جَميل بُثَينَة

? - 82 ه / ? - 701 م
جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، أبو عمرو.
شاعر من عشاق العرب، افتتن ببثينة من فتيات قومه، فتناقل الناس أخبارهما.
شعره يذوب رقة، أقل ما فيه المدح، وأكثره في النسيب والغزل والفخر.
كانت منازل بني عذرة في وادي القرى من أعمال المدينة ورحلوا إلى أطراف الشام الجنوبية. فقصد جميل مصر وافداً على عبد العزيز بن مروان، فأكرمه وأمر له بمنزل فأقام قليلاً ومات فيه


ومن قصائدة


ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديدُ
ودهراً تولى ، يا بثينَ، يعودُ
فنبقى كما كنّا نكونُ، وأنتمُ
قريبٌ وإذ ما تبذلينَ زهيدُ
وما أنسَ، مِ الأشياء، لا أنسَ قولها
وقد قُرّبتْ نُضْوِي: أمصرَ تريدُ؟
ولا قولَها: لولا العيونُ التي ترى ،
لزُرتُكَ، فاعذُرْني، فدَتكَ جُدودُ
خليلي، ما ألقى من الوجدِ باطنٌ
ودمعي بما أخفيَ، الغداة َ، شهيدُ
ألا قد أرى ، واللهِ أنْ ربّ عبرة ٍ
إذا الدار شطّتْ بيننا، ستَزيد
إذا قلتُ: ما بي يا بثينة ُ قاتِلي،
من الحبّ، قالت: ثابتٌ، ويزيدُ
وإن قلتُ: رديّ بعضَ عقلي أعشْ بهِ
تولّتْ وقالتْ: ذاكَ منكَ بعيد!
فلا أنا مردودٌ بما جئتُ طالباً،
ولا حبها فيما يبيدُ يبيدُ
جزتكَ الجواري، يا بثينَ، سلامة ً
إذا ما خليلٌ بانَ وهو حميد
وقلتُ لها، بيني وبينكِ، فاعلمي
من الله ميثاقٌ له وعُهود
وقد كان حُبّيكُمْ طريفاً وتالداً،
وما الحبُّ إلاّ طارفٌ وتليدُ
وإنّ عَرُوضَ الوصلِ بيني وبينها،
وإنْ سَهّلَتْهُ بالمنى ، لكؤود
وأفنيتُ عُمري بانتظاريَ وَعدها،
وأبليتُ فيها الدهرَ وهو جديد
فليتَ وشاة َ الناسِ، بيني وبينها
يدوفُ لهم سُمّاً طماطمُ سُود
وليتهمُ، في كلّ مُمسًى وشارقٍ،
تُضاعَفُ أكبالٌ لهم وقيود
ويحسَب نِسوانٌ من الجهلِ أنّني
إذا جئتُ، إياهنَّ كنتُ أريدُ
فأقسمُ طرفي بينهنّ فيستوي
وفي الصّدْرِ بَوْنٌ بينهنّ بعيدُ
ألا ليتَ شعري، هلَ أبيتنّ ليلة ً
بوادي القُرى ؟ إني إذَنْ لَسعيد!
وهل أهبِطَنْ أرضاً تظَلُّ رياحُها
لها بالثنايا القاوياتِ وئِيدُ؟
وهل ألقينْ سعدى من الدهرِ مرة ً
وما رثّ من حَبلِ الصّفاءِ جديدُ؟
وقد تلتقي الأشتاتُ بعدَ تفرقٍ
وقد تُدرَكُ الحاجاتُ وهي بعِيد
وهل أزجرنْ حرفاً علاة ً شملة ً
بخرقٍ تباريها سواهمُ قودُ
على ظهرِ مرهوبٍ، كأنّ نشوزَهُ،
إذا جاز هُلاّكُ الطريق، رُقُود
سبتني بعيني جؤذرٍ وسطَ ربربٍ
وصدرٌ كفاثورِ اللجينَ جيدُ
تزيفُ كما زافتْ إلى سلفاتها
مُباهِية ٌ، طيَّ الوشاحِ، مَيود
إذا جئتُها، يوماً من الدهرِ، زائراً،
تعرّضَ منفوضُ اليدينِ، صَدود
يصُدّ ويُغضي عن هواي، ويجتني
ذنوباً عليها، إنّه لعَنود!
فأصرِمُها خَوفاً، كأني مُجانِبٌ،
ويغفلُ عن مرة ً فنعودُ
ومن يُعطَ في الدنيا قريناً كمِثلِها،
فذلكَ في عيشِ الحياة ِ رشيدُ
يموتُ الْهوى مني إذا ما لقِيتُها،
ويحيا، إذا فرقتها، فيعودُ
يقولون: جاهِدْ يا جميلُ، بغَزوة ٍ،
وأيّ جهادٍ، غيرهنّ، أريدُ
لكلّ حديثِ بينهنّ بشاشة ُ
وكلُّ قتيلٍ عندهنّ شهيدُ
وأحسنُ أيامي، وأبهجُ عِيشَتي،
إذا هِيجَ بي يوماً وهُنّ قُعود
تذكرتُ ليلى ، فالفؤادُ عميدُ،
وشطتْ نواها، فالمزارُ بعيدُ
علقتُ الهوى منها وليداً، فلم يزلْ
إلى اليومِ ينمي حبه ويزيدُ
فما ذُكِرَ الخُلاّنُ إلاّ ذكرتُها،
ولا البُخلُ إلاّ قلتُ سوف تجود
إذا فكرتْ قالت: قد أدركتُ ودهُ
وما ضرّني بُخلي، فكيف أجود!
فلو تُكشَفُ الأحشاءُ صودِف تحتها،
لبثنة َ حبُ طارفٌ وتليدُ
ألمْ تعلمي يا أمُ ذي الودعِ أنني
أُضاحكُ ذِكراكُمْ، وأنتِ صَلود؟
فهلْ ألقينْ فرداً بثينة َ ليلة ً
تجودُ لنا من وُدّها ونجود؟
ومن كان في حبي بُثينة َ يَمتري،
فبرقاءُ ذي ضالٍ عليّ شهيدُ
-----------


