RSS
16-07-2011, 05:40 PM
جميع القواعد الفقهية المدنية!
القاعدة الأولى : الأمور بمقاصدها
الشرح
الأمور جمع أمر ، وهو : لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، ومنه قوله تعالى إليه يرجع الأمر كله ) ، ( قل أن الأمر كله لله ) ، ( وما أمر فرعون برشيد ) ، أي ما هو عليه من قول أو فعل . ( ر:مفردات الراغب) .
ثم أن الكلام على تقدير مقتضى ، أي : أحكام الأمور بمقاصدها لأن علم الفقه إنما يبحث عن أحكام الأشياء لا عن ذواتها ، ولذا فسر أمر المجلة القاعدة بقبولها : (( يعني أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ماهو المقصود من ذلك الأمر )) .
أصل هذه القاعدة فيما يظهر قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إنما الأعمال بالنيات )) .
-----------------------------
القاعدة الثانية : العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني ، لا للألفاظ والمباني
الشرح
[ ((العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني )) ] في الباب الموفي أربعين من معين الحكام لكن بلفظ في التصرفات بدل العقود ، وهو أعم من التعبير بالعقود ، فيشمل الدعاوى كما سيأتي عن أصول الكرخي : (( ولذا يجري الرهن في بيع الوفاء)) .
هذه القاعدة بالنسبة للتي قبلها كالجزئي من الكلي ، فتلك عامة وهذه خاصة فتصلح أن تكون فرعاً منها .
والمراد بالمقاصد والمعاني : ما يشمل المقاصد التي تعينها القرائن اللفظية التي توجد في عقد فتكسبه عقد حكم آخر كما سيأتي قريباً في إنعقاد الكفالة بلفظ الحوالة ، وانعقاد الحوالة بلفظ الكفالة ، إذا إشترط فيها براءة المديون عن المطالبة ، أو عدم براءته .
وما يشمل المقاصد العرفية المرادة للناس في إصطلاح تخاطبهم ، فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود ، فقد صرح الفقهاء بأنه يحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه . ( ر: رد المحتار ، من الوفق عند الكلام على قولهم : وشرط الواقف كنص الشارع ) .
ومن هذه القسم ماذكروه من إنعقاد بعض العقود بألفاظ غير الألفاظ الموضوعة لها مما يفيد معنى تلك العقود في العرف ، كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والإعطاء . ( ر: مادة/ 169 و / 172 / من المجلة ) ، وكذا إنعقاد شراء الثمار على الأشجار بلفظ (( الضمان )) في عرفنا الحاضر .
------------------------------------
القاعدة الثالثة : اليقين لايزول بالشك
الشرح
اليقين لغةً : العلم الذي لاتردد معه ، وهو في أصل اللغة : الاستقرار ، يقال : يقن الماء في الحوض إذا أستقر . ( ر: تعريفات السيد ) . ولا يشترط في تحقق اليقين الاعتراف والتصديق بل يتصور مع الجحود ، كما قال تعالى : (وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ) .
واليقين في اصطلاح علماء المعقول هو : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت . فخرج بالقيد الأول ، أعني الجازم ، الظن وغلبة الظن ، لانه لاجزم فيهما . وخرج بالقيد الثاني ماليس مطابقاً للواقع وهو الجهل وهو ان كان صاحبه جازماً . وخرج بالقيد الثالث إعتقاد المقلد فيما كان صواباً ، لأن إعتقاده لما لم يكن عن دليل كان عرضة للزوال . فكل ذلك ليس من اليقين في شيء .
لكن المناسب هنا تفسير اليقين بالمعنى الأول اللغوي ، لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر ، فكثيراً ما يكون الأمر في نظر الشرع يقيناً لايزول بالشك في حين أنَّ العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه ، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان ، مع أن شهادة الشهود لاتخرج عن كونها خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب ، وهذا الإحتمال الضعيف لايخرج ذلك عن كونه يقيناً لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر . ( ر: ما سيأتي قريباً ) .
والشك : التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما عن الآخر ، فإن ترجح أحدهما على الآخر بدليل ووصل ترجيحيه إلى درجة الظهور الذي يبنى عليه العاقل أموره لكن لم يطرح الإحتمال الآخر فهو الظن . فإن طرح الإحتمال الآخر ، بمعنى أنه لم يبقى له إعتبار في النظر لشدة ضعفه ، فهو غالب الظن ، وهو معتبر شرعاً بمنزلة اليقين في بناء الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستنداً إلى دليل معتبر ، وذلك كما إذا رأى إنسان عيناً في يد آخر يتصرف بها تصرفاً يغلب على ظن من يشاهده أنها ملكه ، وكان مثله يملك مثلها ، ولم يخبر الرائي عدلان بأنها ملك غيره ، فإنه يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكها. ( ر: الدر المختار وحاشيته رد المحتار ، آخر كتاب الشهادات ) .
ومن غير الأكثر بعض مسائل لا تعتبر فيها غلبة الظن ، بل لابد فيها من اليقين :
(أ) منها ما لو عقد الرجل على أختين بعقدين متعاقبين ونسي الأول فإنه يفرق بينه وبين الإثنتين ولايجوز ترجيح أولية عقد أحدهما على الأخرى بغلبة الظن ، بل لابد من العلم ، لأن العلم لايجري في مسائل الفروج . ( ر: الدرر ، كتاب النكاح ، محرمات النكاح ) .
(ب) ومنها ما لو طلق واحدة معينة من نسائه ثم نسيها فإنه لايجوز له أن يطأ واحدة منهن إلا بعد العلم بالمطلقة ، ولايكفي التحري أو تغليب الظن ولايسع الحاكم أن يخلي بينه وبين نسائه حتى يتبين ،لأن التحري إنما يجوز فيما يباح عند الضرورة ، والفروج لاتحل للضرورة . ( ر : الأشباه والنظائر ، القاعدة السابقة منه ) .
