المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ـ"حفظ اللسان" ...



RSS
19-09-2011, 03:21 PM
"حفظ اللسان"
إذا كان الكلام من فضةفإن السكوت من ذهب" جملة عظيمة قالها لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه، ولا شكأنها وصية عظيمة جليلة لو عمل بها الناس لاستراحوا وأراحوا، ألا ترى أن اللسان علىصغره عظيم الخطر، فلا ينجو من شرِّ اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فيكفه عن كل مايخشى عاقبته في الدنيا والآخرة. أما من أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخيَ العنان، سلكبه الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هارٍ، أن يضطره إلى دار البوار، ولا يكبالناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

فعن معاذ رضياللهعنه قال: "كنت معالنبي صلى اللّه عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسولاللّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم وإنهليسير على من يسره اللّه عليه: تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتيالزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة،والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثمتلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ)[السجدة:16] حتى بلغ (يعملون) ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه: قلت: بلىيا رسول اللّه قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت بلى يا رسول اللّه، قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليكهذا. فقلت: يا نبي اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهليكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم".

احفظلسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه كانتتخاف لقاءه الشجعان

أطايبُ الكلام تُورث سكنى أعالي الجنان:

عن رسولالله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرها من باطنها وباطُنها منظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، صلَّىبالليل والناسُ نيام".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "أطِب الكلام، وأفشِ السلام، وصِل الأرحام، وصلِّ بالليل والناسنيام، ثم ادخل الجنة بسلام". ومما يدل على عظم خطورة اللسان قوله صلى الله عليهوسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما كان يظنُّ أن تبلغ مابلغت، يكتُبُ الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخطالله، ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه" .

وعن سفيانبنعبد الله رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله! حدِّثني بأمرٍ أعتصم به؛ قال: "قل: ربي الله ثم استقم". قلت: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلساننفسه ثم قال: "هذا".

ومن حفظ اللسان طول الصمت إلا عن خير:

قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: "عليك بُحسن الخلُق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده، ماتجمَّل الخلائق بمثلهما".

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولالله! أي المسلمين أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده".

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

وعن عبد الله بن مسعود رضي اللهعنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أيُّ الأعمالأفضل؟ قال: "الصلاة على ميقاتها" قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: "أن يسلمالمسلمون من لسانك".

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: جاء أعرابيٌُّإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! علِّمني عملاً يدخلني الجنة. قال: "إن كنت أقصرتَ الخُطبة لقد أعرضت المسألة، اعتقِ النسمة، وفُكَّ الرقبة، فإنلم تُطِق ذلك، فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لمتُطق ذلك، فكُفَّ لسانك إلا عن خير". وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلتُ: يارسول الله! ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك علىخطيئتك".

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيمإيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنةرجل لا يأمن جارُه بوائقه". وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "إنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلَّمت كُتِبَ لك أوعليك".

وعن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أوصني. قال: "اعبدالله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله". قال: "هذا". وأشار بيده إلى لسانه صلى الله عليه وسلم. وعن أبي سعيد الخدري رضيالله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاءكلها تُكفِّر اللسان؛ فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإناعوججت اعوججنا".

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يضمنُ لي ما بينلحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".

وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال صلىالله عليه وسلم: "ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرَب اللسان على حدَّته" .

وصحعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "والذي لا إله غيره؛ ما على ظهر الأرضمن شيء أحوج إلى طول سجنٍ من لسان".

وعن أسلم أن عمر رضي الله عنه دخل يومًاعلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه، فقال عمر: مَه، غفر الله لك. فقالله أبو بكر: إن هذا أوْردني شرَّ الموارد.

أقسام الكلام:

ويدلك علىفضل الصمت أمرٌ، وهو أن الكلام أربعة أقسام:





أما الذي هوضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر.

وأماما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فُضُول ، والاشتغال به تضييع زمان، وهو عين الخسران،فلا يبقى إلا القسم الرابع؛ فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي رُبع، وهذا الربع فيهخطر، إذ يمتزجُ بما فيه إثم، من دقيق الرياء والتصنُّع والغيبة وتزكية النفس، وفضولالكلام، امتزاجًا يخفى دركُه، فيكون الإنسان به مخاطرًا.

ومن عرف دقائق آفاتاللسان، علم قطعًا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصلُ الخطاب، حيث قال: "من صمتنجا". فلقد أوتي والله جواهر الحكم، وجوامع الكلم، ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته منبحار المعاني إلا خواصُّ العلماء.

تعلموا الصمت كما تعلمهالأسلاف:

قال مورّق العجْليرحمهالله: تعلمت الصمتَ في عشر سنين، وما قلتُ شيئًا قط -إذاغضبتُ- أندمُ عليه إذا زال غضبي.

