السادس من ذي الحجةا
لحمد لله واسع الفضل والإحسان ، الكريم المنان ، الرحيم الرحمن ، الحي القيوم ، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ،
لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في أي مكان .
أحمده حمدا يليق بكريم وجهه ، وبعظيم سلطانه ، لم تزل سحائب جوده تسح الخيرات كل وقت وأوان .
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ،
(( يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ))
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ،
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ، عباد الله :
اتقوا الله ، عملا بوصيته لكم ولمن كان قبلكم فقد قال سبحانه :
(( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ))
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ بأن هذا اليوم ،
هو اليوم السادس من شهر ذي الحجة ، فلم يتبق من أيام العشر إلا أربعة أيام ، وكما تعلمون ـ
أحبتي في الله ـ أن هذه الأيام ، أقسم الله بها لفضلها ، وأشار إليها في كتابه ، لمكانتها ،
فهي المقصودة في قوله تعالى :
(( وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ )) ي
قول ابن كثير في تفسيره : الليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة.
وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام ))
قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم :
(( ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشيء )) ،
فربكم جل جلاله يحب الأعمال الصالحة في هذه الأيام .
أيها الأخوة :
فأيامكم هذه أيام فاضلة ، أيام يحب الله سبحانه أن تعملوا فيها الأعمال الصالحة ،
التي تكون وسيلة لرضا الله عنكم ، ومن ذلك الإكثار من ذكر الله ، هذه العبادة العظيمة التي يغفل عنها ،
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المرفوع :
(( فأكثروا فيهن التهليل والتكبير ؛ فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل ))
فالتهليل والتكبير وذكر الله ، عبادة عظيمة ، يتقرب بها إلى الله جل جلاله ،
شأنها شأن الصلاة والصيام والحج والزكاة ، وثوابها جزيل ، وبها تثقل موازين الأعمال الصالحة يوم القيامة ،
كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بها ، فقد جاء في الحديث الذي حسنه الترمذي ،
أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي ،
فأخبرني بشيء أتشبث به ، قال صلى الله عليه وسلم :
(( لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ))
ومن الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في هذه الأيام الفاضلة ،
صيام يوم عرفة ،
والذي يوافق في هذا العام يوم الاثنين القادم ، فهو يوم عظيم ، فيه كمل الدين ،
وفيه يعتق الله ما شاء من عباده من النار، وفيه يدنو الله جل جلاله يباهي بعباده الملائكة ،
وصيامه يكفر سنتين، سنة قبله وأخرى مثلها بعده ، بذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
(( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده )).
أيها الإخوة المؤمنون :
وفي ختام هذه الأيام العشر ، سيكون عيد الأضحى ، فاليوم العاشر من هذه الأيام هو أول أيام العيد ،
ويوم عيد الأضحى يوم عظيم ، قد رأى بعض أهل العلم ، أنه أفضل أيام السنة ، رأى بعضهم أنه أفضل حتى من يوم عرفة ،
يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ : خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر،
كما في السنن لأبي داود عنه صلى الله عليه وسلم قال :
(( إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر)) ،
ويوم القر : هو يوم الاستقرار في منى ، وهو اليوم الحادي عشر.
وبعض العلماء قالوا: يوم عرفة أفضل ، لأن صيامه يكفر سنتين ،
وسواء كان هو أفضل أم يوم عرفة، فعليك أيها المسلم أن تحرص على ما يقربك إلى الله عز وجل في ذلك اليوم .
ومما يقرب إلى الله في يوم العيد : الحرص على صلاة العيد ، وحضورها مع المسلمين ،
فاحرص ـ أخي المسلم ـ على صلاة العيد ، وإياك أن تكون من الذين يثبطهم الشيطان ، ف
يفضلون النوم على هذه الشعيرة العظيمة . فقد رجح بعض أهل العلم ،
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية بأن صلاة العيد واجبة ، واستدلوا بقوله تعالى :
(( فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ)) ،
ولا تسقط صلاة العيد عن أحد إلا بعذر شرعي ، حتى النساء ، عليهن أن يصلين العيد ،
ويشهدن صلاة العيد مع المسلمين ، بل حتى الحيض والعواتق ، إلا أن الحيض يعتزلن المصلى.