(جـ) ومنها الحبل ، فإنهم يعتبرو ظهور علاماته دليل جازماً على وجود الحمل ولم يبنوا عليه الأحكام الجازمه وإن كان يغلب على ظن كل من رأى المرأة أنها حامل . إنسان للحمل بشيء أو وقف لاتصح الوصية له أو الوقوف عليه إلاّ إذا ولد لاقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقوف لكي يتقن بوجوده وقتهما . ( ر: الأشباه والنظائر ، القاعدة الرابعة منه ) .
ومثل الولادة لأقل من ستة أشهر ، فيما يظهر ، ما لو مات أبوه قبل الوصية له والوقوف فإنه تصح الوصية له والوقوف ، فقد قال في جامع أحكام الصغار ، في كتاب الشفعة : (( قال محمد رحمه الله تعالى في (( الأصل )) : والحمل في إستحقاق الشفعة والصغير والكبير سواء ، فإن وضعت لأقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء فله الشفعة ، وأن جات به لستة أشهر فصاعداً منذ وقع الشراء فإنه لاشفعة له إلا أن يكون أبوه قد مات قبل البيع وورث الحمل فحينئذٍ يستحق الشفعة ، ومن جاءت به لستة أشهر فصاعداً )) .
نعم جعلوا ظهور علامات الحبل إمارة رجحو بها قول المرأة أنها ولدت عند إنكار الزوج للولادة ووقفوا بها الميراث للحمل . ولينظر فيما علم وجود الحمل قبل الوصية أو الوقف بالمشاهدة بواسطة الأشعة المخترعة حديثاً المسماة (( أشعة رونتجن )) ، وكانت المشاهدة بطريق مشروع كالتداوي ، ثم ولدته لاكثر من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف ، فهل يعتبر ذلك موجباً لصحة الوصية والوقف للتيقن بوجود الحمل أو لايعتبر ؟.
والظاهر عدم إعتباره ، فلابد من الولادة لأقل من ستة أشهر ، لا شكاً فيما أظهرته الأشعة ، بل لأنها إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر لا يتيقن حينئذٍ بأن المولود هو الحمل الذي كان شوهد بالأشعة ، لجواز أنَّ المشاهد أسقط ثم حصل بعده حمل جديد .
أما إذا كانت غلبة الظن غير مستندة إلى دليل فلا كلام في عدم أعتبارها مطلقاً ، كما لو غلب على ظن الغاصب حل العين المغصوبة له بناءً على احتمال جعل المالك إياه في حل منها ، وكما لو ظفر إنسان بمال الغير فأخذه على احتمال أن مالكه أباحه لمن يأخذه ، فإنه يكون ضامناً ولا يعتبر غلبة الظن هذه مهما قويت ، لأنها غير مستنده إلى دليل ، أنه من مجرد التوهم ، ولا عبرة بالتوهم . ( ر: المادة / 74/من المجلة ) .
إن هذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية ، وقد قيل أنها تدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عليها ، من عبادات ومعاملات وغيرها يبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه .
ومعناها أن ماكان ثابتاً متيقناً لايرتفع بمجرد طروء الشك عليه لأن الأمر اليقيني لايعقل أن يزيله ما هو أضعف منه بل ما كان مثله أو أقوى .
هذا ، ولافرق بين أن يكون اليقين السابق : (1) مقتضياً للحظر ، (2) أو مقتضياً للإباحة ، فإن العمدة عليه في كلتا الحالتين ، ولا يلتفت إلى الشك في عروض المبيح على الأول ، وعروض الحاظر على الثاني.
فمن القسم الأول : ما لو غاب إنسان غيبة منقطعة بحيث لا يعلم موته ولا حياته ، فإن المعتبر اليقين السابق ، وهو على حياته ، إلى أن يعلم موته بالبينه أو بموت جميع أقرانه وأن كان إحتمال موته قائماً في كل لحظة ، فلا يجوز قسمة ماله بين الورثة ، ولو كان له وديعة عند آخر فيجب على المستودع حفظها ، فلو أعطاها للورثة يكون ضامناً .
----------------------------------
القاعدة الرابعة : الأصل بقاء ما كان على ما كان
الشرح
(( الأصل بقاء ما كان على ماكان ، حتى يقوم الدليل على خلافه )) لأن الأصل إذا أعترض عليه دليل خلافه بطل . ( ر : رد المحتار ، كتاب الدعوى ، آخر دعوى الرجلين ، نقلاً عن الزيلعي ) .
الأصل في اللغة : أسفل الشيء ، وفي الاصطلاح يطلق على معان كثيرة ، منها أن يستعمل بمعنى القانون والقاعدة المنطبقة على جزئياتها . ( ر : كليات أبي البقاء )، وهو المراد هنا .
ومعنى هذه القاعدة أنه إذا جهل في وقت الخصومة حال الشيء وليس هناك دليل يحكم بمقتضاه ، وكان لذلك الشيء حال سابقة معهودة ، فإن الأصل في ذلك يحكم ببقاءه وإستمراره على تلك الحال المعهودة التي كان عليها ، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك فيصار حينئذ إليه .
وذلك الدليل أحد أربعة أشياء : البينة ، والإقرار ، والنكول ، والأمارة الظاهرة ، على أن النكول يرجع إلى مجرد القرينة الظاهرة ، ( ر: ما سيأتي عن الحكام أثناء الكلام على القاعدة الثامنة : (( الأصل براءة الذمة )) ). فأما البينة والإقرار والنكول فأمثلتها واضحة معلومة ، وأما الأمارة الظاهرة فتحكيم الحال الآتي قريباً في الكلام على النوع الثاني من نوعي الاستصحاب .