إبراهيم بن أدهم:

قال أبو إسحاقالفزراي: كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يطيل السكوت، فإذا تكلم ربَّما انبسط. قال: فأطال ذات يومٍ السكوت، فقلتُ: لو تكلَّمتَ؟ فقال: الكلام على أربعة وُجوه: فمنالكلام كلامٌ ترجو منفعته، وتخشى عاقبته، والفضل في هذا: السلامة منه. ومن الكلامكلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته، فأقلُّ ما لك في تركه خِفَّة المؤنة على بدنكولسانك. ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا قد كفي العاقل مؤنته. ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا الذي يجب عليك نشره. قال خلف بنتميم: فقلتُ لأبي إسحاق: أراهُ قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام؟ قال: نعم.

عن أمحبيب زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمرٌ بالمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكرالله".

الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً

فإذا ندمتعلى سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مراراً

وقالمحمدبن النضرالحارثي: كان يقال: كثرة الكلام تذهب بالوقار.

وقال محارب: صحبنا القاسم بنعبد الرحمن، فغلبنا بطول الصمت، وسخاء النفس، وكثرة الصلاة.

وعن الأعمش عنإبراهيم قال: كانوا يجلسون فأطولهم سكوتًا أفضلهم في أنفسهم.

وقال فضيل بنعياض رحمه الله: ما حجٌّ ولا رباطٌ ولا اجتهاد أشد من حبس اللسان، ولو أصبحتيُهمُّك لسانُك أصبحتَ في غمٍّ شديد.

وقال رحمه الله: سجن اللسان سجنالمؤمن، وليس أحد أشدَّ غمًّا ممن سجن لسانه.

وعن عمر بن عبد العزيز قال: إذا رأيتم الرجل يُطيل الصمت ويهرب من الناس، فاقتربوا منه؛ فإنه يُلَقَّنالحكمة.

وقال رجل لعبد الله بن المبارك رحمه الله: ربما أردتُ أن أتكلَّمَبكلام حسن، أو أُحدِّث بحديث فأسكتُ، أريد أن أُعوِّد نفس السكوت. قال: تُؤجَرُ فيذلك وتشرُف به.

وقال عبد الله بن أبي زكريا: عالجتُ الصمت عشرين سنة، فلمأقدر منه على ما أريد.

وعن مسلم بن زياد قال: كان عبد الله بن أبي زكريا لايكاد أن يتكلَّم حتى يُسأل، وكان من أبشِّ الناس وأكثرهم تبسُّمًا.

وقالخارجة بن مصعب: صحبت ابن عون ثنتي عشرة سنة، فما رأيته تكلّم بكلمة كتبها عليهالكرامُ الكاتبون.

قال محمد بن واسع لمالك بن دينار: يا أبا يحيى، حفظاللسان أشدُّ على الناس من حفظ الدينار والدرهم.

ترك الكلام فيما لايعني:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركُهُ ما لا يعنيه" .

وقال الأوزاعي: كتب إلينا عمر بنعبد العزيز رحمه الله: أما بعد: فإن من أكثر ذكر الموت، رضي من الدنيا باليسير، ومنعدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه.

وقال عطاء بن أبي رباحلمحمد بن سُوقة وجماعة: يا بني أخي، إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام،وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه أو تأمر بمعروف، أو تنهى عنمنكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْلَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ) [الانفطار:10، 11]، (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِالشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17، 18]. أمَا يستحي أحدكم أنه لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره، كانأكثر ما فيها، ليس من أمر دينه، ولا دُنياه.

وقد مر بنا حديث رسول الله صلىالله عليه وسلم الذي رواه عنه بلال بن الحارث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوانالله...."الحديث. وكان علقمة يقول: كم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث رضي اللهعنه.

وعن الحسن قال: يا ابن آدم، بُسطت لك صحيفة، ووُكِّل بك ملكان كريمانيكتبان عمَلك، فأكثر ما شئت أو أقلَّ.

وكان رحمه الله يقول: من كثر مالهكثرت ذُنُوبه، ومن كثر كلامه كثر كَذِبُه، ومن ساء خلُقه عذَّب نفسه.

وكانطاووس يعتذر من طول السكوت، ويقول: إني جرَّبتُ لساني فوجدته لئيمًاراضعًا.

[واللئيم الراضع هو الخسيس الذي إذا نزل به الضيف رضع بفيه شاتهلئلا يسمعه الضيف فيطلب اللبن].

وقال إبراهيم التيمي: المؤمن إذا أراد أنيتكلم نظر، فإن كان كلامه له تكلم، وإلا أمسك عنه.

فاحفظ لسانك أيها الحبيب تنج:

عود لسانك قول الخير تنج به من زلة اللفظ أو من زلة القدم 1- قسم هو ضررٌ محض. 2- وقسم هو نفع محض. 3- وقسم هو ضررٌ ومنفعة. 4-قسم ليسفيه ضررٌ ولا منفعة.


------------------------------------

وصلى الله وسلم على نبينامحمد









منقول