تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : ـمعالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري ...



RSS
14-08-2011, 06:12 PM
معالم الخطاب الإسلامي الجديد
د. عبد الوهاب المسيري

يميل بعضهم إلى تصوير الخطاب الإسلامي باعتباره خطاباً واحدياً، أي ذا بعد واحد، والدين الإسلامي هو ولاشك عقيدة التوحيد، لكن التوحيد لا يعني الواحدية، فالتوحيد يعني أن الله الواحد مفارق للإنسان والكون، منزه عنهما وهو ما يعني أن الواحد هو الله وحده وما عدا ذلك فكثير.

والخطاب الإسلامي ليس كلام الله، وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان،
ومن ثم فهو أيضاً متعدد، وكثير وتاريخ المسلمين هو تعبير عن هذه الكثرة والتعددية.
ونحن نميل إلى تصنيف مستويات الخطاب الإسلامي على النحو التالي:
أ ـ خطاب إسلامي ظهر مع دخول الاستعمار العالم الإسلامي وحاول أن يقدم استجابة إسلامية لظاهرتي التحديث والاستعمار، وقد ظل هو الخطاب المهيمن حتى منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي القديم.

ب ـ ظهر خطاب آخر كان هامشياً ولكن معالمه بدأت تتحدد تدريجياً في منتصف الستينيات، وهو ما نشير إليه بالخطاب الإسلامي الجديد، ونقطة الاختلاف بين الخطابين هي الموقف من الحداثة الغربية.

ولكن إلى جانب هذا التصنيف الثنائي على أساس المرحلة التاريخية، قد يكون من المفيد أن نشير إلى تصنيف ثلاثي على أساس حَمَلَة الخطاب:
1ـ الخطاب الجماهيري (أو الاستغاثي أو الشعبوي): وهو خطاب القاعده العريضة من الجماهير الإسلامية التي شعرت بفطرتها أن عمليات التحديث والعلمنة والعولمة لم يكن فيها خير للأمة ولا صلاح لها، كما لاحظت أن هذه العمليات هي في جوهرها عمليات تغريب، سلبتها موروثها الديني والثقافي ولم تعطها شيئاً في المقابل، بل أدت إلى مزيد من الهيمنة الاستعمارية والاستقطاب الطبقي في الداخل. هذه الجماهير تحاول التمسك والتشبث بالإسلام (فهي تعرفه جيداً) وتشرنقت داخله إلى أن يأتي الله بالفرج.
فهي تتحرك بموروثها الإسلامي وتستغيث في الوقت نفسه طلباً للنجدة، ولكنها لا تقدم فكراً ولا حركة سياسية منظمة، وعادةً ما يعبر هذا الخطاب عن نفسه من خلال هبات تلقائية غاضبة ضد أشكال التغريب المتطرف والغزو الاستعماري تارة، وتارة أخرى من خلال فعل الخير الفردي (إعطاء الصدقات) والاجتماعي (تأسيس مساجد ومستشفيات ومدارس ـ موائد الرحمن… إلخ)، ويعبر الخطاب الجماهيري أحياناً عن نفسه من خلال أعمال العنف الاحتجاجي، وهذا الخطاب الجماهيري يضم الفقراء بالدرجة الأولى، ولكنه يضم في صفوفه أيضاً الأثرياء ممن يشعرون بأهمية الموروث الديني والحضاري، ومَن أدركوا أن في ضياعه ضياعاً لكل شيء.


2ـ الخطاب السياسي: هو خطاب بعض أعضاء الطبقة المتوسطة من المهنيين والأكاديميين وطلبة الجامعات والتجار ممن شعروا أيضاً بالحاجة إلى عمل إسلامي يحمي هذه الأمة. وقد أدركوا أن العمل السياسي هو السبيل إلى هذا، فقاموا بتنظيم أنفسهم على هيئة تنظيمات سياسية لا تلجأ للعنف، تتبعها تنظيمات شبابية ومؤسسات تربوية، ويميل بعض حَمَلَة الخطاب السياسي إلى محاولة الاستيلاء على الحكم بالقوة، أما بعد عام 1965 (كما سنبين بعد) فيلاحظ أن ثمة اتجاهاً عاماً نحو العمل من خلال القنوات الشرعية القائمة، واهتمام حَمَلَة هذا الخطاب يكاد ينحصر في المجال السياسي والتربوي.
3ـ الخطاب الفكري: هو الخطاب الذي يتعامل أساساً مع الجانب التنظيري والفكري داخل الحركة الإسلامية.