إن هذه القاعدة ليست من القواعد الكلية التي ليست داخلة تحت غيرها بل هي ـ وما بعدها من القواعد الآتية حتى المادة / 13 / ـ من فروع المادة الرابعة المتقدمة وهي (( اليقين لايزول بالشك )) وداخلات تحتها .
---------------
القاعدة الخامسة : القديم يترك على قِدمه
الشرح
[(القديم يترك على قِدمه )] إلا إذا قام الدليل على خلافه ، كما في المادة /1224 / من المجلة .
القديم : هو الذي لايوجد من يعرف أوله . ( ر: المدة / 166/ من المجلة ).
ومعنى هذه القاعدة أنَّ التنازع فيه إذا كان قديماً تراعى فيه حالته التي هو عليها من القديم ، بلا زيادة ولانقص ولا تغيير ولاتحويل .
وإنما لم يجز تغيير القديم عن حاله أو رفعه بدون إذن صاحبه لانه لما كان من الزمن القديم على هذه الحالة المشاهدة فالأصل بقاؤه على ما كان عليه ، ولغلبة الظن أنه ما وضع إلا بوجهه الشرعي ( ر: الفتاى الخيرية ، فصل الحيطان ) .
فلو كان لأحد جناح في داره ممدود على أرض الغير ، وكان ذلك الجناح أو المسيل أو الممر قديماًً لايعرف من الحاضرين مبدأ لحدوثه ، فأراد صاحب الأرض أن يمنع صاحب الدار من مد الجناح أو التسييل أو المرور في أرضه ، أو أراد أن يحول المسيل أو الممر و يغيره عن حاله القديم فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه ( ر: المواد / 1224 و1225 و1229 / من المجلة ) .
وكذا ليس لصاحب الحق نفسه أن يحوله من جهة إلى جهة ، أو يصرف الممر مثلاً إلى دار أخرى له ،إلا إذا أذن له الآخر ، وللآذن ولورثته من بعده الرجوع عن هذا الأذن وتكليف صاحب الحق بإعادته إلى الحالة الأولى . ووجه جواز الرجوع ، كما في الخيانة ، أنَّ ذلك الإذن من قبيل الإعارة ، وهي غير لازمة . بخلاف ما لو بنى صاحب الأرض بناءً في الممر بإذن صاحب حق المرور فإنه يسقط حق مروره ولا يكون له بعد ذلك المخاصمة مع صاحب الأرض لاستعادته ، لأن إذنه ذلك إسقاط لحقه ، إلا إذا كان صاحب الحق مالكاً لرقبة الطريق فلا يمنع من المخاصمة واستعادته بعد إذنه بالبناء ، لأن الملك لايسقط بالإسقاط ، قال في فصل الأنهار من الفتاوى الخانية : (( ولو قال صاحب المسيل : أبطلت حقي في المسيل ، فإن كان له حق إجراء الماء دون الرقبة بطل حقه ، وأن كان له رقبة المسيل لا يبطل ذلك بالإبطال )) .
وكذلك لو كان نهر ، بين قوم ، يأخذ الماء من النهر الأعظم ، فمنهم من له فيه كوتان ومنهم من له ثلاث ، فقال أصحاب الكوى السفلى لأصحاب العليا : إنكم تأخذون من الماء أكثر من نصيبكم ، لأن كثرة الماء ورفعة يكون في أعلى النهر فيدخل في كواكم شيء كثير ، ونحن لا نرضى بهذا ، ونجعل لكم أياماً معلومة ونسدّ في أيامكم كوانا ولنا أياماً وانتم تسدون فيها كواكم ، فليس لهم ذلك ، بل يترك على حاله كما كان . وكذا لو أختصم أهل النهر فادعى بعضهم زيادة لم يكن ذلك إلا بحجة . والأصل في جنس هذا إن ما كان قديماً يترك على حاله ولايغير إلا بحجة ( ر : الفتاوى الخانية ، فصل الأنهار ) .
لايشترط في إعتبار التصرف القديم أن يكون ما يتصرف به قائماً في يد المتصرف إلى حين الخصومة ، بل يكفي أن يثبت المدعي وجوده في يده قبل الخصومة ، وأن المدعي عليه أحدث يده عليه ومنع المدعي منه ، فأنه يحكم به للمدعي ، لأن اليد الحادثه لاعبرة بها بل العبرة لليد الحقيقية ( ر: البحر الرائق ، شرح كنز الدقائق ، كتاب الدعوى ، أوائل دعوى الرجلين ، ج7 /256) .
وقد نصوا أنه لو كان لرجل نهر يجري في أرض غيره لسقي أراضيه وهو في يده يكريه ويغرس في حافتيه الأشجار مثلاً فأراد صاحب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه فليس له ذلك بل يترك على حاله لأن من هو في يده يستعمله بإجراء مائه ونحوه فعند الاختلاف القول قوله فلو لم يكن في يده ولم يكن جارياً وقت الخصومة فإن كان يدعي رقبة النهر فعليه أن يثبت أنه له وإن كان يدعي حق الإجراء في النهر فعليه أن يثبت أنه كان يجري ما لقديم لسقي أراضيه فيحكم له حينئذ بملك رقبة النهر في الصورة الأولى وبحق الإجراء في الثانية وبمثل ذلك يحسم الاختلاف إذا وقع في حق المرور أو حق التسييل في أرض أو على سطح أو في دار أو في طريق خاص أو بين علو وسفل ( ر الهداية وشروحها والملتقى والتنوير فصل الشرب والمادة 1177 من المجلة ) . هذا ثم إذا جهل حال المتنازع فيه ولم يعرف هل هو قديم أو حادث فالأصل فيه أنه إن كان في طريق خاص يعتبر قديماً حتى يقوم الدليل على يدخلوها عند الزحام وهذا التفسير يأتي في جميع الأحكام التي تذكر في غير النافذة ( ر جامع الفصولين الفصل الخامس والثلاثين صفحة 263 نقلاً عن خواهر زاده ) خلافه وإن كان في طريق العامة يعتبر حديثاً فللإمام أن ينقضه ( ر شرح المادة 224 من مرآة المجلة ) .