وقلتُ لها: اعتللتِ بغيرِ ذنبٍ،
وشرٌّ الناسِ ذو العللِ البخيلُ
ففاتيني إلى حكمٍ منَ أهلي
وأهلكَ، لا يحيفَ ولا يميلُ
فقالت: أبتغي حَكَماً مِنَ اهلي؟
ولا يدري بنا الواشي المَحُول
فولّينا الحكومة َ ذا سُجوفٍ،
أخاً دنيا، لهُ طرفٌ كليلُ
فقلنا: ما قضيتَ به رَضينا،
وأنتَ بما قضيتَ بهِ كفيلُ
قضاؤكَ نافذٌ، فاحكُم علينا،
بما تهوى ، ورأيكَ لا يفيلُ
وقلتُ له: قتلتُ بغيرِ جرمٍ،
وغبَّ الظلمّ مرتعهُ وبيلُ
فسَلْ هذي: متى تَقضي ديوني،
وهل يَقضِيكَ ذو العِلَلِ المَطول؟
فقالت: إنّ ذا كَذِبٌ وبُطْلٌ،
وشرّ، من خُصومته، طويل
أأقتُلهُ؟ وما لي من سِلاحٍ،
وما بي لو أقاتلهُ، حويلُ
ولم آخُذْ له مالاً، فيُلفَى
له دينٌ عليّ، كما يقولُ
وعند أميرنا حكمٌ وعدلٌ،
ورأيٌ، بعد ذلكمُ، أصيلُ
فقال أميرنا: هاتوا شهوداً،
فقلتُ: شهيدُنا الملِكُ الجليل
فقال: يمينها، وبذاكَ أقضي،
وكلُّ قضائهِ حسنٌ جميلُ
فبتُ حلفة ٍ، ما لي لديها
نقيرٌ، أدعيهِ، ولا فتيلُ
فقلتُ لها وقد غلبَ التعزي:
أما يقضى لنا، يابثنَ، سولُ
فقالت ثمّ زجّت حاجبيها:
أطلتَ ولستَ في شيءٍ تطيلُ
فلا يَجِدَنّكَ الأعداءُ عندي،
فَتَثْكَلَني وإيّاكَ الثَّكُول!

