الحياة وتحريّه فى كل قول أو عمل فى المعاملات بين الناس والحرص عليه فى كل حُكم ... دعامة قوية فى خُلق المسلم وصفة ثابتة فى سلوكه ومبادئ مهيمنة على كل تصرفاته وعلامة
مضيئة تؤكد على أدب الإنسان مع نفسه .
ولذلك عَزّ الإسلام فى صدر الإسلام وعاش أفراده فى أمن وأمان وإستقرت حياتهم فى مودة وحب وصلة وإخاء وأمن ورخاء لأنهم كانوا يستظلون بمظلة الحق ويشهدون بالصدق فإذا أساء أحد السيرة وإنحرف عن الجادة وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ بعيد عن الحق والصدق والصواب بدا بعمله هذا كالأجرب بين الأصحاء فلا يطيب له مُقام بينهم حتى يبرأ من علته ويُشفى من مرضه .