والمراد بالطريق الخاص في قولهم فالأصل فيه أنه إن كان في طريق خاص يعتبر قديماً هو ما كان مملوكاً رقبة لقوم وليس للعامة فيه حق أصلاً كما إذا كانت أرض مشتركة بين قوم بنوا فيها مساكن وجعلوا بينهم منها طريقاً حتى كان مملوكاً لهم على الخصوص فأما إذا كانت السكة مختطة من الأصل فحكمها حكم طريق العامة ولو غير نافذة إذ هي ملك العامة ألا يرى أن لهم أن يدخلوها عند الزحام وهذا التفسير يأتي في جميع الأحكام التي تذكر في غير النافذة ( ر جامع الفصولين الفصل الخامس والثلاثين صفحة 263 نقلاً عن جواهر زاده ) .
اختلف الإفتاء في اعتبار التصرف القديم في الحقوق فأفتى المرحوم خير الدين الرملي في سؤال رفع إليه بما يفيد عدم اعتباره وأنه لا بد من إقامة البينة على الحق المدعى به بخصوصه وتمسك بمسائل نصوا عليها وهي أن من ادعى حق المرور أو رقبة الطريق وأقام بينة شهدت له بأنه كان يمر في هذه لا يستحق بذلك شيئاً وأن الشاهد إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالملك بناء على معاينة اليد لا تقبل شهادته واستشهد له المرحوم ابن عابدين في تنقيح الفتاوى الحامدية بما نصوا عليه من أن الوقف إذا كان على القرابة وادعى رجل أنه من القرابة وأقام بينة شهدت أن الواقف كان يعطيه كل سنة مع القرابة لا يستحق بهذه الشهادة شيئاً وكذا لو شهدوا بإعطاء القاضي له مع القرابة كل سنة لا يكون إعطاء القاضي حجة انتهى وكل هذه الفروع لا تصلح للتمسك لأن الدعوى والشهادة فيها ليست من قبيل دعوى التصرف القديم المفسر بما تقدم ولا من قبيل الشهادة به كما هو ظاهر كيف وكتب المذهب والفتاوى ناطقة بلزوم اعتباره وقد أفتى باعتباره حامد أفندي العمادي في محلات عديدة من فتاويه ووافقه عليها نفس المرحوم ابن عابدين ونقل عن الشيخ إسماعيل الحائك أنه أفتى باعتباره أيضاً وكل ذلك بناء على ما صرحوا به في كتب المذهب من اعتباره وصرحوا أيضاً بأن اعتباره هو الاستحسان وأن عليه الفتوى لو ادعى أحد الخصمين الحدوث وادعى الآخر القدم فالقول قول من يدعي القدم والبينة بينة من يدعي الحدوث ( ر تنقيح الفتاوى الحامدية والمادة 1768 من المجلة ) .
بقي ها هنا شيء يكثر وقوعه ولم أر من تعرض له وهو ما لو ادعى أحدهما الحدوث وادعى الآخر مرور الزمن فهل يكلف مدعي الحدوث البينة أو يكلف البينة مدعي مرور الزمن لقائل أن يقول بالأول وأنه إذا ثبت الحدوث لا تسمع دعوى مرور الزمن وذلك لأن مدعي القدم يدعي مضي مدة على الأمر المتنازع فيه هي أضعاف مدة مرور الزمن لأن القديم كما تقدم ما لا يوجد من يعرف أوله وهذا لا يكون غالباً إلا بعد أن يمضي عليه أكثر من ثمانين أو تسعين سنة وقد تقدم في الكلام على القاعدة الثانية أن كون العبرة للمعاني يجري في الدعاوى والخصومات أيضاً فكأنه بدعوى القدم يدعي مرور الزمن مضاعفاً ولم يجعلوا له والحالة هذه غير كون القول قوله فقط ولم يجعلوا البينة بينته بل جعلوا البينة بينة مدعي الحدوث بلا استثناء ولو قلنا بتقديم بينة مرور الزمن لم يبق من فائدة لتدوين ما بني على اعتبار القدم والحدوث من الأحكام ولأصبح كثير من مواد المجلة التي تدور عليها سدى ومعطلاً عن العمل به كهذه المادة والتي بعدها ومادة 1224 و 1228 و 1229 و 1230 و 1232 وليس ادعاء ذلك والإقدام عليه بالأمر السهل ! .ولقائل أن يقول بتقديم بينة مدعي مرور الزمن وذلك لأن مدعيه يدعي عدم صلاحية الحاكم لرؤية الدعوى عليه فهو في الحقيقة ينازع الحاكم في ذلك قبل الدخول في الدعوى فإذا ثبت مرور الزمن تبين أن الحاكم ليس بحاكم في هذه الدعوى بخلاف ما إذا ادعى القدم دون مرور الزمن فإنه يكون حينئذ قد اختار جهة الدخول في الدعوى وأجاب خصمه عنها وذلك منه تسليم لصلاحية الحاكم لسماع الدعوى عليه وحيث كان خصمه يدعي الحدوث فالبينة بينته وهذا بلا شك أوجه وأمتن والله سبحانه أعلم .
