النصر مع الصبر والفرج مع الشدة

إلى كل من كان له قلب وبصيرة
نهدي هذه الكلمات المستمدة من عقيدتنا وإيماننا بحتمية النصر وقرب الفرج.
قال الله تعالى:

(أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد . ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام . ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) [سورة الزمر: 36-38] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي:
" يا غلام أو يابني ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟
فقلت: بلى. قال:
احفظ الله يحفظك،
احفظ الله تجده أمامك،
تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة،
إذا سألت فاسأل الله،
وإذا استعنت فاستعن بالله،
فقد جف القلم بما هو كائن،
فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه،
واعمل لله بالشكر واليقين،
واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا،
وأن النصر مع الصبر،
وأن الفرج مع الكرب،
وأن مع العسر يسرا " .

وزاد ابن أبي حاتم في روايته:
" قل حسبي الله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون،
كما قال هود عليه الصلاة والسلام
حين قال قومه إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء،
قال: إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" .

فتأمل في الآية والحديث تجد المفاهيم التالية :
حفظ الله للمسلمين مرهون بحفظ المسلمين لله
(أي بتطبيق منهج الله تعالى في جميع أمورهم).
إذا أراد المسلمون معونة الله تعالى في الشدائد فلابد من التزامهم بمنهج الإسلام وأحكامه في أوقات الرخاء.
الاستعانة الحقيقية المؤثرة هي ما كانت بالله تعالى والاتكال لا يكون إلا على الله القوي العزيز.
لن تغير هذه القاعدة الربانية أي قوة في الدنيا مهما عظمت،

فلا يملك كل الطغاة والمستكبرين مجتمعين إيذاء شخص إلا وفق قدر الله تعالى وقضائه.
العمل المتواصل الدؤوب بما يرضي الله تعالى
(من رص الصفوف وإعداد العدة والجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى الخ)

هو صمام الأمان للعالم الإسلامي لضمان التأييد الرباني.
لابد من الصبر لمواجهة الشدائد، فلا يجوز الارتماء في أحضان العدو بحجة رفع الشدائد.
تلازم النصر مع الصبر،
والفرج مع الكرب،
واليسر مع العسر،
ومن أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
اشتدي أزمة تنفرجي،
يعني:
يا أزمة ابلغي النهاية في الشدة حتى تنفرج،
فإن الشدة إذا تناهت انفرجت بشهادة الاستقراء،
فليس المراد حقيقة أمر الشدة بالاشتدا بل طلب الفرج،
إن مع العسر يسرا ..

وفيه نوع تسلية وتأنيس بأن الشدة المتناهية نوع من النعمة لما يترتب عليها،
ومن كلام العلام:
الشدة إذا تناهت انفرجت.
وأنشد بعضهم :
إذا الحادثات بلغن النهى وكادت تذوب لهن المهج
وحل البلاء وقل العزاء فعند التناهي يكون الفرج

يا معشر اليائسين المحبطين احذروا :
قال الله تعالى :
(إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)
قال الإمام الطبري:
" يعتي القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء تكوينه " .
وقال تعالى:
(وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا) .

في الأنبياء أسوة حسنة :
قال الله تعالى:
(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين .
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) .
فالله عز وجل يسوق لنا قصص الأنبياء وصبرهم على الأذى والباساء والضراء،
وحتمية تنزل النصر عليهم وعلى أتباعهم،
وأن النصر يتنزل مع شدة الكرب.
وأنشد أحدهم :
أما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة فآل به الصبر الجميل إلى الملك

وكتب بعضهم إلى صديق له:
وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به آخر الحزن
فلا تيئسن فالله ملك يوسفا خزائنه بعد الخلاص من السجن

حتمية البلاء والامتحان قبل تنزل النصر والتمكين :
قال تعالى:
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [سورة البقرة: 214].
فتأمل ماذا يدخل في البأساء والضراء والخوف الشديد المزلزل.
و كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال:
قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا الا تدعو الله لنا؟
فقال:
" إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد مابين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه
ثم قال
والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون " .
وقال الله تعالى:
(الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)

وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم
في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى:
(إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناهنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) .
ثم حذرنا الحق تبارك وتعالى من التشبه بالمنافقين الذين قالوا
(وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) .

ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه؟
قال: نعم.
قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟
قال سجالا يدال عينا وندال عليه.
قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. رواه الشيخان .
وقوله تعالى:
(مثل الذين خلوا من قبلكم)
أي سنتهم
كما قال تعالى:
(فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين)
وقوله:
(وزلزلوا حتى يقول الرسل والذين آمنوا معه متى نصر الله)
أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج ثم ضيق الحال والشدة،

قال الله تعالى:
(ألا إن نصر الله قريب)
كما قال:
(فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا)
وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولهذا قال:
(ألا إن نصر الله قريب).

وفي حديث أبي رزين:
"عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب".

انتظار الفرج عبادة :
عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل،
وأفضل العبادة انتظار الفرج " .
التدوين في أخبار قزوين ج: 2 ص: 117.

الأمر بالتهليل والتسبيح لله جل وعلا مع التحميد لمن أصابته شدة أو كرب :
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
أنه قال:
لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم
هؤلاء الكلمات وأمرني إن أصابني كرب أو شدة أقولهن:
لا إله إلا الله الحليم الكريم،
سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم،
والحمد لله رب العالمين .
صحيح ابن حبان

توصيات :
- الدعاء بهذه الكلمات
(لا إله إلا الله الحليم الكريم،
سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم،
والحمد لله رب العالمين)
بعد صلوات الجمع حتى يحفظها الناس
(فكل المؤمنين اليوم في شدة وكرب).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

د. إبراهيم أحمد مهنا