فاتق الله يا عبد الله ، وصل العيد ولا تكن من الذين قال الله عنهم:
(( وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ )) .
أيها الإخوة المؤمنون :
ومن الأمور التي ينبغي التنبيه عنها في صلاة العيد : الاغتسال والتطيب للرجال ولبس أحسن الثياب ،
بدون إسراف ولا إسبال ، وأما حلق اللحى الذي يعتقد بعض الناس أنه يتزين به ، فهو والله ليس بزينة ،
وكيف تكون الزينة بما حرم الله ، فلنحذر مخالفة السنة يا عباد الله .
ومنها أيها الإخوة ، أنه من السنة لمن كان له أضحية أن يذبحها بعد صلاة العيد ،
من السنة أن لا يطعم شيئاً قبل صلاة العيد حتى يذبح أضحيته فيأكل منها بعد الصلاة ، ف
هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان صلوات ربي وسلامه عليه لا يطعم حتى
يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته.
أسأل الله لي ولكم علماً نافعاً ، وعملاً خالصاً، وسلامة دائمة ،
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ،
وأشهد أن لا إله إلا هو تعظيما لشأنه ، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد أيها المسلمون :
ومن العبادات العظيمة ، في نهاية هذه الأيام الفاضلة ،
التي يتقرب بها إلى الله تعالى الأضحية ، والأضحية ـ
أيها الأخوة ـ هي سنة أبينا إبراهيم ـ عليه السلام ـ الذي أمرنا باتباع ملته ،
وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يضحي منذ هجرته إلى أن توفي ـ
عليه الصلاة والسلام ـ فالأضحية مشروعة بالكتاب والسنة ،
بل وإجماع المسلمين ، وهي سنة مؤكدة ، لا ينبغي للقادر أن يتركها ،
وذبحها أفضل من التصدق بثمنها ، ولا تجوز إلا من بهيمة الأنعام ،
وهي :
الأبل والبقر والغنم ، ل
قول الله تعالى :
(( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ))
ويشترط في ذلك العمر ، فلا يجزي من الأبل إلا ما بلغ خمس سنوات ،
ومن البقر إلا ما بلغ سنتين ، ومن الغنم ما بلغ ستة أشهر من الضأن
وسنة من المعز ، أما ما قل عمره عن ذلك فلا يجزي كأضحية ،
حتى ولو كان لحمه أطيب عند بعض الناس ، ومن الخطأ ـ أيها الأخوة ـ
أن يضحي الإنسان عن أمواته ويترك نفسه وأهل بيته الأحياء ،
وأشد خطاء من يضحي عن ميت له أول سنة بما يسميها بعضهم :
أضحية الحفرة أو الدفنة ، ويعتقد أنها واجبة ، ولا يشرك فيها أحد ،
فهذه بدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،
ولا في عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( كل بدعة ضلالة )) .أيها الأخوة المؤمنون :
ومن الشروط الهامة في الأضحية ، سلامتها من العيوب ،
لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل وهو يخطب فقيل له : ماذا يتقي من الضحايا ؟
فأشار بأصابع يده فقال أربعا :
(( العوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ضلعها ،
والعجفاء التي لا تنقي أو قال الهزيلة التي لا تنقي ))
وأما العيوب التي دون ذلك ، فيقول الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ لا تمنع من الإجزاء ،
فتجزئ الأضحية بمقطوعة الأذن وبمشقوقة الأذن مع الكراهة ،
وتجزئ الأضحية بمكسورة القرن مع الكراهة ،
وكلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها وأحسن منظراً فهي أفضل ،
فاستكملوها - عباد الله - واستحسنوها وطيبوا بها نفساً ،
واعلموا أن ما أنفقتم من المال فيها فإنه ذخر لكم عند الله :
(( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مرضاة اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) .
اللهم وفقنا جميعاً لتعظيم شعائرك والعمل بشريعتك والوفاة عليها إنك جواد كريم .
اسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يرزقني وإياكم الفقه في الدين ،
وأن يجعلني وإياكم من عباده الصالحين المخلصين ، إنه سميع مجيب .
اللهم إنا نسألك نصر الإسلام وعز المسلمين ، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين ،
اللهم احمي حوزة الدين ، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين ،








المفضلات