القاعدة الأولى : الأمور بمقاصدها
الشرح
الأمور جمع أمر ، وهو : لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، ومنه قوله تعالى إليه يرجع الأمر كله ) ، ( قل أن الأمر كله لله ) ، ( وما أمر فرعون برشيد ) ، أي ما هو عليه من قول أو فعل . ( ر:مفردات الراغب) .
ثم أن الكلام على تقدير مقتضى ، أي : أحكام الأمور بمقاصدها لأن علم الفقه إنما يبحث عن أحكام الأشياء لا عن ذواتها ، ولذا فسر أمر المجلة القاعدة بقبولها : (( يعني أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ماهو المقصود من ذلك الأمر )) .
أصل هذه القاعدة فيما يظهر قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : (( إنما الأعمال بالنيات )) .
-----------------------------
القاعدة الثانية : العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني ، لا للألفاظ والمباني
الشرح
[ ((العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني )) ] في الباب الموفي أربعين من معين الحكام لكن بلفظ في التصرفات بدل العقود ، وهو أعم من التعبير بالعقود ، فيشمل الدعاوى كما سيأتي عن أصول الكرخي : (( ولذا يجري الرهن في بيع الوفاء)) .
هذه القاعدة بالنسبة للتي قبلها كالجزئي من الكلي ، فتلك عامة وهذه خاصة فتصلح أن تكون فرعاً منها .
والمراد بالمقاصد والمعاني : ما يشمل المقاصد التي تعينها القرائن اللفظية التي توجد في عقد فتكسبه عقد حكم آخر كما سيأتي قريباً في إنعقاد الكفالة بلفظ الحوالة ، وانعقاد الحوالة بلفظ الكفالة ، إذا إشترط فيها براءة المديون عن المطالبة ، أو عدم براءته .
وما يشمل المقاصد العرفية المرادة للناس في إصطلاح تخاطبهم ، فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود ، فقد صرح الفقهاء بأنه يحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه . ( ر: رد المحتار ، من الوفق عند الكلام على قولهم : وشرط الواقف كنص الشارع ) .
ومن هذه القسم ماذكروه من إنعقاد بعض العقود بألفاظ غير الألفاظ الموضوعة لها مما يفيد معنى تلك العقود في العرف ، كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والإعطاء . ( ر: مادة/ 169 و / 172 / من المجلة ) ، وكذا إنعقاد شراء الثمار على الأشجار بلفظ (( الضمان )) في عرفنا الحاضر .
------------------------------------
القاعدة الثالثة : اليقين لايزول بالشك
الشرح
اليقين لغةً : العلم الذي لاتردد معه ، وهو في أصل اللغة : الاستقرار ، يقال : يقن الماء في الحوض إذا أستقر . ( ر: تعريفات السيد ) . ولا يشترط في تحقق اليقين الاعتراف والتصديق بل يتصور مع الجحود ، كما قال تعالى : (وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ) .
واليقين في اصطلاح علماء المعقول هو : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الثابت . فخرج بالقيد الأول ، أعني الجازم ، الظن وغلبة الظن ، لانه لاجزم فيهما . وخرج بالقيد الثاني ماليس مطابقاً للواقع وهو الجهل وهو ان كان صاحبه جازماً . وخرج بالقيد الثالث إعتقاد المقلد فيما كان صواباً ، لأن إعتقاده لما لم يكن عن دليل كان عرضة للزوال . فكل ذلك ليس من اليقين في شيء .
لكن المناسب هنا تفسير اليقين بالمعنى الأول اللغوي ، لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر ، فكثيراً ما يكون الأمر في نظر الشرع يقيناً لايزول بالشك في حين أنَّ العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه ، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان ، مع أن شهادة الشهود لاتخرج عن كونها خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب ، وهذا الإحتمال الضعيف لايخرج ذلك عن كونه يقيناً لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر . ( ر: ما سيأتي قريباً ) .
والشك : التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما عن الآخر ، فإن ترجح أحدهما على الآخر بدليل ووصل ترجيحيه إلى درجة الظهور الذي يبنى عليه العاقل أموره لكن لم يطرح الإحتمال الآخر فهو الظن . فإن طرح الإحتمال الآخر ، بمعنى أنه لم يبقى له إعتبار في النظر لشدة ضعفه ، فهو غالب الظن ، وهو معتبر شرعاً بمنزلة اليقين في بناء الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستنداً إلى دليل معتبر ، وذلك كما إذا رأى إنسان عيناً في يد آخر يتصرف بها تصرفاً يغلب على ظن من يشاهده أنها ملكه ، وكان مثله يملك مثلها ، ولم يخبر الرائي عدلان بأنها ملك غيره ، فإنه يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكها. ( ر: الدر المختار وحاشيته رد المحتار ، آخر كتاب الشهادات ) .
ومن غير الأكثر بعض مسائل لا تعتبر فيها غلبة الظن ، بل لابد فيها من اليقين :
(أ) منها ما لو عقد الرجل على أختين بعقدين متعاقبين ونسي الأول فإنه يفرق بينه وبين الإثنتين ولايجوز ترجيح أولية عقد أحدهما على الأخرى بغلبة الظن ، بل لابد من العلم ، لأن العلم لايجري في مسائل الفروج . ( ر: الدرر ، كتاب النكاح ، محرمات النكاح ) .
(ب) ومنها ما لو طلق واحدة معينة من نسائه ثم نسيها فإنه لايجوز له أن يطأ واحدة منهن إلا بعد العلم بالمطلقة ، ولايكفي التحري أو تغليب الظن ولايسع الحاكم أن يخلي بينه وبين نسائه حتى يتبين ،لأن التحري إنما يجوز فيما يباح عند الضرورة ، والفروج لاتحل للضرورة . ( ر : الأشباه والنظائر ، القاعدة السابقة منه ) .