----------


ألا من لقلبٍ لا يمَلّ فيَذهَلُ،
أفقْ، فالتعزي عن بثينة َ، أجملُ
سلا كلٌّ ذي ودٍ، علمتُ مكانهّ،
وأنتَ بها حتى المماتِ موكلُ
فما هكذا أحببتَ من كان قبلها،
ولا هكذا، فيما مضى ، كنتَ تفعلُ
أعن ظُعُنِ الحيِّ الأُلى كنتَ تسألُ،
بليلٍ، فردوا عيرهمَ، وتحملوا
فأمسوا وهم أهلُ الديار، وأصبحوا،
ومن أهلِها الغِربانُ بالدارِ تَحجِل
على حين ولّى الأمرُ عنّا، وأسمَحتْ
عصا البينِ، وانبتّ الرجاءُ المؤمَّل
وقد أبقت الأيامُ منيّ، على العدى ،
حُساماً، إذا مسَّ الضريبة َ، يَفصِل
ولستُ كمن إن سِيمَ ضَيماً أطاعَهُ،
ولا كامرىء ٍ، إن عضّهُ الدهرُ يَنكُل
لعمري، لقد أبدى ليَ البينُ صَفحَهُ،
وبيّنَ لي ما شئت، لو كنتُ أعقِل
وآخرُ عهدي، من بثينَة نظرة ٌ،
على مَوقِفٍ، كادت من البَينِ تقتلُ
فللهِ عينا من رأى مثل حاجة ٍ،
كتَمتُكِها، والنفسُ منها تَمَلمَلُ
وإني لأستبكي، إذا ذُكِر الهوى ،
إليكِ، وإني، من هواكِ، لأوجِل
نظرتُ ببِشرٍ نظرة ً ظَلْتُ أمْتري
بها عَبرة ً، والعينُ بالدمعِ تُكحَل
إذا ما كَررتُ الطرفَ نحوكِ ردّه،
من البُعدِ، فيّاضٌ من الدمعِ يَهمِل
فيا قلبُ، دع ذكرى بثينة َ إنها،
وإن كنتَ تهواها، تَضَنّ وتَبخَل
قناة ٌ من المُرّان ما فوقَ حَقْوِها،
وما تحتَه منها نَقاً يَتهيّل
وقد أيأستْ من نيلها، وتجهمتْ،
ولَليأسُ، إن لم يُقدَر النّيْلُ، أمثَل
وإلاّ فسلها نائلاً قبلَ بينها،
وأبخِلْ بها مسؤولة ً حين تُسأل
وكيف تُرجّي وصلَها، بعد بُعدِها،
وقد جذُّ حبلُ الوصلِ ممن تؤملُ
وإنّ التي أحببتَ قد حِيلَ دونَها،
فكن حازماً، والحازِمُ المُتحوِّل
ففي اليأسِ ما يُسلي، وفي الناس خُلّة ٌ،
وفي الأرضِ، عمنّ لا يؤاتيكَ، معزلُ
بدا كلفٌ مني بها، فتثاقلت،
وما لا يُرى من غائبِ الوجدِ أفضَل
هبيني بريئاً نلتهُ بظلامة ٍ،
عفاها لكمُ، أو مذنباً يتنصلُ