وهذا التقسيم لا يعني انفصال مستويات الخطاب الثلاثة فالخطابان الجماهيري والسياسي متداخلان، وقل الشيء نفسه عن الخطابين السياسي والفكري، ورغم انفصال الخطاب الجماهيري عن الخطاب الفكري إلا أن تداخلاً يحدث بينهما من خلال الخطاب السياسي وهكذا. ولكن رغم تأكيد هذه الوحدة الأساسية بين مستويات الخطاب الثلاثة، نجد أن من المفيد من الناحية التحليلية، أن نفترض استلالها الواحد عن الآخر.

وهذه الورقة الأولية ستركز بالدرجة الأولى على الخطاب الفكري الإسلامي وبدرجة أقل على الخطاب السياسي، وهي تهدف إلى التمييز بين الخطاب الإسلامي القديم والخطاب الإسلامي الجديد، فأية حركة فكرية وسياسية يجب أن تتوقف من آونة لأخرى لتتأمل ذاتها وتجرد بعض الملامح والخطوط العامة لحركتها، حتى يمكنها أن تطور نفسها وأن تعمق أطروحاتها.

الموقف من الحضارة الغربية

ولنبدأ محاولة التمييز هذه من نقطة محورية، أي موقف كل من الخطاب الإسلامي القديم والجديد من الحضارة الغربية، فهذا الموقف هو الذي حدد كثيراً من ملامحهما وتوجههما وأطروحاتهما، ويجب أن ندرك أن دعاة الإصلاح الأُوَل كانوا يتعاملون مع الحضارة الغربية في مرحلة مختلفة عن المرحلة التي نتعامل نحن فيها مع هذه الحضارة، فعلى الرغم من أن النموذج العلماني (الشامل) هو النموذج الأساسي في التشكيل الحضاري الغربي الحديث منذ بدايته، فعلى الرغم من أنه يشغل المركز في وجدان الإنسان الغربي الحديث ويشكل رؤيته إلى الكون،

وعلى الرغم من أن الحضارة الغربية الحديثة كانت قد اتضحت هويتها باعتبارها حضارة إمبريالية شرسة، إلا أنها مع هذا كانت تحوي قدراً كبيراً من الثبات والإيمان بالقيم المطلقة على مستوى الرؤية، إن لم يكن أيضاً على مستوى الممارسة. كما كانت هذه الحضارة تدعي أنها حضارة إنسانية هيومانية متمركزة حول الإنسان،

وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم تكن كثير من الظواهر المرضية التي تسم المجتمعات الغربية في الوقت الحاضر قد ظهر بعد. وقد يكون من المستحسن أن نتصور العلمانية (الشاملة) لا باعتبارها نموذجاً ثابتاً، وإنما باعتبارها متتالية آخذة في التحقق تدريجياً في الزمان والمكان. ويمكننا القول بأن كثيراً من حلقات هذه المتتالية لم يكن قد تحقق بعد مع نهاية القرن التاسع عشر، فالحياة الخاصة كانت لا تزال بمعزل عن عمليات
العلمنة،

فكان الإنسان الغربي علمانياً شاملاً في حياته العامة، متديناً ملتزماً بأهداب الفضيلة وبالمنظومة الدينية المسيحية في حياته الخاصة، ولذا فالحضارة الغربية لم تكن حضارة علمانية مادية تماماً، فالقيم (الدينية والإنسانية) كانت تلعب فيها دوراً واضحاً وإيجابياً منحها قدراً من التماسك والغائية.

وحينما احتك المصلحون الإسلاميون الأُوَل بهذه الحضارة فهم لم يحتكوا بحضارة علمانية بالمعنى الشامل وإنما احتكوا بحضارة علمانية بشكل جزئي تمت علمنة بعض جوانب الحياة العامة فيها وحسب، ولم تكن الحلقات الأخيرة من متتالية العلمانية الشاملة قد تحققت بعد، أي أن كثيراً من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطاً ثابتاً وظاهرة محددة، كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها.
علاوة على هذا، لم يكن الخطاب النقدي الغربي للحداثة والاستنارة قد تبلور بعد، على الرغم من تعالي بعض الأصوات، فالأدب الرومانتيكي الغربي،

على سبيل المثال، هو في جوهره أدب احتجاج على كثير من جوانب الحداثة الغربية، وكتابات المفكر الإنجليزي إدموند بيرك وبعض المفكرين المحافظين تحتوي على إشارات لكثير من الموضوعات التي طورها الخطاب النقدي الغربي فيما بعد، إلا أن مثالب الحضارة الغربية، سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الممارسة، لم تكن مسألة واضحة بعد لدارسي ومراقبي هذه الحضارة.
الخطاب الإسلامي الجديد.. والغرب






منقول