(جـ) ومنها الحبل ، فإنهم يعتبرو ظهور علاماته دليل جازماً على وجود الحمل ولم يبنوا عليه الأحكام الجازمه وإن كان يغلب على ظن كل من رأى المرأة أنها حامل . إنسان للحمل بشيء أو وقف لاتصح الوصية له أو الوقوف عليه إلاّ إذا ولد لاقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقوف لكي يتقن بوجوده وقتهما . ( ر: الأشباه والنظائر ، القاعدة الرابعة منه ) .
ومثل الولادة لأقل من ستة أشهر ، فيما يظهر ، ما لو مات أبوه قبل الوصية له والوقوف فإنه تصح الوصية له والوقوف ، فقد قال في جامع أحكام الصغار ، في كتاب الشفعة : (( قال محمد رحمه الله تعالى في (( الأصل )) : والحمل في إستحقاق الشفعة والصغير والكبير سواء ، فإن وضعت لأقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء فله الشفعة ، وأن جات به لستة أشهر فصاعداً منذ وقع الشراء فإنه لاشفعة له إلا أن يكون أبوه قد مات قبل البيع وورث الحمل فحينئذٍ يستحق الشفعة ، ومن جاءت به لستة أشهر فصاعداً )) .
نعم جعلوا ظهور علامات الحبل إمارة رجحو بها قول المرأة أنها ولدت عند إنكار الزوج للولادة ووقفوا بها الميراث للحمل . ولينظر فيما علم وجود الحمل قبل الوصية أو الوقف بالمشاهدة بواسطة الأشعة المخترعة حديثاً المسماة (( أشعة رونتجن )) ، وكانت المشاهدة بطريق مشروع كالتداوي ، ثم ولدته لاكثر من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف ، فهل يعتبر ذلك موجباً لصحة الوصية والوقف للتيقن بوجود الحمل أو لايعتبر ؟.
والظاهر عدم إعتباره ، فلابد من الولادة لأقل من ستة أشهر ، لا شكاً فيما أظهرته الأشعة ، بل لأنها إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر لا يتيقن حينئذٍ بأن المولود هو الحمل الذي كان شوهد بالأشعة ، لجواز أنَّ المشاهد أسقط ثم حصل بعده حمل جديد .
أما إذا كانت غلبة الظن غير مستندة إلى دليل فلا كلام في عدم أعتبارها مطلقاً ، كما لو غلب على ظن الغاصب حل العين المغصوبة له بناءً على احتمال جعل المالك إياه في حل منها ، وكما لو ظفر إنسان بمال الغير فأخذه على احتمال أن مالكه أباحه لمن يأخذه ، فإنه يكون ضامناً ولا يعتبر غلبة الظن هذه مهما قويت ، لأنها غير مستنده إلى دليل ، أنه من مجرد التوهم ، ولا عبرة بالتوهم . ( ر: المادة / 74/من المجلة ) .
إن هذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية ، وقد قيل أنها تدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عليها ، من عبادات ومعاملات وغيرها يبلغ ثلاثة أرباع علم الفقه .
ومعناها أن ماكان ثابتاً متيقناً لايرتفع بمجرد طروء الشك عليه لأن الأمر اليقيني لايعقل أن يزيله ما هو أضعف منه بل ما كان مثله أو أقوى .
هذا ، ولافرق بين أن يكون اليقين السابق : (1) مقتضياً للحظر ، (2) أو مقتضياً للإباحة ، فإن العمدة عليه في كلتا الحالتين ، ولا يلتفت إلى الشك في عروض المبيح على الأول ، وعروض الحاظر على الثاني.
فمن القسم الأول : ما لو غاب إنسان غيبة منقطعة بحيث لا يعلم موته ولا حياته ، فإن المعتبر اليقين السابق ، وهو على حياته ، إلى أن يعلم موته بالبينه أو بموت جميع أقرانه وأن كان إحتمال موته قائماً في كل لحظة ، فلا يجوز قسمة ماله بين الورثة ، ولو كان له وديعة عند آخر فيجب على المستودع حفظها ، فلو أعطاها للورثة يكون ضامناً .
----------------------------------
القاعدة الرابعة : الأصل بقاء ما كان على ما كان
الشرح
(( الأصل بقاء ما كان على ماكان ، حتى يقوم الدليل على خلافه )) لأن الأصل إذا أعترض عليه دليل خلافه بطل . ( ر : رد المحتار ، كتاب الدعوى ، آخر دعوى الرجلين ، نقلاً عن الزيلعي ) .
الأصل في اللغة : أسفل الشيء ، وفي الاصطلاح يطلق على معان كثيرة ، منها أن يستعمل بمعنى القانون والقاعدة المنطبقة على جزئياتها . ( ر : كليات أبي البقاء )، وهو المراد هنا .
ومعنى هذه القاعدة أنه إذا جهل في وقت الخصومة حال الشيء وليس هناك دليل يحكم بمقتضاه ، وكان لذلك الشيء حال سابقة معهودة ، فإن الأصل في ذلك يحكم ببقاءه وإستمراره على تلك الحال المعهودة التي كان عليها ، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك فيصار حينئذ إليه .
وذلك الدليل أحد أربعة أشياء : البينة ، والإقرار ، والنكول ، والأمارة الظاهرة ، على أن النكول يرجع إلى مجرد القرينة الظاهرة ، ( ر: ما سيأتي عن الحكام أثناء الكلام على القاعدة الثامنة : (( الأصل براءة الذمة )) ). فأما البينة والإقرار والنكول فأمثلتها واضحة معلومة ، وأما الأمارة الظاهرة فتحكيم الحال الآتي قريباً في الكلام على النوع الثاني من نوعي الاستصحاب .