---------


خلِيليّ، عوجا اليومَ حتى تُسَلّما
على عذبة ِ الأنياب، طيبة ِ النشرِ
فإنكما إن عُجتما ليَ ساعة ً،
شكرتكما ، حتى أغيّبَ في قبري
ألما بها، ثم اشفعا لي، وسلّما
عليها، سقاها اللهُ من سائغِ القطرِ
وبوحا بذكري عند بثنة َ ، وانظرا
أترتاحُ يوماً أم تهشُّ إلى ذكري
فإن لم تكنْ تقطعْ قُوى الودّ بيننا،
ولم تنسَ ما أسلفتُ في سالفِ الدهرِ
فسوف يُرى منها اشتياقٌ ولوعة ٌ
ببينٍ، وغربٌ من مدامعها يجري
وإن تكُ قد حالتْ عن العهدِ بَعدنا،
وأصغتْ إلى قولِ المؤنّبِ والمزري
فسوف يُرى منها صدودٌ، ولم تكن،
بنفسيَ، من أهل الخِيانة ِ والغَدر
أعوذ بكَ اللهمُ أن تشحطَ النوى
ببثنة َ في أدنى حياتي ولا حَشْري
وجاور، إذا متُّ ، بيني وبينها،
فيا حبّذا موتي إذا جاورت قبري!
عدِمتُكَ من حبٍّ، أما منك راحة ٌ،
وما بكَ عنّي من تَوانٍ ولا فَتْر؟
ألا أيّها الحبّ المُبَرِّحُ، هل ترى
أخا كلَفٍ يُغرى بحبٍّ كما أُغري؟
أجِدَّكَ لا تَبْلى ، وقد بليَ الهوى ،
ولا ينتهي حبّي بثينة َ للزّجرِ
هي البدرُ حسناً، والنساءُ كواكبٌ،
وشتّانَ ما بين الكواكب والبدر!
لقد فضّلتْ حسناً على الناس مثلما
على ألفِ شهرٍ فضّلتْ ليلة القدرِ
عليها سلامُ اللهِ من ذي صبابة ٍ،
وصبٍّ معنّى ً بالوساوس والفكرِ
وإنّكما، إن لم تَعُوجا، فإنّني
سأصْرِف وجدي، فأذنا اليومَ بالهَجر
أيَبكي حَمامُ الأيكِ من فَقد إلفه،
وأصبِرُ؟ ما لي عن بثينة َ من صبر!
وما ليَ لا أبكي، وفي الأيك نائحٌ،
وقد فارقتني شختهُ الكشح والخصرِ
يقولون: مسحورٌ يجنُّ بذكرها،
وأقسم ما بي من جنونٍ ولا سحرِ
وأقسمُ لا أنساكِ ما ذرَّ شارقٌ
وما هبّ آلٌ في مُلمَّعة ٍ قفر
وما لاحَ نجمٌ في السماءِ معلّقٌ،
وما أورقَ الأغصانُ من فننِ السدرِ
لقد شغفتْ نفسي، بثينَ، بذكركم
كما شغفَ المخمورُ، يا بثنَ بالخمرِ
ذكرتُ مقامي ليلة َ البانِ قابضاً
على كفِّ حوراءِ المدامعِ كالبدرِ
فكِدتُ، ولم أمْلِكْ إليها صبَابَة ً،
أهيمُ، وفاضَ الدمعُ مني على نحري
فيا ليتَ شِعْري هلْ أبيتنّ ليلة ً
كليلتنا، حتى نرى ساطِعَ الفجر،
تجودُ علينا بالحديثِ، وتارة ً
تجودُ علينا بالرُّضابِ من الثغر
فيا ليتَ ربي قد قضى ذاكَ مرّة ً،
فيعلمَ ربي عند ذلك ما شكري
ولو سألتْ مني حياتي بذلتها،
وجُدْتُ بها، إنْ كان ذلك من أمري
مضى لي زمانٌ، لو أُخَيَّرُ بينه،
وبين حياتي خالداً آخرَ الدهرِ
لقلتُ: ذروني ساعة ً وبثينة ً
على غفلة ِ الواشينَ، ثم اقطعوا عمري
مُفَلَّجة ُ الأنيابِ، لو أنّ ريقَها
يداوى به الموتى ، لقاموا به من القبرِ
إذا ما نظمتُ الشعرَ في غيرِ ذكرها،
أبى ، وأبيها، أن يطاوعني شعري
فلا أُنعِمتْ بعدي، ولا عِشتُ بعدها،
ودامت لنا الدنيا إلى ملتقى الحشرِ










منقول