إن هذه القاعدة ليست من القواعد الكلية التي ليست داخلة تحت غيرها بل هي ـ وما بعدها من القواعد الآتية حتى المادة / 13 / ـ من فروع المادة الرابعة المتقدمة وهي (( اليقين لايزول بالشك )) وداخلات تحتها .
---------------
القاعدة الخامسة : القديم يترك على قِدمه
الشرح
[(القديم يترك على قِدمه )] إلا إذا قام الدليل على خلافه ، كما في المادة /1224 / من المجلة .
القديم : هو الذي لايوجد من يعرف أوله . ( ر: المدة / 166/ من المجلة ).
ومعنى هذه القاعدة أنَّ التنازع فيه إذا كان قديماً تراعى فيه حالته التي هو عليها من القديم ، بلا زيادة ولانقص ولا تغيير ولاتحويل .
وإنما لم يجز تغيير القديم عن حاله أو رفعه بدون إذن صاحبه لانه لما كان من الزمن القديم على هذه الحالة المشاهدة فالأصل بقاؤه على ما كان عليه ، ولغلبة الظن أنه ما وضع إلا بوجهه الشرعي ( ر: الفتاى الخيرية ، فصل الحيطان ) .
فلو كان لأحد جناح في داره ممدود على أرض الغير ، وكان ذلك الجناح أو المسيل أو الممر قديماًً لايعرف من الحاضرين مبدأ لحدوثه ، فأراد صاحب الأرض أن يمنع صاحب الدار من مد الجناح أو التسييل أو المرور في أرضه ، أو أراد أن يحول المسيل أو الممر و يغيره عن حاله القديم فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه ( ر: المواد / 1224 و1225 و1229 / من المجلة ) .
وكذا ليس لصاحب الحق نفسه أن يحوله من جهة إلى جهة ، أو يصرف الممر مثلاً إلى دار أخرى له ،إلا إذا أذن له الآخر ، وللآذن ولورثته من بعده الرجوع عن هذا الأذن وتكليف صاحب الحق بإعادته إلى الحالة الأولى . ووجه جواز الرجوع ، كما في الخيانة ، أنَّ ذلك الإذن من قبيل الإعارة ، وهي غير لازمة . بخلاف ما لو بنى صاحب الأرض بناءً في الممر بإذن صاحب حق المرور فإنه يسقط حق مروره ولا يكون له بعد ذلك المخاصمة مع صاحب الأرض لاستعادته ، لأن إذنه ذلك إسقاط لحقه ، إلا إذا كان صاحب الحق مالكاً لرقبة الطريق فلا يمنع من المخاصمة واستعادته بعد إذنه بالبناء ، لأن الملك لايسقط بالإسقاط ، قال في فصل الأنهار من الفتاوى الخانية : (( ولو قال صاحب المسيل : أبطلت حقي في المسيل ، فإن كان له حق إجراء الماء دون الرقبة بطل حقه ، وأن كان له رقبة المسيل لا يبطل ذلك بالإبطال )) .
وكذلك لو كان نهر ، بين قوم ، يأخذ الماء من النهر الأعظم ، فمنهم من له فيه كوتان ومنهم من له ثلاث ، فقال أصحاب الكوى السفلى لأصحاب العليا : إنكم تأخذون من الماء أكثر من نصيبكم ، لأن كثرة الماء ورفعة يكون في أعلى النهر فيدخل في كواكم شيء كثير ، ونحن لا نرضى بهذا ، ونجعل لكم أياماً معلومة ونسدّ في أيامكم كوانا ولنا أياماً وانتم تسدون فيها كواكم ، فليس لهم ذلك ، بل يترك على حاله كما كان . وكذا لو أختصم أهل النهر فادعى بعضهم زيادة لم يكن ذلك إلا بحجة . والأصل في جنس هذا إن ما كان قديماً يترك على حاله ولايغير إلا بحجة ( ر : الفتاوى الخانية ، فصل الأنهار ) .
لايشترط في إعتبار التصرف القديم أن يكون ما يتصرف به قائماً في يد المتصرف إلى حين الخصومة ، بل يكفي أن يثبت المدعي وجوده في يده قبل الخصومة ، وأن المدعي عليه أحدث يده عليه ومنع المدعي منه ، فأنه يحكم به للمدعي ، لأن اليد الحادثه لاعبرة بها بل العبرة لليد الحقيقية ( ر: البحر الرائق ، شرح كنز الدقائق ، كتاب الدعوى ، أوائل دعوى الرجلين ، ج7 /256) .
وقد نصوا أنه لو كان لرجل نهر يجري في أرض غيره لسقي أراضيه وهو في يده يكريه ويغرس في حافتيه الأشجار مثلاً فأراد صاحب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه فليس له ذلك بل يترك على حاله لأن من هو في يده يستعمله بإجراء مائه ونحوه فعند الاختلاف القول قوله فلو لم يكن في يده ولم يكن جارياً وقت الخصومة فإن كان يدعي رقبة النهر فعليه أن يثبت أنه له وإن كان يدعي حق الإجراء في النهر فعليه أن يثبت أنه كان يجري ما لقديم لسقي أراضيه فيحكم له حينئذ بملك رقبة النهر في الصورة الأولى وبحق الإجراء في الثانية وبمثل ذلك يحسم الاختلاف إذا وقع في حق المرور أو حق التسييل في أرض أو على سطح أو في دار أو في طريق خاص أو بين علو وسفل ( ر الهداية وشروحها والملتقى والتنوير فصل الشرب والمادة 1177 من المجلة ) . هذا ثم إذا جهل حال المتنازع فيه ولم يعرف هل هو قديم أو حادث فالأصل فيه أنه إن كان في طريق خاص يعتبر قديماً حتى يقوم الدليل على يدخلوها عند الزحام وهذا التفسير يأتي في جميع الأحكام التي تذكر في غير النافذة ( ر جامع الفصولين الفصل الخامس والثلاثين صفحة 263 نقلاً عن خواهر زاده ) خلافه وإن كان في طريق العامة يعتبر حديثاً فللإمام أن ينقضه ( ر شرح المادة 224 من مرآة المجلة ) .
والمراد بالطريق الخاص في قولهم فالأصل فيه أنه إن كان في طريق خاص يعتبر قديماً هو ما كان مملوكاً رقبة لقوم وليس للعامة فيه حق أصلاً كما إذا كانت أرض مشتركة بين قوم بنوا فيها مساكن وجعلوا بينهم منها طريقاً حتى كان مملوكاً لهم على الخصوص فأما إذا كانت السكة مختطة من الأصل فحكمها حكم طريق العامة ولو غير نافذة إذ هي ملك العامة ألا يرى أن لهم أن يدخلوها عند الزحام وهذا التفسير يأتي في جميع الأحكام التي تذكر في غير النافذة ( ر جامع الفصولين الفصل الخامس والثلاثين صفحة 263 نقلاً عن جواهر زاده ) .
اختلف الإفتاء في اعتبار التصرف القديم في الحقوق فأفتى المرحوم خير الدين الرملي في سؤال رفع إليه بما يفيد عدم اعتباره وأنه لا بد من إقامة البينة على الحق المدعى به بخصوصه وتمسك بمسائل نصوا عليها وهي أن من ادعى حق المرور أو رقبة الطريق وأقام بينة شهدت له بأنه كان يمر في هذه لا يستحق بذلك شيئاً وأن الشاهد إذا فسر للقاضي أنه يشهد بالملك بناء على معاينة اليد لا تقبل شهادته واستشهد له المرحوم ابن عابدين في تنقيح الفتاوى الحامدية بما نصوا عليه من أن الوقف إذا كان على القرابة وادعى رجل أنه من القرابة وأقام بينة شهدت أن الواقف كان يعطيه كل سنة مع القرابة لا يستحق بهذه الشهادة شيئاً وكذا لو شهدوا بإعطاء القاضي له مع القرابة كل سنة لا يكون إعطاء القاضي حجة انتهى وكل هذه الفروع لا تصلح للتمسك لأن الدعوى والشهادة فيها ليست من قبيل دعوى التصرف القديم المفسر بما تقدم ولا من قبيل الشهادة به كما هو ظاهر كيف وكتب المذهب والفتاوى ناطقة بلزوم اعتباره وقد أفتى باعتباره حامد أفندي العمادي في محلات عديدة من فتاويه ووافقه عليها نفس المرحوم ابن عابدين ونقل عن الشيخ إسماعيل الحائك أنه أفتى باعتباره أيضاً وكل ذلك بناء على ما صرحوا به في كتب المذهب من اعتباره وصرحوا أيضاً بأن اعتباره هو الاستحسان وأن عليه الفتوى لو ادعى أحد الخصمين الحدوث وادعى الآخر القدم فالقول قول من يدعي القدم والبينة بينة من يدعي الحدوث ( ر تنقيح الفتاوى الحامدية والمادة 1768 من المجلة ) .
بقي ها هنا شيء يكثر وقوعه ولم أر من تعرض له وهو ما لو ادعى أحدهما الحدوث وادعى الآخر مرور الزمن فهل يكلف مدعي الحدوث البينة أو يكلف البينة مدعي مرور الزمن لقائل أن يقول بالأول وأنه إذا ثبت الحدوث لا تسمع دعوى مرور الزمن وذلك لأن مدعي القدم يدعي مضي مدة على الأمر المتنازع فيه هي أضعاف مدة مرور الزمن لأن القديم كما تقدم ما لا يوجد من يعرف أوله وهذا لا يكون غالباً إلا بعد أن يمضي عليه أكثر من ثمانين أو تسعين سنة وقد تقدم في الكلام على القاعدة الثانية أن كون العبرة للمعاني يجري في الدعاوى والخصومات أيضاً فكأنه بدعوى القدم يدعي مرور الزمن مضاعفاً ولم يجعلوا له والحالة هذه غير كون القول قوله فقط ولم يجعلوا البينة بينته بل جعلوا البينة بينة مدعي الحدوث بلا استثناء ولو قلنا بتقديم بينة مرور الزمن لم يبق من فائدة لتدوين ما بني على اعتبار القدم والحدوث من الأحكام ولأصبح كثير من مواد المجلة التي تدور عليها سدى ومعطلاً عن العمل به كهذه المادة والتي بعدها ومادة 1224 و 1228 و 1229 و 1230 و 1232 وليس ادعاء ذلك والإقدام عليه بالأمر السهل ! .ولقائل أن يقول بتقديم بينة مدعي مرور الزمن وذلك لأن مدعيه يدعي عدم صلاحية الحاكم لرؤية الدعوى عليه فهو في الحقيقة ينازع الحاكم في ذلك قبل الدخول في الدعوى فإذا ثبت مرور الزمن تبين أن الحاكم ليس بحاكم في هذه الدعوى بخلاف ما إذا ادعى القدم دون مرور الزمن فإنه يكون حينئذ قد اختار جهة الدخول في الدعوى وأجاب خصمه عنها وذلك منه تسليم لصلاحية الحاكم لسماع الدعوى عليه وحيث كان خصمه يدعي الحدوث فالبينة بينته وهذا بلا شك أوجه وأمتن والله سبحانه أعلم .